حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

سيداتي سادتي، نحن نسبح في فضاء

ناس

عبد المنعم محمود

عبد المنعم محمودعبد المنعم محمود رسالة نصية من أسد توقظني قبل الفجر. اقتحم الأمن منزل عبد المنعم في الإسكندرية. هو في القاهرة و مطلوب. بعدها بأقل من ساعة يصلني و يصل لآخرين بريد من عبد المنعم نفسه، "اخر ما اسطتيع ارساله قبل ان اسلم نفسي لامن الدولة"، و باقي نص البريد هو الخبر الذي نشره محمود نفسه عن مداهمة منزله في تدوينتين على أنا إخوان، و هي مدونته الشخصية، و إنسى، المدونة التي بدأها ضد تحويل معتقلي الإخوان المسلمين إلى المحاكمات العسكرية.

قابلته ثلاث مرات بشكل عابر، إلا أنها كلها كانت ذات صلة بالتعذيب: في لقاء فكري حول دور المدونات في التصدي لظاهرة التعذيب في مصر نظم في جمعية المساعدة القانونية، و في ندوة ضمن مؤتمر القاهرة حيث نطق بشهادته عن واقعة اختطافه و تعذيبه--و إن فضل هو أن لا يسميها تعذيبا، لأنهم "عاملونا معاملة جيدة و كان في ضرب بس من غير كهربا"، و الأخيرة منذ أقل من يومين في المؤتمر الصحافي لمنظمة العفو الدولية التي أطلقت فيها تقريرها عن مصر -- انتهاكات منهجية باسم الأمن حيث كنت أعمل مترجما، و عبد المنعم مراسلا لقناة الحوار.

عبد المنعم ليس مدونا فقط، بل هو مدون و صحافي، و هو من أنشط من يمارسون صحافة المواطن منذ بدأ التدوين. منعم أيضا من الإخوان المسلمين، كما يدل اسم مدونته، بالإضافة إلى أن منذ ظهوره في ساحات المدونات، تبعه العديد من شباب و شابات الإخوان، لا سيما من أبناء المعتقلين، الذين استخدموا أساليب حملات ناجحة نظمتها مدونات قبلهم على وب. تضامن عبد المنعم مع عبد الكريم (في حين أن الأخير قد لا يتضامن مع الأول) ليس بأقل من مؤثر، و هو أدعى للوقوف بجانبه. لقد ساهم عبد المنعم في جعل المدونات أكثر ارتباطا بحياة مزيد من المصريين.


شهرين بحالهم يا شرقاوي!

شرقاوي صعب جدا الحديث معه وسط البلد، فهو إما يصرخ طوال المظاهرة، أو لا يستطيع البقاء كثيرا بسبب أنه مراقب، أو لأن الناس كثر بما لا يسمح بحديث أعمق. إلا أن بعد كل هذا في دردشات الفجر، ووسط كل صراخي أنا عن كيف يعمل دروبال، تجد شخصا آخر.

هو صحيح بتاع مشاكل، لكن شرقاوي فعلا يصدق أن علاقاته مع كل الناس سيئة بسببه هو، وأن كل المشاكل التي دخل منها ولم يخرج سببها انفعالاته. وربما هذا هو السبب الذي دفعه للعمل بالسياسة في المقام الأول، فيبدو لي أنه دائما يبحث عن ما يمكنه أن يقوم به، بدلا من أن يحزن لما لا يمكن أن يؤثر عليه.

رأيته ليلة البارحة بعد ثلاثة أشهر، باستثناء مرتين: في قسم قصر النيل نهاية الاعتقال الأول، وفي ليلة أخرى قبل الاعتقال الثاني. مازحته عندها، "شهر بحاله يا شرقاوي!". لم أكن أدري.

ليلة البارحة وجدته ينبهني: "خليكم معي، تمام زي ما علاء قل لي روح شوف أمك. عاوز أتخرج. عاوز أخلص جيش."

يا شرقاوي، لو كانت علاقتك سيئة بالناس، فانت مش السبب. وعلى العموم، ما حدش هيفكر يتخانق معك خلاص، مع إنك عمرك ما هتتغير.


الحركة بركة

وصل وائل خليل مؤتمر كفاية الأخير، ولمحني أجلس في الخلف. سحب كرسيا، وجلس بجواري. نظر حوله لثوان، وتنهد في أسف، ثم قال لي: "عاوزين نجيب التايهة بقى يا غربية".

بدأنا نفكر في حملات يجب أن تركز الحركة عليها وعليها فقط، حتى لو ظهرت على السطح أزمات كالعبارة أو أنفلونزا الطيور. يجب أن يكون بالإمكان إحراز مكاسب في هذه الحملات، وأن لا نركز على أهداف فوق الطاقة كـ"لا للتمديد ولا للتوريث". كنت أفكر في حملات ثلاث: البطالة، والفساد، والحريات، بينما فضل وائل أن يركز، باعتباره اشتراكيا، على قضايا كالإسكان، والخصخصة.

انطباعي أن "باعتباري اشتراكيا" هي أكثر ما يبدأ به وائل حديثه، وهو القادر فعلا على الحديث، فهو دائما يخرج من المظاهرة ليقابل اعتراض الناس الأولي، ويسمح لهم بالكلام إلى أن يصلوا بأنفسهم إلى ما يريد أن يقوله. أتخيل طبعا أن وائل هو قلب كل المفاوضات في سجن المحكوم الآن.

وائل خليل

أعرفه، عن طريق علاء، منذ حوالي العام، بالضبط منذ ليلة كنس السيدة. الأغرب أنني أعرف علاء نفسه منذ ما يزيد عن ذلك بقليل، ففي أسبوع من العام الماضي يماثل الذي قبض فيه على علاء، دلفت مقهى صغيرا في المهندسين غرب القاهرة. المقهى الحديث الطابع، وإن لم يكن الصوت فيه عاليا جدا، يوفر اتصالا لاسلكيا بإنترنت، وهذا هو تقريبا الشيء الوحيد الجيد في المقاهي الحديثة في القاهرة. تعرفت على طاولتي بمجرد أن لمحت علاء، وشعره، وحاسوبه المحمول. طبعا. كان ذلك وقت يمكنك أن تجمع فيه كل المدونين المصريين في غرفة واحدة. وعندها، في تلك المقابلة الأولى للمدونين--التقليد الآن في مصر أن نسمي كل اجتماع للمدونين "اجتماع المدونين الأول"--، كنا لا نزال نعلق على الأخبار. في غضون أسابيع قليلة من ذلك الحين، سنصبح نحن الأخبار.


رجع الصدى

في العام 1968، كتب عبد الرحمن الشرقاوي رواية الأرض عن مقاومة المصريين للاحتلال البريطاني وقت الكساد العظيم، لا سيما في العام 1933. الفارق بين الرواية والأحداث خمس وثلاثون سنة، حول يوسف شاهين بعدها الرواية لفلم. بعد خمس وثلاثين عاما أخرى، أي في 2003، رأى فنان التجهيز في الفراع معتز نصر أن الحال لم يبارح من ساعتها: "كلام! كله كلام في كلام في كلام!"

معتز نصر في جنينة عامرية، وادي زواتين، كاتريةاشيرين الأنصاري

بقدرتها على حكي القصص، تدخل شيرين الأنصاري مقهى من مقاه وسط القاهرة: مرتدية السواد أسفل شعر أسود كثيف، ثم تخاطب رواد المقهى كما خاطب أبو سويلم أهل القرية، محافظة في أدائها على نفس سرعة وإيقاع وفواصل أداء محمود المليجي وهو يخبر الجميع في الفلم أن ما جرى لنا سببه "أننا كنا رجالة، ووقفنا وقفة رجالة". وأثناء ذلك، يسجل معتز الذي يجلس في ناحية من المقهى رجع صدى شيرين عن المصريين، صوتا وصورة. عرض معتز بعدها المشهدين، من الفلم ومن المقهى، بشكل متزامن في عمل ناجح اسمه الصدى: "كلام! كله كلام في كلام في كلام!" معتز من أكثر الفنانين الذين أعرفهم تركيزا على الفكرة.


"قبيلة غربية"

أثناء اكتشافي لآخرين يحملون اسم غربية من غزة، ومن الخليل والقدس، وحكايات عن أولياء مغاربة وجدود لنا من إشبيلية، لفت محمد انتباهي وانتباه أخي إلى مدونة سامي بن غربية. كتبت لسامي من فوري، ووصلني الرد:

أنا يا أخي كما تعلم تونسي من مدينة بنزرت الواقعة في أقصى الشمال التونسي، مدينة بحرية جميلة جدا. تعتبر عائلة بن غربية أو بالغربية من أعرق العائلات في مدينة بنزرت و بالتحديد من حي القصيبة ، بكسر الصاد. و هو الحي الشهير الذي يحيط بالميناء القديم لمدينة بنزرت. أنا الآن لاجئ سياسي بهولندا بعد أن فررت من تونس سنة 1998. أنشط مند 5 أعوام على الأنترنت و أدير مع ثلة من أصدقائي موقعين تونسيين معارضين للنظام التونسي.

الموقعان هما نواة، ويزي (كفاية باللهجة التونسية). يزي هي مظاهرة إلكترونية تنادي "بن علي فُك!"؛ أطلقت مع القمة العالمية لمجتمع المعلومات في أكتوبر الماضي، ومنعت في تونس بعد إطلاقها بثماني عشرة ساعة، وهو طبقا لسامي، رقم قياسي جاءت معه تغطية إعلامية واسعة. يشرف سامي أيضا على مدونة الجمعية التونسية للنهوض والدفاع عن فضاء شبكة المعلومات.


رنوة من لبنان إلى غزة

قابلت رنوة يحيى أول ما كان على الشاطئ في سيناء. لفت نظرها كتاب أقرأه يحكي سيرة "كمال جنبلاط: الرجل والأسطورة"، من منشورات دار النهار. شرحت لها كيف أنني مضروب بلبنان وتاريخه المعاصر، وأخذت أحكي عن هروبي إلى هناك لثلاثة أيام من أجل حفل لروجر ووترز (موسيقاه وبنك فلويد من أفضل ما أفقه فيه في هذه الدنيا)، ولكن أيضا لأسير في الشوف صعودا من الساحل وحتى دير القمر وبيت الدين، وعن لعبة ألعبها في كل مدينة جديدة: اشتريت خريطة لبيروت، وقدمت من صيدا إلى الكولة، ثم تهت عمدا كي أصل إلى المتحف الوطني عن طريق الحمراء:

"من فضلك، كيف أصل إلى كورنيش بيير الجميل؟"
"دعني أرى. أنا وصلت هنا البارحة، لكنك إذا سرت في هذا الشارع حتى ميدان العدلية، وانحرفت يسارا عنده، تجد كورنيش الجميل"
"يسلموا"
روجر ووترز في بيروت

المتحف نفسه دفعني إلى أن أسميه "المتحف المصري في بيروت"، فمعظم المعروض إما مصري جاء بالتجارة، أو كنعاني متأثر بالمصرية. في مكتب صديق لي سألني المدير عن رأيي في لبنان، ودعا أن يسامحني الله عندما أجبت أنها جميلة، وجديدة. نصف بنايات بيروت إما جديدة بناها الحريري بالديون، وإما تعود لعقود، أو نصفها الذي بقي من الحرب بعد أن احتمل الصواريخ.


الحراك الاجتماعي

يرتكز جلال أمين في تقديم تفسير عن ماذا حدث للمصرين على فكرة الحراك الاجتماعي كطريقة--هو لا يحب كلمات مصطنعة كـ"آلية"--للربط بين ظواهر يشهدها المجتمع المصري منذ أن بدأ تحديثه: اختلال الهيكل الإنتاجي (كثير منا كالحلاقين يقصون شعور بعض ولا إنتاج)، واختلال ميزان المدفوعات (دخلنا ريعي يعتمد على النفط، وتحويلات المغتربين، وعوائد قناة السويس، ناهيك عن المعونات الأجنبية. نستورد الكثير من الغذاء)، واختلال توزيع الدخل، وانخفاض معدل الادخار فالاستثمار، واختلال أنماط الاستهلاك والاستثمار، والفساد، وتدهور الحياة في المدن والقرى، وضعف الانتماء واللغة القومية؛ وبين أسباب يراها معظمنا كالانفتاح، والهجرة النفطية. فالعلاقة غير مباشرة بين الأعراض وبين هذه الأسباب.

يشهد المجتمع المصري حراكا اجتماعيا سريعا في الاتجاهين، فيهبط البعض السلم الاجتماعي، ويصعد الكثير. سبب هذا الحراك هو عملية التحديث التي يخضع لها مجتمعنا منذ عقود، والتي بدأت قبل 1952 بالتعليم، الذي هو أهم عوامل الحراك الاجتماعي، والذي استمر في الخمسينيات والستينيات مضافا إليه الإصلاح الزراعي، والتأميم، والحراسة، والتوسع في الدراسة الجامعية، والتنمية الزراعية والصناعية، ونمو المؤسسة العسكرية، ونمو البيروقراطية. استمرت هذه العوامل في السبعينيات والثمانينات، وأضيف إليها العمل الأجنبي (برموز التميز الاجتماعي المختلفة التي يوفرها)، والهجرة النفطية، وارتفاع معدل التضخم.


فتحي سلامة

[img_assist|nid=135|title=فتحي سلامة|desc=صورة مسروقة من [[http://fathysalama.com|موقعه]]|link=node|align=left|width=400|height=260]

تفتقر الموسيقى العربية عموما--والمصرية خصوصا--إلى العمق. وهذه هي النقطة التي يتميز فيها فتحي سلامة، فهو يرتل موسيقاه طبقة فوق طبقة: من إيقاعات عدة والباص الغليظ الذي نفتقر إليه بشدة--والذي بدونه تتسطح موسقيانا--وصولا إلى تناغم بين الأصوات الواضحة وغير الواضحة لآلات العزف المنفرد في المقدمة، وهي عندنا فعلا بلا قاعدة تستند إليها.

تابعت بعد انتصاف ليلة اليوم، جالسا على أرضية خشبية لغرفة عارية من الأثاث جوائز جرامي، التي حصل فيها ألبوم السنجالي يَسّو نْدُور "مصر" على جائزة أفضل ألبوم موسيقي من أفريقيا. شاركني فتحي سلامة الجلوس على خشب الغرفة، وانتظر معي وأصدقاء آخرين تآليفه التي غنى عليها يسو وهي تفوز بأكبر جائزة موسيقية. يغني يسو بلغة الولوف المنتشرين على ساحل غرب أفريقيا عن الإسلام وصوفية السنجال.
اسمع


قراءة لمفهوم العروبة

مرة أخرى، أتابع نقاشا مثيرا للاهتمام على راء وميم، وأهم بالتعليق برأي، وأنتهي بتدوينة جديدة هنا. السؤال لا يزال اختيارا بين القوميتين المصرية والعربية. سأحاول القفز فوق القضية بتقديم تفسير قد يكون جديدا، وهو في رأيي أكثر ارتباطا بالواقع.

أبدأ بانتقاد الخطاب القومي العربي السائد منذ منتصف القرن الماضي، والقائم على أسطورة أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، موحدة اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا. يؤسس هذا الخطاب لنفسه خارج التاريخ محاولا استعادة صورة دولة عربية موحدة لم تحدث أبدا. ففي العصور التاريخية الثلاث التي حكمت الوطن العربي كله دولة موحدة (الراشدية، والأموية، والعباسية الأولى)، لم تكن الأغلبية عربية أو مسلمة. وإذا حددنا نفسنا أكثر بمصر، فالواقع أن الثقافة المصرية الحالية لم تكتمل عناصرها إلا في العصر الفاطمي، عندما ظهرت العامية المصرية، والموالد الإسلامية، والسيرة الهلالية القادمة مع موجة أخرى من المهاجرين العرب.

أدرك أن التصنيفين سامي/حامي غير مقبولين علميا الآن. إذا أراد أحدهم أن يؤسس لقومية مصرية على أساس إثني (أكره كلمة عرقي)، فيجب عليه أن يسوق حججا يقبلها العلم المعاصر. سبق أن بينت أن المصريين القدماء--وهم من يحاول القوميون المصريون بلا داع إثبات أننا أبنائهم. من الواضح أننا مصريون--لم يظهروا من فراغ، وأنه أتى عليهم وقت كانوا يعيشون فيه حياة البداوة قبل أن تجف الهضاب ويهبطوا إلى الوادي، وأن حركة الاستقرار هذه مستمرة طوال التاريخ المصري: بدو يأتون من منطقة طاردة، ويهبطون أرض مصر، فيعيشون حول الوادي، ثم ينصهرون في أهلها. أدرك أيضا أن ثنائية الجزيرة العربية الطاردة/مصر الحاضرة تقابلها ثنائية أخرى هي الجزيرة العربية/سورية الجغرافية، وثالثة هي الجزيرة العربية/بلاد الرافدين. والجزيرة ليست المنطقة الطاردة الوحيدة في العالم، فهناك الهضبة الإيرانية التي خرج منها الهندأوروبيون إلى ثلث العالم شمالا وجنوبا، وآسيا الوسطى التي خرجت منها موجات المجر، والهن، والتتر، والمغول، وأخيرا الترك.

يقع مؤيدو القوميتين العربية والمصرية في خطأ واحد، فينظرون إلى القضية بعيون غربية. إن فكرة الشعب Das Volk هي فكرة أوربية لم تظهر إلا مؤخرا في العصر الرومانسي--القرن التاسع عشر-- بعد أن تخلصت دول أوربا الحديثة من الأقليات الثقافية والإثنية في حروب ومذابح صمت عنها التاريخ الرسمي مؤسسا لأساطيره الخاصة. اتسمت دول أوربا الغربية قبل الحرب الثانية بتناسق مفروض وحدود واضحة لكل دولة/أمة--تغيرت الظروف بعد الحرب بالوحدة الأوروبية واستقبال المهاجرين، وأصبحت أكثر سيولة، بينما لا نزال نحن نرغب في اتباع نموذج ينتمي للماضي--قارن مفهوم الشعب الغربي مع التعددية الثقافية والإثنية التي اتسم بها العالم العربي الذي تتراكب دياناته ولغاته وطوائفه وإثنياته في فسيفساء أكثر تنوعا بكثير--لا تزال ثلاث قرى خارج دمشق تتحدث السريانية؛ ولا يزال بعض السوريون يدينون بدين الإله أدونيس/تموز،؛ ولا تزال بعض العائلات في صعيد مصر تتحدث القبطية في المنزل؛ ولا يدرك الكثيرون أن الطوائف الدينية الإسلامية غير السنية تشكل أغلبيات في دول عدة، كالإباضية في عمان، والزيدية في اليمن، والإمامية في البحرين والعراق ولبنان؛ وأن بيننا إسماعيليون، وعلويون، وموحدون دروز، وإيزيديون، وشبك، وكاكائية، وصابئة مندائية، ويهود العالم العربي--ربانيين وقرائين--، وطوائف مسيحية شرقية: نسطورية ومونوفستية وأرثودوكسية، ووثنيون، ونوبيون، وآشوريون، وكرد، وأمازيغ، وغجر، وأرمن، وبلوش، وفارسيون، وأتراك، وجركس، وألبان، بل وأقلية إسرائيلية آخذة في التشكل. خلاصة القول: الأمة/الدولة اختراع غربي ينتمي إلى الماضي، ولا ينطبق بالضرورة على باقي العالم.

التفرقة بين المصرية الحضرية والعروبة البدوية ليست دقيقة بأي حال. لا يتفق معظم مؤيدي القومية المصرية مع ثقافة يصفونها بالوهابية/النفطية، التي تشكل الحياة الحديثة في دول النفط في الجزيرة صورتها النمطية. ويرجع هذا غالبا إلى جهل كبير بحياة وثقافة البداوة العربية، والتي أرى أنها لا تزال تعيش في سيناء وبادية فلسطين والشام. أؤمن أننا نعيش في عالم سياسي، وأن الحركة القومية المصرية في جزء منها رد على التطور الأخير في الجزيرة العربية. يبقى أن نذكر أن الدول المصرية المستقلة غالبا ما كانت تفرض أو تحاول فرض سلطة فعلية أو اسمية على الشام والجزيرة حظيت فيها الأقاليم، والدول/المدن، والوحدات القبلية المختلفة باستقلال إداري كالعادة، وهذه هي الوحدة السياسية الفضفاضة التي يمكن الحديث عنها تاريخيا.

أرى أن الأمة العربية تنتمي للمستقبل بدلا من الماضي، ولا تقتصر في تأسيسها لنفسها على عصر تاريخي معين، أو أسطورة لم توجد تاريخيا. الأمة العربية أصولها البعيدة أفرآسيوية واحدة، وهي حتى في هذه الوحدة ليست صماء كنموذج الشعب الغربي، فعلى أطراف العالم العربي جغرافيا--بل وفي قلبه جغرافيا وغير ذلك--يعيش معنا أناس من خلفيات مختلفة (يؤدي هذا الأصل المشترك إلى كيان سياسي يتعامل مع باقي العالم بشكل موحد). مرت على هذا الأصل فترات عديدة تركت كلها علاماتها إقليميا: الحضارات العربية القديمة والوسطى مثلا في الهلال الخصيب كالآشوريين، والبابليين، والكنعانيين، والآراميين، والنبطيين، والسريانيين (الذين أثرت لغتهم في العربية أكثر مما نتصور). ثم إن عرب الجزيرة كانت لهم لهجات وثقافات متعددة قبل أن يتم حصارها لصالح لغة وثقافة النخبة القرشية. وفي مصر، تشكل الحضارة المصرية القديمة، ثم البطلمية، والثقافة القبطية المهمشة الآن روافد هي الأخرى. وإن كان النعت بالعربية بدأ بالتخصيص لفئة أصغر، فإن دلالتها الآن تشمل معظم أو كل ما سبق، باعتبار أنها آخر الموجات حتى الآن وأقواها أثرا.

بإمكاننا أن نخلق حقائقنا بأن نتحدث عن "اللغات العربية" بدلا من "اللغات السامية"، خاصة أن العربية هي أقربها للسامية القديمة، وهي أكثرها انتشارا اليوم (يؤدي هذا الثراء المحلي إلى صيغة إدارية فضفاضة داخل الكيان السياسي الموحد. سمها فيدرالية). يبقى أن يقر من يرون أنفسهم ممثلين للصورة النمطية للفرد في البلاد العربية (الرجل المسلم السني المتحدث بالعربية الفصحى والمؤمن بالتاريخ الرسمي رغم سديميته) بوجود ثراء أكبر في المحيط العربي، وأن هذا الثراء هو عين الهوية العربية (يؤدي هذا الإقرار بحقوق باقي الأفراد إلى إيجاد صيغة جمعية للحكم في العالم العربي. سمها الديمقراطية).


مساء الخير يا أستاذ نجيب

حسبت الأيام بعد قرائتي لما نشره حمكشة في مدونته، فوجدت أن سنينا خمسة قد مرت منذ أن رأيت نجيب محفوظ.

اعتدت انتظار مقدمه إلى فندق شبرد الأحد من كل أسبوع في السابعة والنصف مساء. يهبط الدرجتين واحدة تلو الأخرى، متأبطا ذراع الدكتور زكي سالم، فيسلم على دستة الحضور في ندوته الصغيرة، ثم يلتفت إلى داينا--الأمريكية الصغيرة كالطفلة، النحيفة ذات الحلقان الثمانية، والشعر القصير جدا، والتي تتحدث العربية بلكنة--وإليَّ--أنا الحدث المصري النحيف أيضا، ذو الحقيبة والشعر الطويل المجدول، والذي يسمع الناس عربيته كأنها بلكنة.

تمد داينا يدها مصافحة؛ مبتسمة؛ خجلة لدرجة الاحمرار، وتتمتم. ثم يجيء دوري:

"مساء الخير يا أستاذ نجيب".
يرد بحرارة طبيعية: "أهلا وسهلا"، ثم يلتفت إلى زكي سالم ويسأله بصوته الأجش، وهو لا يزال ممسكا يدي: "مين ده؟"
يصرخ زكي في أذن الأستاذ اليسرى، وهي الوحيدة التي تعمل: "ده عمرو غربية يا نجيب بك."
"آه. أهلا وسهلا."

كل أسبوع.

ثم يجلس في مكانه، والجميع أمامه عبر الطاولة، أو على يساره، إلا نحن الاثنين طبعا، في الناحية الصماء على يمينه مباشرة.

لا تطيق عينا الأستاذ المصابيح الكهربية، فنجلس في ضوء الشموع، أو في الظلام إلا قليلا. وبسبب ضعف بصره وسمعه، فهو يحضر إلى الندوة ليعرف من أصدقائه ما يجري في الدنيا، فتكون النتيجة أن يتبارون هم على المقعد بجانب الأذن اليسرى: الزائر لإسرائيل المفصول علي سالم، والروائي نعيم صبري، والأهرامجي المخفي رضا هلال، والوفدي التائب المهندس محمد الكفراوي، وآخر يتميز غيظا من تقريظ الجميع لكتاباته وله شخصيا، والطبيبة النفسية سعاد، ومدرس العربية الشاب أحمد سعيد الذي يكبرني بعشر سنين أنا الطالب وقتها.

بسبب يده التي أعاد تدريبها على الكتابة بعد الطعنة كما فعل طفلا منذ ما يزيد على الثمانين عاما، تخرج كتابات محفوظ الأخيرة مركزة إلى أكبر حد. وبسبب العزلة التي تفرضها عليه الحواس، فإنه يستقي مادتها من الأحلام.

إن ما لم أقرأه لمحفوظ أكثر بكثير مما قرأت، فأنا عادة لا أفهم الأدب. ولكني عرفت الأستاذ على مر عام كامل منحازا دائما إلى الفقراء؛ قويا جدا في قناعاته؛ مبتسما في أدب ليخبرك أنه يفهم ما تقول، وإن كان لا يوافقك لأنه يعرف أكثر.


"إحنا قاعدين هِنا مِستنيين المَايَّة"

عبده شفة، عمدة قسطل وأدندان، آخر قرى نوبة مصرعبده شفة، عمدة قسطل وأدندان، آخر قرى نوبة مصرهذه الكلمات الخمس، التي نطق بها عبدالمجيد "عبده" شفة بكل حزم وتصميم، تلخص الحياة في القسطل وأدندان، وهما القريتان الباقيتان من القرى النوبية الخمس والأربعين الأصلية. وبدقة أكثر، فإن حتى هاتين القريتين لم تسلما، فقد أنشئتا على ضفة البحيرة فوق الموقع الأصلي للقسطل وأدندان، على قمة التلال حيث كان يسكن المطاريد. وبالمقارنة بالقريتين الأصليتين، فإن ما رأيناه لا يصلح لوصفه "بالقرية" كما عرفها النوبيون.

وصل عبده شفة، وهو الآن في ستينيات عمره، مع المرحوم أبيه إلى القسطل عام 1978، بعد أن أخرجوا من بلادهم الغارقة. تقع القسطل وأدندان اليوم شرق بحيرة النوبة، وهما أكثر القرى المصرية تطرفا إلى الجنوب. فمن أدندان تصبح على بعد ثلاثين كيلومترا من الحدود المصرية/السودانية، ويمكنك مشاهدة أضواء وادي حلفا السودانية ليلا على بعد ستين كيلومترا.

شهدت الفترة 1963-1964 نقل النوبيين إلى بيوت "التهجير"، كما يسمونها. "لا نحس بالأمن في التهجير"، شرح لنا شفة، "فالأجيال الجديدة تأقلمت على بيئة لا تلائمها." شفة هو عمدة 35 عائلة مقسمة بين الوطن وأماكن أخرى بحثا عن العمل. لا تتلقى القسطل أي دعم إلا الذي يوفره لها أهلها، فهم يعيشون منذ 24 عاما بدون تعليم أو رعاية صحية، بل إن مولد الكهرباء الحالي مستعار من العبابدة الذين يسكنون قريبا، بعد أن خرب المولد الذي اشتروه.

حفيد عبده شفة: حفيد الرجل المتعلم الواعي هو هذا الصبي الذي لا يقرأ ولم يذهب إلى مدرسة في حياتهحفيد عبده شفة: حفيد الرجل المتعلم الواعي هو هذا الصبي الذي لا يقرأ ولم يذهب إلى مدرسة في حياته"انظر إلينا. إننا نعيش كالبدائيين، ونعمل كأجراء يومية. إن الزراعة ليست آمنة إلا على مبعدة من الشاطئ، لأن مستوى البحيرة دائم التغير. ولا نملك المال اللازم لضخ الماء لأرض أعلى من أن تتأثر بحركة البحيرة." تعمل وزارة الزراعة منذ سنين في مشروع ملكية صغيرة، ولكنه يسير ببطء شديد بالمقارنة بمشروع توشكى الذي يدفعه كبار المستثمرين. يهدف المشروع في "الشرق" إلى إنشاء مجتمعات لشباب الخريجين القادمين من أنحاء مصر ليشترك أربعة منهم في زراعة عشرين فدانا من الأرض، بينما يعاني النوبيون في الجوار من الفقر، والجهل، والمرض، وهم أهل المكان.

يشعر النوبيون عموما بمرارة شديدة تجاه الفترة الناصرية، فهم يرون كل نوبي--والنوبيين فقط--ضحية للسد العالي. وهم يعيشون على هذا الشعور، ويزيدونه عمقا. "يعاني النوبيون منذ 1818". "نحن نعيش هجرة مستمرة"، وهذا ليس رأي شفة وحده. فقد ظهرت المرارة والأرض المفقودة في معظم الحوارات التي سمعتها. لا زلت أذكر محمد رمضان، الذي استضافنا في بيت أخته وصحبنا طوال رحلتنا، وهو ينظر إلى صفحة الماء محاولا رؤية نولوة، بلدته التي لم يعرفها، ويكاد يتذكر أشجار النخيل التي نطفو فوقها عائدين من الشرق إلى أبوسمبل الجميلة، ويقرأ الفاتحة عندما نبحر بالقرب من قمة تل أخبره أبوه أن أسلافه مدفونون في سفحه.

بإمكان المرء أن يرى حياة أكثر إشراقا على الشاطئ الغربي للبحيرة، في أبوسمبل الخضراء والقرى المحيطة بها: نولوة (البيضا بالنوبية لأن سكانها كانوا من "البيض")، والفراعنة الهادئة، والسلام، والسادات. يحظى أنور السادات، على عكس عبدالناصر، بشعبية كبيرة في النوبة، فهو منشئ مدينة أبوسمبل، وقد زار المنطقة ثلاث مرات.

سبب آخر لشعبية السادات هو أمه السودانية. يتعاطف النوبيون مع السودان، ويعتقدون أن النوبة الحقيقية في السودان. وبالرغم من التناقض الواضح، إلا أنهم يعتبرون أنفسهم الورثة الحقيقيين للمصريين القدماء. النوبيون أيضا فخورين بأنفسهم جدا جدا، لدرجة أن بعض ما يذكره هذا الشعب الطيب عن الإثنيات الأخرى في مصر، أو عن الأجانب، لا يمكن وصفه إلا بالعنصرية الفاقعة.

نشهد الآن موجة هجرة عكسية من كوم أمبو، ولكن النوبيون الجدد لم يعودوا صيادي أسماك أو مزاعي نخيل، ولم تعد حياتهم مرتبطة بالنيل كما كانت. إنهم ينتقلون إلى قرى جديدة بأسماء قديمة, ليسكنوا بجوار أبناء جيران آبائهم في النوبة القديمة. يعمل النوبيون اليوم في وظائف عصرية: كالسياحة، والتجارة، وخدمات أخرى، ولكنهم لا يزالوا يحنون إلى ماض يقبع في قاع البحيرة.


عرب أم مصريون؟

أقرأ رامي ومحمدا على مدونتهم الجديدة "راء وميم"، وتعجبني نبرة وأسلوب الحديث. يرد كل منهما بالتتابع على سؤال طرحه الآخر، ثم يطرح سؤالا بدوره. المدونة موضوعها العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في مصر، وكل منهما يعرض قدر جهل طائفته بالأخرى--وجدتني الآن أتوقف لأول مرة لأفكر أيهما المسلم وأيهما المسيحي: محمد ورامي!

أنهى رامي دوره أمس بسؤال عن مسلمي مصر، وهل يعتبرون أنفسهم مصريين حاميين، أم عربا ساميين. نفس الموضوع تعرضت له في ذات الوقت قائمة بريدية معظم أعضائها من المصريين، وغير المصريين المقيمين في البلد. ظهر تصنيف سامي/حامي في القرن التاسع عشر، وهو وقت كان العلم فيه يؤكد حقائق الرجل الأبيض--التي يصفها الغرب اليوم بالعنصرية. ترى كيف ينظر إلى حقائقنا من يعيش بعدنا بقرن من الزمن؟--تشترك اللغات المصرية القديمة، والأمازيغية (البربرية) مع العربية، والكنعانية، والآرامية (وهي لغات تسمى أيضا "باللغات العربية"، لأنها أكثرها انتشارا اليوم، أو "اللغات الجَزْرِيَّة"، نسبة إلى جزيرة العرب حيث نشأت) في خصائص تضعها في عائلة لغوية، هي الأفرآسيوية، مقابل عائلات لغوية كبيرة أخرى، وأقربها إلينا الهندأوروبية، التي تغطى السنسكريتية، والفارسية، والإغريقية، واللاتينية، والألمانية، والإنجليزية، والفرنسية... وأتذكر من حكى عن أحد كتب قواعد المصرية القديمة التي يحاول فيها المؤلف الغربي وصف تلك اللاحقة الغريبة التي تميز جنس الاسم المؤنث، والتي تنطق تاء، وهي بالضبط تاء التأنيث التي يعرفها كل من درس العربية. أو كيف أن اللغة المصرية القديمة لا تميز فقط بين المفرد والجمع، بل توجد فيها أيضا حالة المثنى.

تتميز اللغات الأفرآسيوية بأن الكلمات المتقابلة فيها قد يتبدل فيها ترتيب الحروف الأصلية في الجذر، ف"حنش" العربية تقابل "نحش" العبرية التوراتية. خذ مثلا اسم المدينة المصرية دمنهور. الاسم في المصرية القديمة--لاحظ أنني لا أفضل لفظة "الفرعونية" لأنها تركز على شخص الملك، ولدلالتها السلبية في الديانات التوحيدية الثلاث--هو دَمَنْ حُرْ، أي "مدينة حُرْ" ("مدن حر"، بدون الزيادات). و"حُرْ" هو الاسم المصري لما يعرف بالإغريقية بالإله حورس الصقر، وهو أيضا اسم من أسماء الصقر في العربية.

رأس مطرقة وسكين من قبل التاريخ، القارة، 90كم جنوب الواحات البحريةرأس مطرقة وسكين من قبل التاريخ، القارة، 90كم جنوب الواحات البحريةنقوش من قبل التاريخ، القارة، 90كم جنوب الواحات البحرية: الصورة لحسام مصطفى

زرت بداية هذا العام كهفا يقع في الصحراء على بعد 90 كيلومترا جنوبا من الواحات البحرية. بالإضافة إلى الصواعد والهوابط التي تكونت عبر ملايين السنين، وجدت نقوشا على الحجر لمن سكنوا المكان منذ عشرة آلاف عام أو يزيد: رسوما لبقر وحشي، وغزلان، ونعام، وحيوانات أخرى. صعدت إلى سطح الأرض لأخبر ألف باكتشافي، فوجدته يناولني مبتسما سكينا حجرية من قبل التاريخ. فنظرت حولي لأرى عشرات الآلات الحجرية، بعضها كامل والآخر كسر أثناء نحته: سكاكين، ومكاشط لسلخ جلود الطرائد، ورأس بلطة، ورؤوس سهام. مضى وقت على هذا المكان كانت فيه الأمطار أكثر لتسمح بنمو حياة نباتية تعيش عليها حيوانات برية كبيرة، ويعيش عليها أصحاب ورشة المعدات هذه.

يتلقى وادي النيل منذ آلاف السنين موجات من البدو الباحثين عن سبل حياة أفضل. هبط أولهم إلى الوادي قبل التاريخ وعملوا فيه بالهندسة إلى أن أعادوا تشكيله بالكامل، واستمروا في استقبال الهجرات من صحراوات الشرق والغرب: أمازيغ، وهكسوس، وعرب مطلع الإسلام، والتغريبة الهلالية... ولا يزال استقرار العرب حول الحضر على جانبي الوادي وفي الشرقية ووادي النطرون مستمرا إلى اليوم: الموجات متتالية والاتجاه واحد.

لا أحب تصنيف "المنطقة" إلى "شرق أوسط" و"شمال أفريقيا". المصطلحات تصنع الحقائق.


لَقِّم المحتوى