حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

ناس

شهرين بحالهم يا شرقاوي!

شرقاوي صعب جدا الحديث معه وسط البلد، فهو إما يصرخ طوال المظاهرة، أو لا يستطيع البقاء كثيرا بسبب أنه مراقب، أو لأن الناس كثر بما لا يسمح بحديث أعمق. إلا أن بعد كل هذا في دردشات الفجر، ووسط كل صراخي أنا عن كيف يعمل دروبال، تجد شخصا آخر. هو صحيح بتاع مشاكل، لكن شرقاوي فعلا يصدق أن علاقاته مع كل الناس سيئة بسببه هو، وأن كل المشاكل التي دخل منها ولم يخرج سببها انفعالاته. وربما هذا هو السبب الذي دفعه للعمل بالسياسة في المقام الأول، فيبدو لي أنه دائما يبحث عن ما يمكنه أن يقوم به، بدلا من أن يحزن لما لا يمكن أن يؤثر عليه. رأيته ليلة البارحة بعد ثلاثة أشهر، باستثناء مرتين: في قسم قصر النيل نهاية الاعتقال الأول، وفي ليلة أخرى قبل الاعتقال الثاني. مازحته عندها، "شهر بحاله يا شرقاوي!". لم أكن أدري. ليلة البارحة وجدته ينبهني: "خليكم معي، تمام زي ما علاء قل لي روح شوف أمك. عاوز أتخرج. عاوز أخلص جيش." يا شرقاوي، لو كانت علاقتك سيئة بالناس، فانت مش السبب. وعلى العموم، ما حدش هيفكر يتخانق معك خلاص، مع إنك عمرك ما هتتغير.

الحركة بركة

وائل خليلوائل خليل وصل وائل خليل مؤتمر كفاية الأخير، ولمحني أجلس في الخلف. سحب كرسيا، وجلس بجواري. نظر حوله لثوان، وتنهد في أسف، ثم قال لي: "عاوزين نجيب التايهة بقى يا غربية". بدأنا نفكر في حملات يجب أن تركز الحركة عليها وعليها فقط، حتى لو ظهرت على السطح أزمات كالعبارة أو أنفلونزا الطيور. يجب أن يكون بالإمكان إحراز مكاسب في هذه الحملات، وأن لا نركز على أهداف فوق الطاقة كـ"لا للتمديد ولا للتوريث". كنت أفكر في حملات ثلاث: البطالة، والفساد، والحريات، بينما فضل وائل أن يركز، باعتباره اشتراكيا، على قضايا كالإسكان، والخصخصة. انطباعي أن "باعتباري اشتراكيا" هي أكثر ما يبدأ به وائل حديثه، وهو القادر فعلا على الحديث، فهو دائما يخرج من المظاهرة ليقابل اعتراض الناس الأولي، ويسمح لهم بالكلام إلى أن يصلوا بأنفسهم إلى ما يريد أن يقوله. أتخيل طبعا أن وائل هو قلب كل المفاوضات في سجن المحكوم الآن. أعرفه، عن طريق علاء، منذ حوالي العام، بالضبط منذ ليلة كنس السيدة. الأغرب أنني أعرف علاء نفسه منذ ما يزيد عن ذلك بقليل، ففي أسبوع من العام الماضي يماثل الذي قبض فيه على علاء، دلفت مقهى صغيرا في المهندسين غرب القاهرة. المقهى الحديث الطابع، وإن لم يكن الصوت فيه عاليا جدا، يوفر اتصالا لاسلكيا بإنترنت، وهذا هو تقريبا الشيء الوحيد الجيد في المقاهي الحديثة في القاهرة. تعرفت على طاولتي بمجرد أن لمحت علاء، وشعره، وحاسوبه المحمول. طبعا. كان ذلك وقت يمكنك أن تجمع فيه كل المدونين المصريين في غرفة واحدة. وعندها، في تلك المقابلة الأولى للمدونين--التقليد الآن في مصر أن نسمي كل اجتماع للمدونين "اجتماع المدونين الأول"--، كنا لا نزال نعلق على الأخبار. في غضون أسابيع قليلة من ذلك الحين، سنصبح نحن الأخبار. أمضينا أنا ومنال، وهي زوجة علاء وشريكته في إدارة دلو معلوماتهما، وقتا من تلك المقابلة نبشر الآخرين: مينا، ورحاب بسام، وحمكشة، ومحمد، وفي حضور مصطفى؛ نحاول أن نقنعهم بأن يتركوا بلوجر إلى عالم منصات التدوين مفتوحة المصدر كدروبال ووردبرس. تعجبت من نفسي حين أعطيت علاء كلمة مرور حسابي على بلوجر كي ينظر في حل لاستيراد التدوينات منه--معلهش يا بوب، رجعنا لبلوجر علشان نحاول نطلعك. هي مشيت كدا! ظننت أن الأمر سينتهي عندها، وأن هذا كل شيء. اتضح لاحقا أن أمامنا عام مليء بالأحداث، من مايو إلى مايو. بعدها بقليل، وفي 25 مايو 2005، ضرب علاء بينما كان يحاول حماية أمه، الدكتورة ليلى سويف، من البلطجية المدفوعين من الشرطة أثناء تظاهرها ضد الاستفتاء على تغيير الدستور. سرق حاسوبه المحمول، وهذا هو ما أغضبه، جدا. اعتدنا أن نضحك بعد كل مرة يسبب علاء فيها صداعا للسلطات أن الأمر كله خطأهم، فهم اختاروا المدون الخطأ كي يعبثوا معه. هم الآن لا يزالوا يعبثون معه، وإن كان بشكل أقسى مما سبق. شهدت في صيف 2005 تحول منال وعلاء من تقنيين يساعدون النشطاء على النشر في وب، وعلى تنظيم أنفسهم باستخدام نظم لإدارة المحتوى--فهما يستضيفان ويديران مواقع كفاية، والمجموعة المصرية لمناهضة العولمة - أجيج، ومركز الدراسات الاشتراكية، ومنظمات أخرى، بالإضافة إلى عدد من المدونات. منال وعلاء أيضا عضوان مؤسسان في مجموعة مستخدمي لينكس مصر - إيجي لج--إلى مدونين مؤثرين. إن تدويناتهما، وهم الآن يدونون بالعربية بنفس قدر كتابتهم بالإنجليزية، تشكل بدايات لنقاشات عالخط، ولكن أيضا في مقابلات وجها لوجه، وفي تنويع كبير من الموضوعات. تكمن ميزة علاء ليس في قدرته على التنظير والإحاطة، ولا على التفكير المجرد أو الأفكار الجديدة، بل في قدرته على التركيب، وفي إدراك معان لما يجري حوله. إنه إحساس بسيط، ومنفتح، وملتزم بالمجتمع وبالحياة العامة؛ ساعد ذلك في مرات عديدة على إبقاء النقاش قائما، وأيضا على تجسيد الأفكار في الشارع. ترى هل جزء من ذلك الالتزام ناتج عن أنه أحيانا لا يقدر على السكوت؟ بعد 25 مايو بأسبوع، وبينما كنا نقف على سلم نقابة الصحافيين، تعجب علاء مما نفعل: نتظاهر في مكان في قلب القاهرة، ولكن ليس قريبا من مسكن أهلها، تماما وكأن الوقفة تؤكد للألفي ناشط أن كل شيء لا يزال على ما يرام. مال علاء على كتفي، وأعطاني الفكرة: "مش هنكنس عليهم السيدة بقى؟". الوضع مخز، بإمكاننا أن نطلب المدد من ام العواجز. السيدة زينب هي بنت بنت النبي، وضريحها في الميدان الذي يحمل اسمها في القاهرة في قلب أحد أكثر الأحياء كثافة. هي أيضا شخصية مركزية في الإسلام الشعبي المصري: فهي رئيسة الديوان، قاضية قضاة السماء، وآخر منجدة للمكروبين، تماما كإيزيس ثانية. وهذا ما قمنا به: ظهر إعلان المظاهرة المسجوع الذي كتبته واللافتة التي صممتها في الجرائد--شكرا لمحمد طعيمة من كفاية، وعلى إذاعة راديو الغد قبل المظاهرة. اتصل بي علاء ليعلمني أن الحملة الشعبية من أجل التغيير - الحرية الآن تحمست وستنضم. ومن خلال نورا يونس، تمكنا من الحديث مع أيمن نور الذي حضر المظاهرة لدقائق قليلة في محاولة كي يوسع منطقة نفوذه قليلا إلى الجنوب: فهو النائب عن باب الشعرية، وفتحي سرور النائب عن السيدة زينب. أبو نور بلديات أبي وجدي، بل وأقرب. لم يخجل نور ونحن جلوس بجانبه أن يشير لمخرج الصفحة الأخيرة من صحيفته أن يضع صورتنا وتحتها أننا "شباب الغد". أثار ضحكي في مكتبه عندما رفع صوت التلفاز وطلب مننا الاقتراب كي نسمعه وهو يهمس هربا من أجهزة التنصت المزروعة، وأثار أيضا إعجابي وأنا أترجم في مقابلة تليفزيونية بذهنه الحاضر وصياغته الملائمة لمواقفه العلنية. "معقولة تنتخب أيمن نور! انت مش عارف تاريخه؟" أسهل علي أن يكون شخص كنور في موقع السلطة: ننتخب شخصا مثله ثم نعمل فورا على معارضته. كلام صحيح، لكنه في غير محله الآن بعد عام. وائل خليل محبوس على ذمة التحقيق. علاء سيف محبوس على ذمة التحقيق. أيمن نور، وهو المرشح السابق في انتخابات الرئاسة، سجين حالي ليتم خمس سنين، وهو أيضا محروم من مباشرة حقوقه السياسية بعد خروجه. منذ اختطافه، نقوم بحملة في أماكن كثيرة من العالم من أجل الإفراج عن علاء. بغض النظر عن أن علاء هو أقرب المعتقلين إلى، فلا شك عندي أنه أسهل من يمكن للصحافيين الكتابة عنه، نظرا لوجوده في قلب شبكات من المدونين، والعاملين في مجالات حرية المعلومات، والبرمجيات الحرة، وارتباط تقنيات المعلومات بالتنمية، وأيضا لأنه ببساطة، أكثر من أجرى معه الإعلام مقابلات العام الماضي من بين المعتقلين. أقصد دائما في حديثي مع الصحافة والإذاعة عن الحملة أن أعود إلى أن علاء معتقل مع خمسة مدونين آخرين، صاروا الآن اثنين والأخرى هي أسماء علي، واحدة من أربعة نساء. ستة من بين بضع وخمسين معتقلا من المعارضة المدنية من المدونين--مقارنة بالمئات من الإخوان المسلمين. الحقيقة الأهم في هذا كله أنه بالرغم من أن المدونين المصريين يتضاعفون مرة كل بضعة أشهر، إلا أن العدد لا يزال صغيرا تعدى الألف الأيام الماضية فقط، وأنه لأيام طويلة ظل ستة مدونين من ألف رهن الاعتقال. المقابلات الصحافية مع منال، ومع ساندمنكي، ومعي نتيجة لعمل شبكة من المدونين في العالم. الحملة بدأت عضويا بتدوينات من مصر، ولافتات، وبعد أن التقطت أصوات عالمية عالخط الخبر، بدأت تظهر جهود من أماكن أخرى من العالم: لافتات من مصطفى في لبنان، وعريضة لمسئولين مصريين وأمريكيين من همسة في كامبردج، وصفحة عن علاء على وكيبيديا من بيتر إس في فلوريدا، وقنبلة جوجل من هيثم صباح، وفلاش من سامي بن غربية التونسي اللاجئ في هولندا وفي مجمع منال وعلاء، وفيديو من أندي كارفن، ووسم على يجمع كل التدوينات وصفحات وب التي نقابلها عن الموضوع على ديلشوس بدأتها أنا، وساعد على وسم الصفحات سقراطة، ودرش، ومصطفى، وهيثم، وشهدي نجيب سرور--أول سجين إنترنت في مصر--، وآخرين لا أعرفهم، بالإضافة إلى وسم آخر على تكنوراتي، وخريطة بأماكن المتضامنين مع علاء على فرابر أعدها جون جارفنكل. جمع كل هذا في مدونة واحدة، وأضيف لها طبعا تدوينة علاء من السجن. قنبلة جوجل تعتمد على أن تربط العديد من الصفحات على وب إلى مدونة الحرية لعلاء في كل مرة تذكر فيها كلمة Egypt، وبالتالي تظهر المدونة في أعلى نتائج البحث عن كلمة Egypt في محرك بحث كجوجل، مما يزيد من تعريف الناس بما يجري في Egypt، وأن Egypt فيها سجناء لأنهم يعبرون بشكل سلمي عن رغبتهم في قضاء مستقل. نتيجة للحملة، غطت الصحافة والإذاعات والقنوات الأجنبية--وهي ملاذنا الأخير في ظل تعسف الأنظمة العربية ودعم الحكومات الغربية لها، كما يقول أحمد سيف الإسلام المحامي--اعتقال علاء بشكل لا بأس به: بي.بي.سي، وسي.إن.إن، وواشنطن بوست، وإم.إس.إن.بي.سي، والجارديان، وكرستيان ساينس مونيتور، وبي.بي.إس، ودير شبيجل، ودويتشة فيلله، وغيرها، ناهيك عن ردود فعل من منظمات كهيومان رايتس ووتش. بعد حملة كهذه، قررت أصوات عالمية عالخط أن تقوم بدور أكبر في الدعوة للمساعدة في تحرير المدونين المعتقلين من مختلف أنحاء العالم. حاولت أن أبدأ شيئا بمثل هذا الحجم لوائل خليل، فوائل أيضا مرتبط بشبكة كبيرة من الناشطين في العالم بسبب انتمائه الاشتراكي، وبسبب عمله في مناهضة العولمة. أصدر تحالف حق العودة للفلسطينيين بيانا يطالب فيه بإطلاق سراح وائل خليل، إلا أن هذا كل شيء. للأسف لم أجد مدونا واحدا متحمسا وقادرا على العمل معي على بدء حملة مماثلة كساندمنكي، الذي ساعد أكثر من أي شخص آخر على إطلاق حملة كهذه. إن كان لا بد من أن يصبح منا معتقلين، فعلى الأقل لنستفيد من وجودهم في المعتقل طالما استمر. يفترض بكيان ككفاية أن يصبح مركز نشاط كهذا، فهي باعتبارها حركة ذات صيت إعلامي كبير، تستطيع إبراز القضايا أكثر من باقي الكيانات. حاولت في الأسابيع التي سبقت اعتقال مالك أن أكون أكثر إيجابية. بدأت من افتراض أن كفاية كيان مفتوح، أو على الأقل ينبغي عليها أن تكون كذلك: كيانا يمكن للجميع أن يدخله ويؤثر في تشكيله، ولا زلت أظن أن هذا أمر مطلوب، فمن غير المفيد أن تظل الحركة بلا تنظيم كما هو جار الآن، بالرغم من نجاحها في اختيار اسم قوي والترويج له. من غير المفيد أيضا أن تظل الحركة تسحب إلى الفعل من تنظيمات أخرى وأفراد. افترضت أن عملي على مساعدة كفاية على تطوير موقع لهم يقوم بدور آخر بالإضافة إلى استعراض الصحافة--وهو دور مطلوب وبه مساحة للنمو. لكفاية العديد من المتعاطفين والراغبين في لعب دور، إلا أن الشكل الحالي لسير الأمور لا يسمح لهؤلاء بالمساهمة في تشكيل الحركة. إن تحويل أعضاء كفاية من مستهلكين للمحتوى على الموقع إلى منتجين له يسمح بأصوات أكثر، مما يقلل من مركزية الحركة، ويعطيها حيوية أكبر كحيوية المدونات التي شاركت بشكل جيد في حراك العام الماضي. بإمكان كفاية أن تختار تبني الصحافة الشعبية، حيث نكتب كلنا أخبارنا لأنفسنا، ونصور عن الفساد من حولنا نحن المواطنين. بإمكاننا أن نكتب أدلة عملية للتصرف في حالات الطوارئ، كالاعتقال مثلا؛ أو لتنظيم الفعاليات--كما حدث على المدونات في اعتصام التضامن مع القضاة في ميدان التحرير--، أو حتى لتصميم الملصقات. بإمكاننا إنشاء ملفات عن قضايا أو أفراد بعينهم ممكن يسيئوا استغلال سلطاتهم. بإمكاننا أن نعرف عشرين ألف زائر للموقع في اليوم بحقوقهم وكيفية العمل على إحرازها، وأن نجذبهم لذلك بخطاب أكثر جاذبية، وبتقديم كل هذا وأكثر وسط إعلانات للوظائف، وأين تذهب هذا المساء، بل ورنات موبايل ولوجوهات إن لزم. الأمر طبعا يتطلب التفكير في بعض الأمور، كالعضوية وتنظيمها، والعمل ومركزيته، والاستعداد لتجريب أساليب مختلفة. الحركة بركة. التنين البمبي بيمسي على أمن الدولة

رجع الصدى

شيرين الأنصاريشيرين الأنصاري معتز نصر: في جنينة عامرية، وادي زواتين، كاتريةمعتز نصر: في جنينة عامرية، وادي زواتين، كاترية في العام 1968، كتب عبد الرحمن الشرقاوي رواية الأرض عن مقاومة المصريين للاحتلال البريطاني وقت الكساد العظيم، لا سيما في العام 1933. الفارق بين الرواية والأحداث خمس وثلاثون سنة، حول يوسف شاهين بعدها الرواية لفلم. بعد خمس وثلاثين عاما أخرى، أي في 2003، رأى فنان التجهيز في الفراع معتز نصر أن الحال لم يبارح من ساعتها: "كلام! كله كلام في كلام في كلام!" بقدرتها على حكي القصص، تدخل شيرين الأنصاري مقهى من مقاه وسط القاهرة: مرتدية السواد أسفل شعر أسود كثيف، ثم تخاطب رواد المقهى كما خاطب أبو سويلم أهل القرية، محافظة في أدائها على نفس سرعة وإيقاع وفواصل أداء محمود المليجي وهو يخبر الجميع في الفلم أن ما جرى لنا سببه "أننا كنا رجالة، ووقفنا وقفة رجالة". وأثناء ذلك، يسجل معتز الذي يجلس في ناحية من المقهى رجع صدى شيرين عن المصريين، صوتا وصورة. عرض معتز بعدها المشهدين، من الفلم ومن المقهى، بشكل متزامن في عمل ناجح اسمه الصدى: "كلام! كله كلام في كلام في كلام!" معتز من أكثر الفنانين الذين أعرفهم تركيزا على الفكرة. تختار شيرين دائما في حكيها شخصا من الجمهور لتتعاطف معه. تصادف أنني كنت ذلك الشخص في أول مرة أراها. فوجئت بها تلومني على فقداني لحبيبتي لأنني كنت نائما، بل إنني فقدتها بعدها مرة أخرى: "دا اسمه كلام يا علي!". لم تتذكر شيرين تلك المرة الأولى عندما اختارتني ثانية في مسرح الباربيكان، بعد أن تعارفنا. بعد عام ونصف أصرت فيها شيرين على إخفاء نفسها وعملها، تعود إلى مصر في الأيام القادمة. محمود المليجي، وشيرين الأنصاري، من الصدىمحمود المليجي، وشيرين الأنصاري، من الصدى

"قبيلة غربية"

أثناء اكتشافي لآخرين يحملون اسم غربية من غزة، ومن الخليل والقدس، وحكايات عن أولياء مغاربة وجدود لنا من إشبيلية، لفت محمد انتباهي وانتباه أخي إلى مدونة سامي بن غربية. كتبت لسامي من فوري، ووصلني الرد:
أنا يا أخي كما تعلم تونسي من مدينة بنزرت الواقعة في أقصى الشمال التونسي، مدينة بحرية جميلة جدا. تعتبر عائلة بن غربية أو بالغربية من أعرق العائلات في مدينة بنزرت و بالتحديد من حي القصيبة ، بكسر الصاد. و هو الحي الشهير الذي يحيط بالميناء القديم لمدينة بنزرت. أنا الآن لاجئ سياسي بهولندا بعد أن فررت من تونس سنة 1998. أنشط مند 5 أعوام على الأنترنت و أدير مع ثلة من أصدقائي موقعين تونسيين معارضين للنظام التونسي.
يزي: مظاهرة إلكترونيةيزي: مظاهرة إلكترونية الموقعان هما نواة، ويزي (كفاية باللهجة التونسية). يزي هي مظاهرة إلكترونية تنادي "بن علي فُك!"؛ أطلقت مع القمة العالمية لمجتمع المعلومات في أكتوبر الماضي، ومنعت في تونس بعد إطلاقها بثماني عشرة ساعة، وهو طبقا لسامي، رقم قياسي جاءت معه تغطية إعلامية واسعة. يشرف سامي أيضا على مدونة الجمعية التونسية للنهوض والدفاع عن فضاء شبكة المعلومات.
لعلك لن تجد الرابط إلى مدونتي على تجمع المدونات التونسية :-) فأنا من المغضوب عليهم. تجمع المدونات التونسية رفض إدراج المدونات المعارضة لبن علي كمدونتي و مدونة القاضي مختار اليحياوي. لقد كتبت مؤخرا نصا نقدت فيه توجههم هذا و سأكتب في المستقبل القريب نصا آخر أطلب فيه اللجوء السياسي لمدونتي داخل تجمع المدونات العربية الأخرى.
سامي بن غربيةسامي بن غربية أخطأت سامية مرة في كتابة اسمي، فإذا بها تتلقى ردا من رالف غربية، بدلا مني.

رنوة من لبنان إلى غزة

قابلت رنوة يحيى أول ما كان على الشاطئ في سيناء. لفت نظرها كتاب أقرأه يحكي سيرة "كمال جنبلاط: الرجل والأسطورة"، من منشورات دار النهار. شرحت لها كيف أنني مضروب بلبنان وتاريخه المعاصر، وأخذت أحكي عن هروبي إلى هناك لثلاثة أيام من أجل حفل لروجر ووترز (موسيقاه وبنك فلويد من أفضل ما أفقه فيه في هذه الدنيا)، ولكن أيضا لأسير في الشوف صعودا من الساحل وحتى دير القمر وبيت الدين، وعن لعبة ألعبها في كل مدينة جديدة: اشتريت خريطة لبيروت، وقدمت من صيدا إلى الكولة، ثم تهت عمدا كي أصل إلى المتحف الوطني عن طريق الحمراء: "من فضلك، كيف أصل إلى كورنيش بيير الجميل؟" "دعني أرى. أنا وصلت هنا البارحة، لكنك إذا سرت في هذا الشارع حتى ميدان العدلية، وانحرفت يسارا عنده، تجد كورنيش الجميل" "يسلموا" روجر ووترز: في بيروتروجر ووترز: في بيروت المتحف نفسه دفعني إلى أن أسميه "المتحف المصري في بيروت"، فمعظم المعروض إما مصري جاء بالتجارة، أو كنعاني متأثر بالمصرية. في مكتب صديق لي سألني المدير عن رأيي في لبنان، ودعا أن يسامحني الله عندما أجبت أنها جميلة، وجديدة. نصف بنايات بيروت إما جديدة بناها الحريري بالديون، وإما تعود لعقود، أو نصفها الذي بقي من الحرب بعد أن احتمل الصواريخ. شادي المرعشلي صديقي سني، ومديره ماروني، والآخرين في الفريق واحد شيعي والأخرى على مذهب الروم الأرثودوكس. يغتاظ حسين من المدير ويلوح بقبضة يده "راح نعلنها دولة إسلامية"، ليناوله ذاك بالكرسي الذي يجلس عليه، بينما تقنع الآنسة العميل على الهاتف أنه "بكس أختك الطرد في الطريق"، ويقتنع. المزاح طائفي، إلا أنني استطعت أن أرى الحرب دائرة بهدوء وأدب في كل مكان، كما رأيتها أمامي من نافذة المكتب التي تطل على أرض خراب كانت مسرحا للحرب في سن الفيل. شادي مرعشليشادي مرعشلي كمال جنبلاطكمال جنبلاط لبنانلبنان انتقل حديثي مع رنوة من جنبلاط إلى الدروز، فزياد رحباني، ثم شرحت لي أنها قد تكون لبنانية شيعية من الجنوب، إلا أنها لا تقدر أن تصف نفسها إلا بالعربية أساسا. هي صحافية تكتب بشكل قريب إلي. بينما لم أتمكن أنا من العبور، تحكي رنوة في مقال لها في صحيفة الحياة عن زيارتها الأخيرة إلى غزة. كنت أفكر بعد انسحاب الجيش من غزة أن الزيارة واجبة، والتجارة مع العريش أوجب ليختفي الشيقل. حدثني عن الأمن القومي المصري. ابدأي مدونة يا رنوة، وانشري فيها ما لا تأخذه الصحف.

الحراك الاجتماعي

أحمد أمينأحمد أمين جلال أمينجلال أمين تامر أمينتامر أمين يرتكز جلال أمين في تقديم تفسير عن ماذا حدث للمصرين على فكرة الحراك الاجتماعي كطريقة--هو لا يحب كلمات مصطنعة كـ"آلية"--للربط بين ظواهر يشهدها المجتمع المصري منذ أن بدأ تحديثه: اختلال الهيكل الإنتاجي (كثير منا كالحلاقين يقصون شعور بعض ولا إنتاج)، واختلال ميزان المدفوعات (دخلنا ريعي يعتمد على النفط، وتحويلات المغتربين، وعوائد قناة السويس، ناهيك عن المعونات الأجنبية. نستورد الكثير من الغذاء)، واختلال توزيع الدخل، وانخفاض معدل الادخار فالاستثمار، واختلال أنماط الاستهلاك والاستثمار، والفساد، وتدهور الحياة في المدن والقرى، وضعف الانتماء واللغة القومية؛ وبين أسباب يراها معظمنا كالانفتاح، والهجرة النفطية. فالعلاقة غير مباشرة بين الأعراض وبين هذه الأسباب. يشهد المجتمع المصري حراكا اجتماعيا سريعا في الاتجاهين، فيهبط البعض السلم الاجتماعي، ويصعد الكثير. سبب هذا الحراك هو عملية التحديث التي يخضع لها مجتمعنا منذ عقود، والتي بدأت قبل 1952 بالتعليم، الذي هو أهم عوامل الحراك الاجتماعي، والذي استمر في الخمسينيات والستينيات مضافا إليه الإصلاح الزراعي، والتأميم، والحراسة، والتوسع في الدراسة الجامعية، والتنمية الزراعية والصناعية، ونمو المؤسسة العسكرية، ونمو البيروقراطية. استمرت هذه العوامل في السبعينيات والثمانينات، وأضيف إليها العمل الأجنبي (برموز التميز الاجتماعي المختلفة التي يوفرها)، والهجرة النفطية، وارتفاع معدل التضخم. يوفر تفسير جلال أمين مساحة للتفاؤل، فهو بنظرته الأعرض زمنيا يرى حركة بينما يكتفي آخرون بالحديث عن طباع راسخة في المصريين كالسلبية والتبعية (وكأنهم نوع مختلف عن باقي البشر)، أو يشرحون كيف أن المصريين لم يعودوا رجال ونساء الأمس. يرى جلال أمين أن الحراك سببه وجود مساحة للتحديث، وأن التسارع في الحراك لا بد أن يعقبه تباطؤ ثم استقرار قبل موجة أخرى من الحركة. يمر المصريون في مراحل مختلفة من هذه العملية. أكثرهم حداثة يصبح الأقدر على رؤية سلبيات النمط الغربي، بل واقتراح بدائل له (تختلف عن بدائل الاسترجاعيين القوميين أو الدينيين). يبدو معظمنا اليوم في حالة حيرة (ومعهم حق) بين نمط حياة تقليدي لم يعد ممكنا الحفاظ عليه، وحداثة مستوردة لا تلائمنا في كثير منها. جلست الصيف الماضي في مطعم فرنسي في ميدان لستر وسط لندن لأجيب على سؤال ابن جلال أمين عن نوع النبيذ الذي أعتقد أن باقي من على الطاولة يفضلونه. هو حفيد أحمد أمين، وأنا حفيد جدي الذي اعتاد الناس التبرك به صبيا راكبا الفرس معتمرا عمامة خضراء في مولد سيدنا محمد.

فتحي سلامة

فتحي سلامة: صورة مسروقة من موقعهفتحي سلامة: صورة مسروقة من موقعه تفتقر الموسيقى العربية عموما--والمصرية خصوصا--إلى العمق. وهذه هي النقطة التي يتميز فيها فتحي سلامة، فهو يرتل موسيقاه طبقة فوق طبقة: من إيقاعات عدة والباص الغليظ الذي نفتقر إليه بشدة--والذي بدونه تتسطح موسقيانا--وصولا إلى تناغم بين الأصوات الواضحة وغير الواضحة لآلات العزف المنفرد في المقدمة، وهي عندنا فعلا بلا قاعدة تستند إليها. تابعت بعد انتصاف ليلة اليوم، جالسا على أرضية خشبية لغرفة عارية من الأثاث جوائز جرامي، التي حصل فيها ألبوم السنجالي يَسّو نْدُور "مصر" على جائزة أفضل ألبوم موسيقي من أفريقيا. شاركني فتحي سلامة الجلوس على خشب الغرفة، وانتظر معي وأصدقاء آخرين تآليفه التي غنى عليها يسو وهي تفوز بأكبر جائزة موسيقية. يغني يسو بلغة الولوف المنتشرين على ساحل غرب أفريقيا عن الإسلام وصوفية السنجال.

قراءة لمفهوم العروبة

مرة أخرى، أتابع نقاشا مثيرا للاهتمام على راء وميم، وأهم بالتعليق برأي، وأنتهي بتدوينة جديدة هنا. السؤال لا يزال اختيارا بين القوميتين المصرية والعربية. سأحاول القفز فوق القضية بتقديم تفسير قد يكون جديدا، وهو في رأيي أكثر ارتباطا بالواقع.

أبدأ بانتقاد الخطاب القومي العربي السائد منذ منتصف القرن الماضي، والقائم على أسطورة أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، موحدة اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا. يؤسس هذا الخطاب لنفسه خارج التاريخ محاولا استعادة صورة دولة عربية موحدة لم تحدث أبدا. ففي العصور التاريخية الثلاث التي حكمت الوطن العربي كله دولة موحدة (الراشدية، والأموية، والعباسية الأولى)، لم تكن الأغلبية عربية أو مسلمة. وإذا حددنا نفسنا أكثر بمصر، فالواقع أن الثقافة المصرية الحالية لم تكتمل عناصرها إلا في العصر الفاطمي، عندما ظهرت العامية المصرية، والموالد الإسلامية، والسيرة الهلالية القادمة مع موجة أخرى من المهاجرين العرب. أدرك أن التصنيفين سامي/حامي غير مقبولين علميا الآن. إذا أراد أحدهم أن يؤسس لقومية مصرية على أساس إثني (أكره كلمة عرقي)، فيجب عليه أن يسوق حججا يقبلها العلم المعاصر. سبق أن بينت أن المصريين القدماء--وهم من يحاول القوميون المصريون بلا داع إثبات أننا أبنائهم. من الواضح أننا مصريون--لم يظهروا من فراغ، وأنه أتى عليهم وقت كانوا يعيشون فيه حياة البداوة قبل أن تجف الهضاب ويهبطوا إلى الوادي، وأن حركة الاستقرار هذه مستمرة طوال التاريخ المصري: بدو يأتون من منطقة طاردة، ويهبطون أرض مصر، فيعيشون حول الوادي، ثم ينصهرون في أهلها.

أدرك أيضا أن ثنائية الجزيرة العربية الطاردة/مصر الحاضرة تقابلها ثنائية أخرى هي الجزيرة العربية/سورية الجغرافية، وثالثة هي الجزيرة العربية/بلاد الرافدين. والجزيرة ليست المنطقة الطاردة الوحيدة في العالم، فهناك الهضبة الإيرانية التي خرج منها الهندأوروبيون إلى ثلث العالم شمالا وجنوبا، وآسيا الوسطى التي خرجت منها موجات المجر، والهن، والتتر، والمغول، وأخيرا الترك. يقع مؤيدو القوميتين العربية والمصرية في خطأ واحد، فينظرون إلى القضية بعيون غربية. إن فكرة الشعب Das Volk هي فكرة أوربية لم تظهر إلا مؤخرا في العصر الرومانسي--القرن التاسع عشر-- بعد أن تخلصت دول أوربا الحديثة من الأقليات الثقافية والإثنية في حروب ومذابح صمت عنها التاريخ الرسمي مؤسسا لأساطيره الخاصة. اتسمت دول أوربا الغربية قبل الحرب الثانية بتناسق مفروض وحدود واضحة لكل دولة/أمة--تغيرت الظروف بعد الحرب بالوحدة الأوروبية واستقبال المهاجرين، وأصبحت أكثر سيولة، بينما لا نزال نحن نرغب في اتباع نموذج ينتمي للماضي--قارن مفهوم الشعب الغربي مع التعددية الثقافية والإثنية التي اتسم بها العالم العربي الذي تتراكب دياناته ولغاته وطوائفه وإثنياته في فسيفساء أكثر تنوعا بكثير--لا تزال ثلاث قرى خارج دمشق تتحدث السريانية؛ ولا يزال بعض السوريون يدينون بدين الإله أدونيس/تموز،؛ ولا تزال بعض العائلات في صعيد مصر تتحدث القبطية في المنزل؛ ولا يدرك الكثيرون أن الطوائف الدينية الإسلامية غير السنية تشكل أغلبيات في دول عدة، كالإباضية في عمان، والزيدية في اليمن، والإمامية في البحرين والعراق ولبنان؛ وأن بيننا إسماعيليون، وعلويون، وموحدون دروز، وإيزيديون، وشبك، وكاكائية، وصابئة مندائية، ويهود العالم العربي--ربانيين وقرائين--، وطوائف مسيحية شرقية: نسطورية ومونوفستية وأرثودوكسية، ووثنيون، ونوبيون، وآشوريون، وكرد، وأمازيغ، وغجر، وأرمن، وبلوش، وفارسيون، وأتراك، وجركس، وألبان، بل وأقلية إسرائيلية آخذة في التشكل.

خلاصة القول: الأمة/الدولة اختراع غربي ينتمي إلى الماضي، ولا ينطبق بالضرورة على باقي العالم. التفرقة بين المصرية الحضرية والعروبة البدوية ليست دقيقة بأي حال. لا يتفق معظم مؤيدي القومية المصرية مع ثقافة يصفونها بالوهابية/النفطية، التي تشكل الحياة الحديثة في دول النفط في الجزيرة صورتها النمطية. ويرجع هذا غالبا إلى جهل كبير بحياة وثقافة البداوة العربية، والتي أرى أنها لا تزال تعيش في سيناء وبادية فلسطين والشام. أؤمن أننا نعيش في عالم سياسي، وأن الحركة القومية المصرية في جزء منها رد على التطور الأخير في الجزيرة العربية. يبقى أن نذكر أن الدول المصرية المستقلة غالبا ما كانت تفرض أو تحاول فرض سلطة فعلية أو اسمية على الشام والجزيرة حظيت فيها الأقاليم، والدول/المدن، والوحدات القبلية المختلفة باستقلال إداري كالعادة، وهذه هي الوحدة السياسية الفضفاضة التي يمكن الحديث عنها تاريخيا.

أرى أن الأمة العربية تنتمي للمستقبل بدلا من الماضي، ولا تقتصر في تأسيسها لنفسها على عصر تاريخي معين، أو أسطورة لم توجد تاريخيا. الأمة العربية أصولها البعيدة أفرآسيوية واحدة، وهي حتى في هذه الوحدة ليست صماء كنموذج الشعب الغربي، فعلى أطراف العالم العربي جغرافيا--بل وفي قلبه جغرافيا وغير ذلك--يعيش معنا أناس من خلفيات مختلفة (يؤدي هذا الأصل المشترك إلى كيان سياسي يتعامل مع باقي العالم بشكل موحد). مرت على هذا الأصل فترات عديدة تركت كلها علاماتها إقليميا: الحضارات العربية القديمة والوسطى مثلا في الهلال الخصيب كالآشوريين، والبابليين، والكنعانيين، والآراميين، والنبطيين، والسريانيين (الذين أثرت لغتهم في العربية أكثر مما نتصور). ثم إن عرب الجزيرة كانت لهم لهجات وثقافات متعددة قبل أن يتم حصارها لصالح لغة وثقافة النخبة القرشية. وفي مصر، تشكل الحضارة المصرية القديمة، ثم البطلمية، والثقافة القبطية المهمشة الآن روافد هي الأخرى. وإن كان النعت بالعربية بدأ بالتخصيص لفئة أصغر، فإن دلالتها الآن تشمل معظم أو كل ما سبق، باعتبار أنها آخر الموجات حتى الآن وأقواها أثرا.

بإمكاننا أن نخلق حقائقنا بأن نتحدث عن "اللغات العربية" بدلا من "اللغات السامية"، خاصة أن العربية هي أقربها للسامية القديمة، وهي أكثرها انتشارا اليوم (يؤدي هذا الثراء المحلي إلى صيغة إدارية فضفاضة داخل الكيان السياسي الموحد. سمها فيدرالية). يبقى أن يقر من يرون أنفسهم ممثلين للصورة النمطية للفرد في البلاد العربية (الرجل المسلم السني المتحدث بالعربية الفصحى والمؤمن بالتاريخ الرسمي رغم سديميته) بوجود ثراء أكبر في المحيط العربي، وأن هذا الثراء هو عين الهوية العربية (يؤدي هذا الإقرار بحقوق باقي الأفراد إلى إيجاد صيغة جمعية للحكم في العالم العربي. سمها الديمقراطية).

مساء الخير يا أستاذ نجيب

حسبت الأيام بعد قرائتي لما نشره حمكشة في مدونته، فوجدت أن سنينا خمسة قد مرت منذ أن رأيت نجيب محفوظ. اعتدت انتظار مقدمه إلى فندق شبرد الأحد من كل أسبوع في السابعة والنصف مساء. يهبط الدرجتين واحدة تلو الأخرى، متأبطا ذراع الدكتور زكي سالم، فيسلم على دستة الحضور في ندوته الصغيرة، ثم يلتفت إلى داينا--الأمريكية الصغيرة كالطفلة، النحيفة ذات الحلقان الثمانية، والشعر القصير جدا، والتي تتحدث العربية بلكنة--وإليَّ--أنا الحدث المصري النحيف أيضا، ذو الحقيبة والشعر الطويل المجدول، والذي يسمع الناس عربيته كأنها بلكنة. تمد داينا يدها مصافحة؛ مبتسمة؛ خجلة لدرجة الاحمرار، وتتمتم. ثم يجيء دوري: "مساء الخير يا أستاذ نجيب". يرد بحرارة طبيعية: "أهلا وسهلا"، ثم يلتفت إلى زكي سالم ويسأله بصوته الأجش، وهو لا يزال ممسكا يدي: "مين ده؟" يصرخ زكي في أذن الأستاذ اليسرى، وهي الوحيدة التي تعمل: "ده عمرو غربية يا نجيب بك." "آه. أهلا وسهلا." كل أسبوع. ثم يجلس في مكانه، والجميع أمامه عبر الطاولة، أو على يساره، إلا نحن الاثنين طبعا، في الناحية الصماء على يمينه مباشرة. لا تطيق عينا الأستاذ المصابيح الكهربية، فنجلس في ضوء الشموع، أو في الظلام إلا قليلا. وبسبب ضعف بصره وسمعه، فهو يحضر إلى الندوة ليعرف من أصدقائه ما يجري في الدنيا، فتكون النتيجة أن يتبارون هم على المقعد بجانب الأذن اليسرى: الزائر لإسرائيل المفصول علي سالم، والروائي نعيم صبري، والأهرامجي المخفي رضا هلال، والوفدي التائب المهندس محمد الكفراوي، وآخر يتميز غيظا من تقريظ الجميع لكتاباته وله شخصيا، والطبيبة النفسية سعاد، ومدرس العربية الشاب أحمد سعيد الذي يكبرني بعشر سنين أنا الطالب وقتها. بسبب يده التي أعاد تدريبها على الكتابة بعد الطعنة كما فعل طفلا منذ ما يزيد على الثمانين عاما، تخرج كتابات محفوظ الأخيرة مركزة إلى أكبر حد. وبسبب العزلة التي تفرضها عليه الحواس، فإنه يستقي مادتها من الأحلام. إن ما لم أقرأه لمحفوظ أكثر بكثير مما قرأت، فأنا عادة لا أفهم الأدب. ولكني عرفت الأستاذ على مر عام كامل منحازا دائما إلى الفقراء؛ قويا جدا في قناعاته؛ مبتسما في أدب ليخبرك أنه يفهم ما تقول، وإن كان لا يوافقك لأنه يعرف أكثر.

"إحنا قاعدين هِنا مِستنيين المَايَّة"

[img_assist|nid=116|title=عبده شفة، عمدة قسطل وأدندان، آخر قرى نوبة مصر|desc=|link=node|align=left|width=400|height=267]هذه الكلمات الخمس، التي نطق بها عبدالمجيد "عبده" شفة بكل حزم وتصميم، تلخص الحياة في القسطل وأدندان، وهما القريتان الباقيتان من القرى النوبية الخمس والأربعين الأصلية. وبدقة أكثر، فإن حتى هاتين القريتين لم تسلما، فقد أنشئتا على ضفة البحيرة فوق الموقع الأصلي للقسطل وأدندان، على قمة التلال حيث كان يسكن المطاريد. وبالمقارنة بالقريتين الأصليتين، فإن ما رأيناه لا يصلح لوصفه "بالقرية" كما عرفها النوبيون. وصل عبده شفة، وهو الآن في ستينيات عمره، مع المرحوم أبيه إلى القسطل عام 1978، بعد أن أخرجوا من بلادهم الغارقة. تقع القسطل وأدندان اليوم شرق بحيرة النوبة، وهما أكثر القرى المصرية تطرفا إلى الجنوب. فمن أدندان تصبح على بعد ثلاثين كيلومترا من الحدود المصرية/السودانية، ويمكنك مشاهدة أضواء وادي حلفا السودانية ليلا على بعد ستين كيلومترا. شهدت الفترة 1963-1964 نقل النوبيين إلى بيوت "التهجير"، كما يسمونها. "لا نحس بالأمن في التهجير"، شرح لنا شفة، "فالأجيال الجديدة تأقلمت على بيئة لا تلائمها." شفة هو عمدة 35 عائلة مقسمة بين الوطن وأماكن أخرى بحثا عن العمل. لا تتلقى القسطل أي دعم إلا الذي يوفره لها أهلها، فهم يعيشون منذ 24 عاما بدون تعليم أو رعاية صحية، بل إن مولد الكهرباء الحالي مستعار من العبابدة الذين يسكنون قريبا، بعد أن خرب المولد الذي اشتروه. [img_assist|nid=117|title=حفيد عبده شفة|desc=حفيد الرجل المتعلم الواعي هو هذا الصبي الذي لا يقرأ ولم يذهب إلى مدرسة في حياته|link=node|align=left|width=400|height=267]"انظر إلينا. إننا نعيش كالبدائيين، ونعمل كأجراء يومية. إن الزراعة ليست آمنة إلا على مبعدة من الشاطئ، لأن مستوى البحيرة دائم التغير. ولا نملك المال اللازم لضخ الماء لأرض أعلى من أن تتأثر بحركة البحيرة." تعمل وزارة الزراعة منذ سنين في مشروع ملكية صغيرة، ولكنه يسير ببطء شديد بالمقارنة بمشروع توشكى الذي يدفعه كبار المستثمرين. يهدف المشروع في "الشرق" إلى إنشاء مجتمعات لشباب الخريجين القادمين من أنحاء مصر ليشترك أربعة منهم في زراعة عشرين فدانا من الأرض، بينما يعاني النوبيون في الجوار من الفقر، والجهل، والمرض، وهم أهل المكان. يشعر النوبيون عموما بمرارة شديدة تجاه الفترة الناصرية، فهم يرون كل نوبي--والنوبيين فقط--ضحية للسد العالي. وهم يعيشون على هذا الشعور، ويزيدونه عمقا. "يعاني النوبيون منذ 1818". "نحن نعيش هجرة مستمرة"، وهذا ليس رأي شفة وحده. فقد ظهرت المرارة والأرض المفقودة في معظم الحوارات التي سمعتها. لا زلت أذكر محمد رمضان، الذي استضافنا في بيت أخته وصحبنا طوال رحلتنا، وهو ينظر إلى صفحة الماء محاولا رؤية نولوة، بلدته التي لم يعرفها، ويكاد يتذكر أشجار النخيل التي نطفو فوقها عائدين من الشرق إلى أبوسمبل الجميلة، ويقرأ الفاتحة عندما نبحر بالقرب من قمة تل أخبره أبوه أن أسلافه مدفونون في سفحه. بإمكان المرء أن يرى حياة أكثر إشراقا على الشاطئ الغربي للبحيرة، في أبوسمبل الخضراء والقرى المحيطة بها: نولوة (البيضا بالنوبية لأن سكانها كانوا من "البيض")، والفراعنة الهادئة، والسلام، والسادات. يحظى أنور السادات، على عكس عبدالناصر، بشعبية كبيرة في النوبة، فهو منشئ مدينة أبوسمبل، وقد زار المنطقة ثلاث مرات. سبب آخر لشعبية السادات هو أمه السودانية. يتعاطف النوبيون مع السودان، ويعتقدون أن النوبة الحقيقية في السودان. وبالرغم من التناقض الواضح، إلا أنهم يعتبرون أنفسهم الورثة الحقيقيين للمصريين القدماء. النوبيون أيضا فخورين بأنفسهم جدا جدا، لدرجة أن بعض ما يذكره هذا الشعب الطيب عن الإثنيات الأخرى في مصر، أو عن الأجانب، لا يمكن وصفه إلا بالعنصرية الفاقعة. نشهد الآن موجة هجرة عكسية من كوم أمبو، ولكن النوبيون الجدد لم يعودوا صيادي أسماك أو مزاعي نخيل، ولم تعد حياتهم مرتبطة بالنيل كما كانت. إنهم ينتقلون إلى قرى جديدة بأسماء قديمة, ليسكنوا بجوار أبناء جيران آبائهم في النوبة القديمة. يعمل النوبيون اليوم في وظائف عصرية: كالسياحة، والتجارة، وخدمات أخرى، ولكنهم لا يزالوا يحنون إلى ماض يقبع في قاع البحيرة.

عرب أم مصريون؟

أقرأ رامي ومحمدا على مدونتهم الجديدة "راء وميم"، وتعجبني نبرة وأسلوب الحديث. يرد كل منهما بالتتابع على سؤال طرحه الآخر، ثم يطرح سؤالا بدوره. المدونة موضوعها العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في مصر، وكل منهما يعرض قدر جهل طائفته بالأخرى--وجدتني الآن أتوقف لأول مرة لأفكر أيهما المسلم وأيهما المسيحي: محمد ورامي! أنهى رامي دوره أمس بسؤال عن مسلمي مصر، وهل يعتبرون أنفسهم مصريين حاميين، أم عربا ساميين. نفس الموضوع تعرضت له في ذات الوقت قائمة بريدية معظم أعضائها من المصريين، وغير المصريين المقيمين في البلد. ظهر تصنيف سامي/حامي في القرن التاسع عشر، وهو وقت كان العلم فيه يؤكد حقائق الرجل الأبيض--التي يصفها الغرب اليوم بالعنصرية. ترى كيف ينظر إلى حقائقنا من يعيش بعدنا بقرن من الزمن؟--تشترك اللغات المصرية القديمة، والأمازيغية (البربرية) مع العربية، والكنعانية، والآرامية (وهي لغات تسمى أيضا "باللغات العربية"، لأنها أكثرها انتشارا اليوم، أو "اللغات الجَزْرِيَّة"، نسبة إلى جزيرة العرب حيث نشأت) في خصائص تضعها في عائلة لغوية، هي الأفرآسيوية، مقابل عائلات لغوية كبيرة أخرى، وأقربها إلينا الهندأوروبية، التي تغطى السنسكريتية، والفارسية، والإغريقية، واللاتينية، والألمانية، والإنجليزية، والفرنسية... وأتذكر من حكى عن أحد كتب قواعد المصرية القديمة التي يحاول فيها المؤلف الغربي وصف تلك اللاحقة الغريبة التي تميز جنس الاسم المؤنث، والتي تنطق تاء، وهي بالضبط تاء التأنيث التي يعرفها كل من درس العربية. أو كيف أن اللغة المصرية القديمة لا تميز فقط بين المفرد والجمع، بل توجد فيها أيضا حالة المثنى. تتميز اللغات الأفرآسيوية بأن الكلمات المتقابلة فيها قد يتبدل فيها ترتيب الحروف الأصلية في الجذر، ف"حنش" العربية تقابل "نحش" العبرية التوراتية. خذ مثلا اسم المدينة المصرية دمنهور. الاسم في المصرية القديمة--لاحظ أنني لا أفضل لفظة "الفرعونية" لأنها تركز على شخص الملك، ولدلالتها السلبية في الديانات التوحيدية الثلاث--هو دَمَنْ حُرْ، أي "مدينة حُرْ" ("مدن حر"، بدون الزيادات). و"حُرْ" هو الاسم المصري لما يعرف بالإغريقية بالإله حورس الصقر، وهو أيضا اسم من أسماء الصقر في العربية. [img_assist|nid=115|title=رأس مطرقة وسكين من قبل التاريخ، القارة، 90كم جنوب الواحات البحرية|desc=|link=node|align=left|width=200|height=94][img_assist|nid=112|title=نقوش من قبل التاريخ، القارة، 90كم جنوب الواحات البحرية|desc=الصورة لحسام مصطفى|link=node|align=left|width=200|height=150] زرت بداية هذا العام كهفا يقع في الصحراء على بعد 90 كيلومترا جنوبا من الواحات البحرية. بالإضافة إلى الصواعد والهوابط التي تكونت عبر ملايين السنين، وجدت نقوشا على الحجر لمن سكنوا المكان منذ عشرة آلاف عام أو يزيد: رسوما لبقر وحشي، وغزلان، ونعام، وحيوانات أخرى. صعدت إلى سطح الأرض لأخبر ألف باكتشافي، فوجدته يناولني مبتسما سكينا حجرية من قبل التاريخ. فنظرت حولي لأرى عشرات الآلات الحجرية، بعضها كامل والآخر كسر أثناء نحته: سكاكين، ومكاشط لسلخ جلود الطرائد، ورأس بلطة، ورؤوس سهام. مضى وقت على هذا المكان كانت فيه الأمطار أكثر لتسمح بنمو حياة نباتية تعيش عليها حيوانات برية كبيرة، ويعيش عليها أصحاب ورشة المعدات هذه. يتلقى وادي النيل منذ آلاف السنين موجات من البدو الباحثين عن سبل حياة أفضل. هبط أولهم إلى الوادي قبل التاريخ وعملوا فيه بالهندسة إلى أن أعادوا تشكيله بالكامل، واستمروا في استقبال الهجرات من صحراوات الشرق والغرب: أمازيغ، وهكسوس، وعرب مطلع الإسلام، والتغريبة الهلالية... ولا يزال استقرار العرب حول الحضر على جانبي الوادي وفي الشرقية ووادي النطرون مستمرا إلى اليوم: الموجات متتالية والاتجاه واحد. لا أحب تصنيف "المنطقة" إلى "شرق أوسط" و"شمال أفريقيا". المصطلحات تصنع الحقائق.
Syndicate content