حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

إحباط

كيف ثار عشرة ملايين مواطن؟

لا أحد يدري تماما. يبدو أن أحد العاملين في شركة المحمول أرسل رسالة واحدة إلى جميع المشتركين: "كروت شحن مجانية قدام كل أقسام الشرطة في مصر".

افرحوا وابتهجوا

بعد بيتهوفن، تعلمت أولى أغنياتي في سن الرابعة عندما كنت أذهب إلى مدرسة راهبات عراقيات، عدا أنني لم أدرك وقتها أن هؤلاء كن راهبات، وأن في الأغنية مضمون ديني مسيحي–وهي ليست كذلك تماما–وأنني أقلية مسلمة. لا أظنني كنت مسلما في تلك السن المبكرة أيضا، فذلك هو الوقت الذي كنت أعرف فيه أن المسلمين يسكنون الكويت، والمسيحيين إنجلترا، بمن فيهم خالتي وأولادها. أما مصر فقد كانت بلدا عجيبا كل شيء فيه يظهر بظلال الأبيض والأسود كما تعرضها أفلام التلفاز: “تعال يا عمرو شوف مصر!”، كانت أمي لا تمر عليها فرصة من تلك الفرص إلا وتناديني. لم أكن أجد أيضا فرقا كبيرا بين أولئك الممثلين وبين عائلتي الكبيرة التي أراها في الصور، بل كان هناك دائما بعض التداخل. وفي الوقت الذي أتيح لي فيه أن أحادث فتاة اسمها ماريان من دون أن تبدو كالخارجة من قصص روبنهود، كان تركيزي قد انتقل من نية دراسة فقه الشافعي إلى محاولة الإجابة عن أسئلة مثل: ترى كيف يبدو إسلام البشر الذين يعتقدون بصلاحه لكل زمان ومكان لسكان كواكب أخرى هم موجودون حتما في مجرتنا بحساب الاحتمالات؟ ماذا تعني لهم كل النصوص عن العلاقة بين الذكور والإناث، أو بين الأجيال أو المجتمعات وهم لا بد مختلفون عن ذلك كله تمام الاختلاف؟ كنت مصابا بطلقة بندقية هوائية في ذراعي الأيمن عندما دلفت مسجدا في خريف عامي الحادي عشر لأصلي، وظللت أعود خمس مرات أسبوعا كاملا متيحا كل الفرص لأهل ذلك المسجد أن يعيدوا ترتيب عقلي قبل أن أقرر أنني لم أعد طفلا وتبدأ المشاكل. حاولت صادقا أن أعطيهم الفرصة، إلا أنهم لم يعرفوا أي الكلام يختارون، فخلعت عني الحلة الرياضية الخضراء التي ارتديتها كي لا أبدو مختلفا، وارتضيت لنفسي موقف الأقلية. كنت دائما ما أمل من قراءة الكتاب المقدس بمجرد وصولي سفر العدد، واعتدت في المرات القليلة الأولى لقرائتي إياه أن أقفز من العدد إلى أناجيل العهد الجديد قبل أن يصيبني الملل ثانية في الرسائل، إلا أنني بين الملل والملل حفظت الجزء الأكبر من الموعظة على الجبل:
فلمّا رأى يَسوعُ الجُموعَ صَعِدَ إلى الجبَلِ وجلَسَ. فَدنا إلَيهِ تلاميذُهُ، 2فأخَذَ يُعلَّمُهُم قالَ: “3هنيئًا. للمساكينِ في الرٌّوحِ، لأنَّ لهُم مَلكوتَ السَّماواتِ. 4هنيئًا للمَحزونينَ، لأنَّهُم يُعزَّونَ. 5هنيئًا للوُدَعاءِ، لأنَّهُم يَرِثونَ الأرضَ. 6هنيئًا للجِياعِ والعِطاشِ إلى الحقَّ، لأنَّهُم يُشبَعونَ. 7هنيئًا للرُحَماءِ، لأنَّهُم يُرحمونَ. 8هنيئًا لأنقياءِ القُلوبِ، لأنَّهُم يُشاهِدونَ الله. 9هنيئًا لِصانِعي السَّلامِ، لأنَّهُم أبناءَ الله يُدْعَونَ. 10هنيئًا للمُضطَهَدينَ مِنْ أجلِ الحقَّ، لأنَّ لهُم مَلكوتَ السَّماواتِ. 11هنيئًا لكُم إذا عَيَّروكُم واَضطَهَدوكُم وقالوا علَيكُمْ كَذِبًا كُلَ كَلِمةِ سوءٍ مِنْ أجلي. 12اَفرَحوا واَبتَهِجوا، لأنَّ أَجرَكُم في السَّماواتِ عظيمٌ. هكذا اَضطَهَدوا الأنبياءَ قبلَكُم.
هو رجل: رجل باسم القلب دائما إلا في لحظة أو اثنتان. يسوع عندي أيضا صلب، ومات على الصليب، ولم يقم بعدها، فلا قيامة من الموت إلا فيما تمنينا من جراء ضعفنا. لم أخبر مالكا فجر ذلك اليوم أننا نختار الإيمان لأننا لم نتحصل بعد على إرادة القوة كي لا نتمنى الحياة بعد الحياة. هنيئا للمحزونين لأنهم يعزون.

Mahmoud Tawfiq - Radio Zift FM

محمود توفيق سمع لكم، وسجل.

حبر الانتخابات يختفي أسرع هذه المرة

في الللية السابقة للانتخابات، دخلت في حوار مع أخي عن إن كان يجدر بمرشحي الإخوان المسلمين الحصول على صوتي. عثرت أثناء الحوار على موقع اتحرك على قائمة بمرشحي المعارضة في الدوائر المختلفة. كان ظاهرا لي أن القائمة قديمة، فبعض الأسماء التي حضرت مؤتمراتها الانتخابية--كمال أبو عيطة في بولاق الدكرور والعمرانية، وكمال خليل في امبابة--غير مذكورة. وجدت في دائرتي مرشحين معارضين: عادل وديع فلسطين من التجمع لمقعد الفئات، ومحمد خضري عوض من الوفد لمقعد العمال. صباح يوم الانتخابات استقبلني شباب الإخوان المسلمين والحزب الوطني أمام المقر الانتخابي. واضح أن المنافسة محصورة بين مرشحيهما--في مقعدالفئات مكارم الديري عن الإخوان، ومصطفى السلاب عن الوطني، وفوزي السيد مستقلا عن الوطني--ابتسم الإخواني الواقف على الرصيف عندما أجبت على "السلام عليكم" بـ"عيب. الدعاية الانتخابية انتهت". بحثت عن اسمي. دلفت إلى اللجنة. الجالس على الكرسي يكبرني ببضعة أعوام. فكرت في الطابور أن أخبره بالدعاية الانتخابية على باب المدرسة وداخلها، ولكنه بادرني بالسؤال عن بطاقة انتخابي وتحقيق شخصيتي. لم أفاجئ خلف الستار أن وديع فلسطين ليس على القائمة. أؤشر أمام اسم المعارض الآخر، وأنتهي مصوتا لعامل آخر اسمه حنا. المسيحيون لا يرشحهم الحزب الوطني، ولا الإخوان. الصندوق زجاجي الجانب. الحبر لن يزول اليوم على الأقل--مصر الجديدة!--في طريقي خارجا، يصيح في واحد داخل باب المدرسة "فوزي خلاص؟". ألتفت وأبدأ في ترديد كل ما أعرفه عن خمس وعشرين مترا حول المقر الانتخابي ممنوع فيها الدعاية، وعن أشياء أخرى وأنا أراقب العرق المتزايد على جبينه. ارتجف الرجل تماما عندما انتهيت بسؤاله "انت عارف الكلام ده ولا لأ؟"، وأجاب أنه "ع ع عععارف. عارف". أومأ موافقا عندما أخبرته أن مكان الدعاية الانتخابية خارج المدرسة. استدرت وتابعت طريقي إلى الخارج. إلا أن شابا ناداني وأنا أعبر الطريق، وتبعه آخر، ثم ثالث. أخذ الأول يهددني لأنني تحدثت بشكل "وحش مع الراجل ده. الراجل ده يبقى عمنا كلنا"، بينما أمسك الآخر بذراعي. أفلت قبضة الثاني وأخبرت الأول أن يتبعني إلى الداخل، إلا أن ثالثهم--كلهم يعلقون على أعناقهم بطاقات فريق فوزي السيد--ناداه بأن عليهم الذهاب، وأنه كفى. المشهد أمام مدرسة أبو بكر الصديق في شارع المطار في امبابة يتختلف كثيرا عنه أمام مدرسة الخلفاء في شارع الخليفة المأمون في مصر الجديدة. يختلط ضجيج خمس سيارات لا بد أنها تصرخ بأسماء المرشحين وأشياء عنهم بمئات ممن يقفون للفرجة وعشرات يوزعون دعايا المرشحين من كل الألوان مباشرة أمام باب المدرسة. وسط كل هذه الأصوات والحركة استطعت تمييز الورقة الدوارة وهي تنتقل من امرأة إلى المشرف على التزوير إلى امرأة أخرى. أستبشر في المقر الانتخابي لكمال عندما أسمع أن الإخوان المسلمين قرروا منح أصواتهم في امبابة له، وأقابل عم علي. عم عليعم علي علي أمين السيد حمد صعيدي من قنا أتم السبعين من عمره، مسجل في الجداول الانتخابية في امبابة. أدلى بصوته آخر مرة للرئيس جمال عبد الناصر، وها هو يعود الآن لينتخب كمال خليل. وقف الرجل في المقر حاملا بطاقته الشخصية رقم 23505082700376، وشرح لي حالته: فقد عم علي شهادته الانتخابية الحمراء خلال السنين، ورفض قسم الشرطة استخراج بدل فاقد لها. "أنا راجل أمي، لكني مش جاهل، وحقي كده مهضوم. باين علي إني مواطن، والمفروض بأي لجنة أنتخب بالرقم القومي". علي أمين السيد حمد ليس وحده، ففي الداخل كان يجلس مرشحان سابقان في انتخابات المجلس المحلي في امبابة، أي أنهم لا بد مسجلون، إلا أن أسمائهم رفعت من الكشوف الانتخابية، وبالتالي لم يسمح لهم بالتصويت. يحاول علاء الحصول على الجداول الانتخابية من مرشحي المعارضة في مختلف الدوائر، إلا أن هذا الإجراء لن يفيد إلا في كشف حجم التلاعب فيها. الحل، كما يدرك عم علي، هو السماح بانتخاب أي شخص يحمل "البطاقة الكمبيوتر". يجاهد اسماعيل هلال مشرح الحزب الوطني في امبابة بأصوات ألفي شخص يحضرهم من الإسماعيلية كل موسم. استخرج هلال لهؤلاء بطاقات شخصية ثانية على عناوين وهمية في امبابة، وبعدها بطاقات انتخابية. محمد أبو العنين يقوم بشيء مماثل في دائرة الجيزة، وإن لم يكن بنفس حرفية هلال. حاول أبو العنين أن يشحن ثلاثة آلاف من السويس والشرقية في سيارات منها ما تملكه محافظة الجيزة كي يصوتوا له ببطاقات انتخابية مستخرجة في الجيزة. لم يكن باستطاعة القاضي المشرف على تلك اللجنة إلا اتباع الإجراء القانوني، فالبطاقات سليمة وإن كان أصحابها من بلاد أخرى. على العموم قام الرجل بمساعدة المندوبين المرتبكين واتصل بباقي المرشحين. بعد وصولهم هدد محمد الأشقر مرشح التغيير ومستقلين اثنين (أحمدمصطفى وسيدة أخرى) والقليل من مندوبيهم بضرب مئات العمال الذين أسرعوا بالفرار من مدرسة صلاح الدين بالجيزة، فهم غير مهتمين بالتصويت لأبو العنين أصلا، بل إن علاء سمع أحدهم يقول: "طب ما احنا ممكن ننتخب اللي عايزينه، ومحدش حايعرف". نقل نفوذ أبي العينين ثمان صناديق من ثمان مدارس في دائرة الجيزة إلى أرض خراب في العمرانية المجاورة. أبو العنين بتواجده الدائم في الدائرة غير محتاج للتزوير أصلا--الطبع غلاب--، على عكس اسماعيل هلال في امبابة، الذي برغم الآلاف من السوايسة والشراقوة، وأحداث ذلك المساء، فإنه لم يحصل إلا على الإعادة. تركنا، علاء وأنا، محمود توفيق الذي استطاع تسجيل كل أحداث الجيزة بالصوت، وذهبنا إلى منزل علاء ظانين أن اليوم انتهى. إلا أن مكالمة أخبرتنا أن كمال خليل طرد من لجنة الفرز حين اعترض على فتح كل الصناديق في آن واحد وبدء الفرز قبل وصول المرشحين ومندوبيهم. وصلنا أمام لجنة الفرز بمدرسة باحثة البادية في امبابة لنجد تجمعا من مئات من أهل المنطقة والمؤيدين لكمال خليل يحول بينهم وبين باب المدرسة عشرات من الأمن المركزي. هتف الجمع ضد التزوير الذي يحدث بالداخل، وانتقل نفر منهم إلى قسم إمبابة حيث وافق كمال خليل على طعن قدم سابقا من مرشح آخر. كان ذلك منتصف الليل، منتصف الليل للمعارضة كلها.

التغيير

بعد الإعلان عن "ضوابط" النظام للترشح لرئاسة الجمهورية، ترسخ في ذهني معنى آخر للتغيير. التغييرالتغيير

كالجسر فوق مياه دوامة أمد نفسي

وصلني خبر أنني سأعيش بجسدي مريض ولا شفاء: عقبة أخرى أمام شغفي. هل تطيقين سماع الموسيقى؟

هل أبدأ من هنا؟

وضعت أمامي زجاجة البراندي نصف الممتلئة—نصف الفارغة كي لا أفقد المعنى—وسبعا وثلاثين قرص دواء زهري اللون. لا أعرف نوع الدواء حقا، ولكن لا بد أنه في عمر فتاة مراهقة الآن، فقد مر وقت طويل منذ أن بيعت عبوة المائة قرص لأي دواء بخمسة عشر قرشا. هل هذا ما أريده فعلا؟ لا يتوقع الجميع من شخص على وشك أن ينهي حياته أن يفكر في حلول لمشاكل المحرومين في العالم.
Syndicate content