هل هُزمنا في مصر؟

أحزنني طوال السنوات الماضية أن أسمع و أقرأ للكثيرين عن الهزيمة التي أصابت الثورة في مصر–و الثورة كلمة لم أعد أفهمها أو أستسهل استخدامها كما كنت أفعل منذ عقد مضى، و لذا لن استخدمها في بقية المقال هنا إلا تفكيكا–، و عن المصاب البالغ الذي نعانيه على إثر تلك الهزيمة، و عن الفرصة الضائعة التي ذهبت و لن تجيء مثلها قبل سنوات طويلة، حتى و إن كان المجتمع قد تغير بعدها إلى غير رجعة. لحزني هنا سببين اثنين: الأول هو إدراكي أنه من غير المفيد محاولة نفي مشاعر الآخرين خصوصا أنني يصيبني ما يصيبهم، و أننا لا زلنا نمر بذات التجربة سويا لأعوام قاسية و مخيفة؛ فاليوم، من في السلطة مستقر فيها إلى حين، و من قُتل قٌتل، و من في السجون سيقبعون فيها على الأرجح حتى نهاية مدد أحكامهم، و من هم خارجها ينتظرون في الأغلب تغيرا في الظروف لا يرون في أنفسهم مؤثرا كبيرا عليها.

و الثاني هو سبب للأسى أكثر منه للحزن، فما نشعر به و ما نختاره من تصرفات هي مشاعر و اختيارات صحيحة إن كانت قراءتنا للواقع صائبة، إلا أنني لا أظن أن القراءة السائدة لتاريخنا المعاصر صائبة. أحاول في هذه السطور أن أبلور قراءة أظنها بدأت تظهر من آخرين كذلك عن ما حدث في مصر في السنوات الأخيرة.

سؤال: هل كانت هذه هزيمة؟

السؤال في العنوان قد يبدو بلاغيا، و لكنه سؤال حقيقي، و إجابته أظن أنها عندي تختلف في الأغلب عن ما يظنه القارئ: إن كانت هذه هزيمة التي نعيشها، و الدليل عليها هو ألوف القتلى و عشرات ألوف المحبوسين و أحلام مجهضة رأت العيش و الحرية في متناول اليد، فلا بد أنه كان هناك احتمال واقعي لمكسب خسرناه. ما كان ذلك الاحتمال الواقعي؟ و كيف خسرناه؟

أزعم أنه لم تكن هناك فرصة في أي وقت لإقامة وضع يختلف كثيرا عما مررنا و نمر به. تفصيلا، أعيد الإجابة على هذا السؤال إلى لحظة ميلاد الديمقراطيين المصريين في شكلهم المعاصر و الذين شكل حراكهم وعي جيل هو الأكثر عددا و الأكبر تأثيرا على مسار تاريخنا القريب و تأثرا به، كما شكل وعي الرأي العام الديمقراطي الأوسع حتى و إن لم يكن ذلك الجيل و ذلك الرأي العام شاهدا على تلك اللحظة.

أقام الديمقراطيون أنفسهم أثناء سنوات حكم مبارك الأخيرة على المنطق التالي: يواجه الديمقراطيون في مصر خصما أكبر حجما و قوة بأضعاف عديدة و في ظروف صعبة، و لهذه الأسباب فإن الاستراتيجية التي اختارها الديمقراطيون وقتها (بدءا من أعوام الانتخابات الرئاسية الأولى 2005 وقت أن نشطت حركة كفاية و الاحتجاجات في شوارع القاهرة و المدن الكبرى، وصولا إلى ذروة الحركة في الفترة من 2011 إلى 2013) هي بناء تحالف واسع جدا يضم ألوان المعارضة السياسية المصرية على اختلافها، من الديمقراطيين و من غير الديمقراطيين، يعمل على حلحلة الوضع الحالي عن طريق الحشد و التظاهر بالأساس، مفترضا أن ما نحتاجه هو فرصة لانتخابات حرة نزيهة (بكل ما تتطلبه من إطلاق للحريات و إنهاء لحالة الطوارئ المزمنة و إقالة للحكومة الحالية) و قضاء عادل مستقل يعيد الحقوق لأصحابها و يحاسب الفاسدين على مر السنين.

ذلك التحالف الواسع من أجل الديمقراطية يتضمن تناقضا جوهريا لأنه يتطلب إدماج قوى معارضة هي بالأساس ضد الديمقراطية، أولها قوى الإسلاميين غير الجهاديين و على رأسهم الإخوان المسلمين، تليها تنظيمات قومية و يسارية و أشباه أحزاب لبرالية و أشياء أخرى لا يوجد لديها ما يكفي من التقدير لفوائد الديمقراطية و لعائد قيم الحرية و المساواة و التضامن على المصلحة العامة. هذا التناقض مفهوم و كان مقبولا في مثل ذلك الوقت المبكر لأن هذه الحركة الديمقراطية بكل عيوبها و مزاياها هي نتيجة للوضع المعيب المزمن للمجتمع المصري بعد إغلاق المجال العام عقودا طويلة، و لأن المجتمع المصري بأكمله، نظاما و مؤيدين و معارضة، لا يزال في طور التجريب و تعلم الأساسيات، و لهذا أستخدم تعبير “الديمقراطيين” هنا للإشارة ليس إلى فئة بعينها و لكن إلى رحلة نمر بها كلنا.

بالإضافة لضعف ذلك التحالف نتيجة طبيعة مكوناته، فإن أي تحالف واسع مثل هذا يصعب عليه إلا أن يكون حركة احتجاج على الوضع القائم دون توافق على شكل المجتمع الذي يسعى التحالف لتحقيقه. من الطبيعي أن تنفرط حركة الاحتجاج هذه بعد تحقيق أية حلحلة معقولة للوضع الذي تحتج عليه، و من المتوقع أيضا أن يحاول الطرف الأكبر الانفراد بالسلطة بعدها انفرادا كاملا إن استطاع. و هذا ما حدث، بلا مفاجئات، في 2011 و 2013. إن كان هناك درس للحركة الديمقراطية الوليدة في مصر من أحداث العقد الماضي، فهو أن السياسة لا تبنى على النوايا الحسنة بل على توازن القوى.

من غير المعقول أن يسعى الديمقراطيون إلى حلحلة الوضع التي أحدثتها مظاهرات و اعتصامات و صدامات يناير و فبراير 2011–و الديمقراطيون هم المسؤولون عن بدايتها لا شك، دون أن يتوقعون أن تملأ الأطراف الأكبر و الأقوى الفراغ الناتج عن إزاحة آل مبارك كما حدث في الأشهر التي تلت. لم يكن من المحتمل أن ينتج عن تلك الأزمة تحول ديمقراطي إذا كانت أقوى الأطراف وقتها غير ديمقراطية و لا تحتاج لتقديم تنازلات جذرية بعد استيعاب الهزة الأولى. و بالمثل في صيف 2013، من غير المعقول تصور أن إزاحة حكومة الإخوان في مثل ذلك الوقت يمكن أن ينتج عنها وضع يختلف كثيرا عن ما نحن فيه باعتبار توازن القوى وقتها. هذا ليس رفضا للحركة التي أدت بالفعل إلى حلحلة الوضع بإزاحة مبارك أو بإزاحة حكومة الإخوان، لكنه نقد للقراءة التي افترضت أن الحركة التي وصلت ذروتها بين العامين 2011 و 2013 كانت ستؤدي إلى تحول ديمقراطي في البلاد لولا أن حدثت بعض الأشياء، و هذا بالضبط ما أختلف معه منذ اللحظة الأولى فأنا لا أستطيع أن أفرق تفرقة أمينة بين تواريخ 25 و 28 يناير و 11 فبراير أو بين 30 يونيو و 3 يوليو–التي يستخدمها الناس كالأكواد كعادتنا في الإشارة إلى الأحداث بتواريخها بدلا من استخدام أوصاف لها–فتصبح مقدمات الأحداث، مثل مظاهرات و صدامات يناير 2011 و يونيو 2013 منفصلة عن نتائج الأحداث في بقية 2011 و بقية 2013. فهي عندي السبب المباشر لها إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة الأطراف السياسية الفاعلة في مصر.

لم تكن القوى الديمقراطية يوما واعية و كبيرة، أو حتى ديمقراطية، لحد يكفي أن تسير الأوضاع نحو التحول الديمقراطي، و لم يكن الطرفان الأساسيان الآخران، و هما النظام التقليدي في مصر و الإسلاميون، يحتاجان أو يرغبان أو يقدران على تصور التحول الديمقراطي كمكسب للمصلحة العامة. من الطبيعي أن يسعى ما تبقى من النظام إلى مسار يحدث فيه أقل قدر من التحول يتغير فيه وجه السلطة دون طبيعتها، و من الطبيعي أن يختار الإخوان كل الاختيارات التي تشير، المرة بعد الأخرى، إلى استبدادهم و قصر نظرهم. فدون تلك الاختيارات لن يصير النظام هو النظام، و دونها يكف الإخوان عن أن يكونوا إخوانا. لم تكن هناك فرصة واقعية للانتصار باعتبار حجم و طبيعة القوى الثلاثة الفاعلة في المشهد المصري، و بالتالي فما حدث لم يكن هزيمة. إن كانت الأقلية الديمقراطية مسوقة بعد حلحلة الوضع نتيجة اختلال توازن القوى في المجتمع، فإنها هي التي حركت المشهد قدما بالدفع نحو انقلاب ثم انتخاب حكومة غير ديمقراطية ثم انقلاب ثان على تلك الحكومة.

إن لم تكن تلك هزيمة، فماذا كانت إذا؟

لكن، إذا لم تكن الحركة تسعى واقعيا لتحقيق تحول مطرد نحو الديمقراطية، فماذا كنا نفعل إذا؟ الديمقراطيون هم من خلقوا بنجاح، و ربما عن غير قصد، الوضع الذي قذف بالإسلاميين (غير المستعدين و غير القادرين على تقديم حلول تنفع المجتمع) في السلطة ثم قذفهم خارجها في غضون سنوات قصيرة، كاسرين بذلك ثنائية النظام\الإسلاميين التي سادت الشأن العام المصري لعقود طويلة. إن كان هناك مكسب وحيد من الأزمة المستمرة التي خلقها الديمقراطيون بالأساس فهي أن الإسلاميين بأطيافهم لم يعودوا اختيارا سياسيا أساسيا لأغلب المصريين، و هذا وضع لن يتغير لوقت طويل، على عكس ما يأمل الإسلاميون أنفسهم، و على عكس ما يحاول النظام إقناع المصريين و العالم. سيظل المجتمع المصري على السطح محافظا للغاية، إلا أنه في انتخابات حرة تعقد اليوم أو في المستقبل المنظور سيحصد الإسلاميون أقلية ما، دون أن يصبحوا اختيارا للمستقبل عند الأغلبية الساحقة من الناخبين كما كانوا لعقود. بالإضافة إلى التحولات العالمية، فالديمقراطيون أيضا، بنجاحهم في تحريك المجتمع بعيدا عن النظام و الإسلاميين معا، هم من خلقوا الوضع الذي اضطر النظام إلى استخدام حد من العنف غير مسبوق. كل هذا البطش هو دليل على زيادة تأزم الوضع المصري نتيجة الربيع العربي و ردود الفعل عليه.

على عكس القراءة السائدة إذا، فالربيع العربي لم يكن، في مصر على الأقل و إن كنت أزعم خارجها أيضا، واقعيا إذ وعد الناس بالديمقراطية بعد عقود من الجمود نتيجة ثنائية النظام\الإسلاميين. جل ما وعده واقعيا و نجح نجاحا باهرا في تحقيقيه هو كسر تلك الثنائية (أتمنى، إلى غير رجعة) و تأزيم الواقع لدرجة لا يمكن معها تجاهل أعراض مشكلات مجتمعاتنا الحقيقية، و هي استبداد النظام الحاكم، ليس رغبة منه في البطش لكن محاولة للحفاظ على الوضع القائم بينما يفتقر لحلول مشكلات أكبر و أعمق تواجه مجتمعاتنا و تهدد استقراراها لدرجة غير مسبوقة.

هذا عن الاستراتيجية الأساسية و وعد الديمقراطيين في مصر. في تحقيق هذا الوعد بحلحلة الوضع و تأزيمه، كان التكتيك الوحيد الذي اتبعته هذه الحركة هو ربط الاحتجاجات في الشوارع بالإنترنت و بالإعلام الكبير، و هو أسلوب نجح و بمجهودات من شبكات مفتوحة من الناس في تكبير الحركة من عشرات الناس إلى مئات الألوف، أي خمس مراتب عددية كاملة في بضع سنوات، و هو معدل نمو لا يوصف إلا بالانفجاري. قد لا يزال الديمقراطيون أقل من القوتين الأخريين عددا و تنظيما، إلا أنهم القوة الوحيدة التي حققت نموا نسبيا على حساب الآخرين خلال العقد الماضي، و هذا أمر لا يدعو إلا للتفاؤل.

الإجابة: مصر

التفاؤل هنا مشروط بالتنازل عن القراءة الخاطئة، و بالتالي ضرورة التخلي عن استراتيجية التحالف الواسع و إن كان مع غير الديمقراطيين من القوتين الأخريين، لصالح بناء بديل ديمقراطي يملأ الفراغ المؤكد الذي ينتج عن انكماش هاتين القوتين نتيجة فشلهما في تقديم حلول حقيقية للأزمة المركبة التي نعيشها. لا مفر أن يركز هذا البديل على تجاوز شعارات العيش و الحرية إلى تطوير سياسات تفصيلية تحل مشكلات مزمنة في كافة مناطق السياسات، بدءا من شكل الدولة و طبيعة منصب الرئاسة، مرورا بالمالية العامة و نظام العدالة الجنائية و الحريات العامة، وصولا إلى هيكل الاقتصاد و استدامة مواردنا من الماء و التربة و الطاقة، على أن تكون هذه السياسات تتضمن ليس فقط أهدافا نهائية و لكن طرقا عملية لزيادة استقرار المجتمع أثناء انتقالنا من الوضع الحالي للوضع المستهدف، و هذا ما لم تبدأ الحركة بعد في العمل عليه حتى بعد مضي ثمان سنوات.

من المهم أيضا التخلي عن تكتيك الاحتجاج كتكتيك أساسي، و أن لا يكون أول ما نلجأ إليه. منذ لحظة إقالة مبارك، و الوضع المصري لا يحتاج إلى مزيد من الفضح و التحريض و الاحتجاج، فأزمة الحكم ظاهرة و تتسارع إلى حد أنها ستستمر بالقصور الذاتي. تحتاج الحركة عوضا عن ذلك إلى تصور ما يسمح لها بالنمو في الحجم و القوة في مثل هذه الظروف الصعبة قبل تمني أي لحظة مواجهة مقبلة.

لا زالت قناعتي و بالنظر إلى التكلفة التي دفعها المجتمع المصري حتى اليوم، و هي على فداحتها التي بدأت في المرتين الاثنتين كلتيهما بما يقارب الألف قتيل و تبعها العديد من القتلى و عشرات ألوف المحبوسين و تقييد مجتمع بأكمله، تتضاءل بالتكلفة التي دفعتها مجتمعات أخرى نسبة إلى عدد السكان، أننا على بداية مسار أفضل من المسار السابق، إلا أن الحفاظ على هذا المسار و التقدم عليه يتطلب قراءة و ممارسة و مهارات تختلف عن ما كان مفيدا في سنوات الربيع و ما سبقه.