قانون مصر: أرشيفي الجريدة الرسمية و الوقائع المصرية

العلم بالقانون، على أهميته و تأثيره على حياة كل الناس، مهمة شاقة في مصر. فليس من السهل أن يحصل أي من يرغب على نصوص أي تشريع من ألوف القوانين السارية في البلاد، و التي يمررها البرلمان أو تصدر بقرار من رأس الدولة في غياب البرلمان، و لا من مئات ألوف القرارات الإدارية التي تصدر عن الموظفين العموميين بدءا برئيس الجمهورية، مرورا برئيس الحكومة و وزراء الحكومة و موظفي الجهات الحكومية المختلفة، نهاية بالحكومة المحلية من المحافظين و موظفي المديريات. هناك أيضا الأوامر التي يصدرها الحاكم العسكري للبلاد، و هو الاسم الذي يحكم به رئيس الجمهورية البلاد أثناء إعلان حالة الطوارئ. هذا العلم ليس فقط مفيدا للناس لكنه ضروري كي يصير التشريع ملزما لهم، و كما قالت المحكمة الدستورية العليا، فإن

القاعدة القانونية التى لاتنشر، لا تتضمن إخطاراً كافياً بمضمونها ولا بشروط تطبيقها، فلا تتكامل مقوماتها التى اعتبر الدستور تحققها شرطاً لجواز التدخل بها لتنظيم الحقوق والحريات على اختلافها. وعلى الأخص ما اتصل منها بصون الحرية الشخصية، والحق فى الملكية.

تسري القوانين في مصر بعد نشرها في الجريدة الرسمية، و الذي ينبغي أن يحدث خلال خمسة عشر يوما من إصدار رأس الدولة القانون. اعتادت المطبعة الأميرية أن تصدر القوانين و القرارات (و أخبار مصر عموما) في الوقائع المصرية، إلا أنه في وقت ما في الخمسينيات، بدأت الجريدة الرسمية في الصدور أسبوعيا إلا إذا تطلب الأمر إصدار عدد عاجل و صارت الوقائع ملحقا لها. اليوم، تنشر الجريدة الرسمية أساسا أغلب القوانين و ما في حكمها مثل أحكام المحكمة الدستورية العليا و الاتفاقات الدولية، بينما تنشر الوقائع المصرية بعض القرارات الإدارية التي تصدر عن الموظفين العموميين. هذا التقسيم ليس دقيقا تماما، فالجريدة الرسمية تنشر كذلك بعض القرارات الإدارية مثل قرارات رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة و قرارات بعض الهيئات الأخرى مثل الهيئة الوطنية للانتخابات. لا يوجد منطق واضح في ذلك التقسيم. يزيد الأمر حيرة أن المطبعة الأميرية تصدر أعداد الجريدة الرسمية و الوقائع المصرية مرقمة بأرقام مسلسلة تبدأ مع بداية كل سنة ميلادية، إضافة إلى أعداد مكررة و تابعة في الجريدة الرسمية، ثم أعداد تابعة في الوقائع المصرية. كي أسهل على القارئ، فالمطبعة الأميرية قد تصدر:

و هذه كلها تحوي قوانين و قرارات (و دساتير) تختلف عن بعضها (و في أوقات استثنائية، نشرت أشياء ليست لها صفة قانونية مطلقا، مثل هذا). لماذا لا تكتفي المطبعة بالوقائع المصرية، و هي المطبوعة المصرية التي بدأ إصدارها منذ العام 1828، برقم مسلسل واحد لعدد واحد في اليوم، بسهل على القارئين الإشارة و يبسط نظام العمل، و يتفادى انتهاء حروف الأبجدية التي ترقم للتوابع مثلما حدث بعض المرات؟ هذا ما لا أفهمه.

الأمر لا يتعلق بكمية القرارات، فهذه الأعداد و الملاحق و التوابع كلها لا تنشر إلا قلة مختارة من القرارات الإدارية التي تصدرها الدولة، و لا أعرف معيارا واضحا للاختيار. بعضها قد يكون أن هذا جزء، و ليس كل القرارات العامة (غير المعنية بأشخاص بعينهم)، إلا أنه كثيرا ما تصدر قرارات عفو عن المحبوسين أو إسقاط للجنسية أو أذون للتجنس بجنسيات أخرى أو قرارات تعيين أو ندب أو إقالة، و كلها قرارات خاصة بأشخاص بعينهم. روى الصحافي صلاح عيسى (1939-2017) مرة مازحا أن الدولة المصرية عريقة في البيروقراطية و أن كل شيء يسير بالأوراق، بما فيها قرارات الاعتقال التي كانت تصدر مثلها مثل بقية القرارات حتى يدور دولاب العمل. إلا أن تلك القرارات كانت تنشر في ملحق منفصل للوقائع “بيطبعو منه نسخة واحدة و يخلوها عندهم”.

الدولة تبيع نَص القانون للناس

اعتادت المطبعة الأميرية، و التي هي الآن هيئة عامة تتبع وزارة التجارة و الصناعة، أن تطبع هذه الأعداد و تبيعها في مقر المطبعة أو في منفذي بيع اثنين فقط، أحدهما في ميدان الأوبرا بالقاهرة و آخر في الإسكندرية. و بالإضافة، فهي تبيع اشتراكات للنسخ المطبوعة من المطبوعتين تكلفة الاشتراك الواحد منها 600 جنيه (زائدا مصاريف البريد إن لم ترغب في تسلمها باليد من مقر الهيئة أو من فروع البيع). تعتبر الحكومة أن توفير 1750 نسخة من المطبوعتين في ثلاثة منافذ في الجمهورية كاف لعلم كافة المواطنين و المقيمين بها.

بالإضافة إلى النسخ المطبوعة، تتيح المطبعة الأميرية الاشتراك في نسخة إلكترونية تصل بانتظام بالبريد الإلكتروني، إلا أنها أضافت في السنوات الأخيرة علامة مائية بعرض كل صفحة من صفحات النسخة الإلكترونية تفيد بأنها “صورة إلكترونية لا يعد بها عند التداول”. أي أن المطبعة نفسها تستثني هذه النسخ من شرط العلم بالقانون، لكنها لا تزال تبيع هذه النسخ الإلكترونية باشتراك سنوي.

يمكن موقع المطبعة التجريبي المستخدمين من البحث عن أعداد المطبوعتين، إلا أن الأرشيف لا يذهب أبعد من سنة 2000. في المقابل، فأهم القوانين السارية في مصر تعود إلى عقود قبل ذلك، فالقانون المدني مثلا، و هو أكثر القوانين مركزية، صدر سنة 1948 و قانون العقوبات صدر 1937، و غيرها الكثير. لا يوجد حتى فهرس للأعداد التي لا تتوفر منها نسخة إلكترونية.

و لتقصير المطبعة الأميرية في إتاحة أعداد كافية من المطبوعتين في منافذ البيع، و لبيعها النسخ الإلكترونية دون وجود قانون يسمح لها بفرض ذلك الرسم، أصدرت الدائرة الأولى في محكمة القضاء الإداري في القاهرة (ينظر القضاء الإداري المنازعات القضائية التي تكون الدولة طرفا فيها) حكما واجب النفاذ في الدعوى رقم 63089 لسنة 66 قضائية إدارية (للمحاكم تواريخها الخاصة) بتاريخ 24 يونيو 2014. يلزم الحكم رئيس الجمهورية و رئيس الوزراء و وزير العدل و رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية بتوفير “أعداد الجريدة الرسمية و ملحقها الوقائع المصرية بأعداد كافية في جميع أنحاء الجمهورية و تيسير بيعها لمن يطلبها دون اشتراط الاشتراك في شرائها مقدما”، و كذلك بإتاحة الجريدة الرسمية و الوقائع المصرية على موقع الهيئة “للجميع مجانا”. أحكام محكمة القضاء الإداري واجبة النفاذ فورا، إلا أن للحكومة أن تطعن على هذا الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا و تطلب إيقاف تنفيذ الحكم حتى تفصل المحكمة الإدارية العليا في القضية بحكم بات لا يمكن تعديله. لا أدرى إن كانت الحكومة قد طعنت بالفعل على الحكم، و لا أرى سببا يجعل الحكومة إلا أن ترحب بالحكم و تسارع لتنفيذه.

عيوب تقنية

ترسل المطبعة الأميرية للمشتركين في النسخة الإلكترونية ملفات في صيغة PDF معدة للطباعة مكونة من صور ممسوحة عن النسخة المطبوعة و بذلك لا يمكن البحث في هذه الملفات و فهرستها، كما أن حجم ملفات الصور يصير أكبر من حكم الملفات النصية لدرجة أنه من غير الغريب أن يصل حجم ملفات بعض الاتفاقيات الكبيرة عشرات الميجابايت. يجدر بالمطبعة أن تتيح ملفات PDF معدة للطباعة لكنها تحوى نصوصا بترميز UTF-8 بدل الصور، كما يجدر بها أن تتيح ملفات نصية Text Only بذات الترميز المعياري.

القانون يصدر في المشاع و نشره و تداوله مُباحين

القانون مهم للغاية و يؤثر على حياة الناس جم التأثير، و العلم به و فهم مبادئه العامة أمر غير بالغ التعقيد كما يبدو لأول وهلة، و هو مفيد جدا لكل الناس و ليس فقط للمشتغلين بالقانون، و هذا ما دفعني أوائل العقد الماضي إلى إعادة نشر التشريعات التي أظنها تهم الرأي العام، و أنا سعيد بالاهتمام التي صارت تلقاه الجريدة الرسمية و الوقائع المصرية من وسائل الإعلام و من الرأي العام عموما من بعد ذلك. لهذا، أتيح اليوم نسخة أولية لما سيصبح قاعدة معرفة تساعد الناس على الوصول لنصوص التشريعات المصرية. تتيح هذه النسخة الأولية أعداد الجريدة الرسمية و الوقائع المصرية منذ أغسطس 2010 و حتى اليوم كما أتاحتها النسخة الإلكترونية التي ترسلها المطبعة الأميرية، و سأعمل على إضافة أحدث الأعداد مرة كل أسبوع و استكمال الناقص في هذه الفترة و سأسعى للوصول للأعداد التي تسبق أغسطس 2010. بالإضافة لهذا الجهد المستمر، الخطوة القادمة في تطوير قاعدة المعرفة هذه هي ربط هذه الملفات بفهرس يسمح بالبحث عن القوانين و القرارات و الوصول إليها. بالتوازي مع ذلك، أعمل على طرح فهرس و قاعدة بيانات بالقوانين التي صدرت في مصر تكتمل تدريجيا وصولا إلى إعلان الجمهورية 1953 ، ثم رجوعا قدر الإمكان حتى تصل إلى الانتداب البريطاني 1914. تحاول القاعدة المعرفية هذه إيصال القانون للناس مجانا بأن تكون مكتملة قدر الإمكان، و على أن تحسن تدريجيا من جودة بياناتها و فهارسها.

تعليقات

comments powered by Disqus