حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

سفر

بلاد السماء، شعب النار

مطار شارل ديجول في باريس جميل المنظر، سيء التصميم؛ والحركة فيه من مكان إلى آخر قريب غير ممكنة إلا بركوب الحافلات. في طابور المقهى، يفصل أفريقي ثالث بيني وبين بهاء طاهر. أسلم على الأخير، فيرحب ويسألني عن نفسي وعن ما أعمل. أخبره أنني عاطل الآن، وأنني غالبا ما أمضيت وقتي العام الأخير إما كسولا أو متطوعا في كفاية ولأغراض أخرى. "يبقى تعرفني من كفاية؟" "لا، أبدا، من قبل كدا"، على الرغم من أني لم أقرأ له إلا الحب في المنفى، وهذه عادتي. فأنا غالبا أعرف عن الكتاب، بدلا من أن أعرف أعمالهم هم. يسألني عن وائل خليل، وإن كان خرج من السجن، ثم نتبادل القلق على وقفة القضاة ذلك اليوم. نتبادل القلق بينما ما يجري للشرقاوي يجري له. أجيب عن سؤاله أنني غير مسافر للدراسة، وأنني في وجهتي لأطلانطا، ثم إلى نزل في الجبال الشرقية. يتركني ليلحق بطائرته، وأنتظر أنا رحلتي. إجراءات أمن الولايات المتحدة تبدأ من باريس. يقترب منا موظفين فرنسيين في ملابس مدنية ويبدأون معنا تحقيقا عن غرض زيارتنا، وتذاكر سفرنا، وسبب معرفتنا، ومكان إقامتنا، وعملنا، وأشياء أخرى، إلا أن منطق الحديث أنك بريء. في مطار أطلانطا، أنت مذنب، وتهمتك أنك لن تترك البلد بمجرد أن تدخلها، ولغرض مشروع مثل أن تسعى لتحسين حياتك. أترك ضابط الجوازات عالقا، فأنا لا أنفي تهمة أنني غير واضح المهنة، ولا أحاول أن أثبت أنني صالح النية أيضا. ترى ما كان يفعل إن عرف أن حكومته تصنفني كإرهابي بييئي؟ ما علينا. من أطلانطا في جورجيا إلى شارلوت في كارولينا الشمالية بالطائرة، ثم بالسيارة ثلاث ساعات إلى آشْفِل: عبر ثلاث قارات ومحيط واحد في أقل من يوم. نزل جبل النورنزل جبل النور جدول واكر: الذي منعني من النومجدول واكر: الذي منعني من النوم آشفل مدينة تختلف عن باقي الجنوب، فبها يعيش عدد لا بأس به من الهيبيز، ومنهم من يجتمعون مساء كل جمعة في الميدان وسط المدينة. يجلبون طبولا مختلفة، ويمضون ساعات يجربون فيها إيقاعات جماعية يرقص عليها معظم الحضور. آشفل أيضا مكان يجتمع فيه أولئك الذين يعيشون عصرا جديدا مليئا بالروحانيات وإن خلى من الأديان. "كنيسة الرب: القداسة أو الجحيم". تذكرني لافتة على كنيسة صغيرة في الطريق من النزل الذي أعيش فيه إلى آشفل أنه لا يزال الجنوب، وأن الطوائف البروتستانتية فيه لا تزال تتحارب على كسب المؤمنين. النزل الذي أعيش فيه يقع مباشرة داخل حدود محمية غابة بِسْجَهْ، بالقرب من بلدة اسمها دِلِنْجَام. تعلن لافتة عن البلدة أثناء مروري بها صعودا ونزولا، وهي أيضا موجودة على الخريطة، إلا أنها في الواقع أصغر من أن أميز أولها من آخرها، بل هي تابعة لبلدة أخرى اسمها بَرْنَاردزفِل. هذه أكبر قليلا، فهي مربع سكني واحد طوله ضلعه مائة متر على الأكثر. يحكي عن برناردزفل أنها كانت آخر بلدات الولايات المتحدة التي تستغني عن عاملات الهواتف في وقت كانت باقي البلاد فيه تستعمل الحواسيب لتوزيع المكالمات. الحياة في النزل بسيطة جدا--على ما تكون أمريكا من بساطة، أعتقد--اعتدت على النوم في الخلاء في صحارى مصر وجبالها، لكني لم أتوقع أن تكون الغابة بهذا القدر من النشاط. حفل آثناء الليل وفي الفجر، طيور، وحشرات، وثديات صغيرة، وجدول ماؤه بارد جدا ولا يتوقف عن الهدير حتى أنه يمنع النوم العميق. تزامن وجودي في نزل جبل النور مع اجتماع سنوي لمشروع يهدف إلى إثراء وعي المشاركين فيه بوجودهم، وبقدراتهم، وبقوة نواياهم في مزج بين روحانيات وحدة الوجود ومبادرات تنموية في بلاد مختلفة من العالم، معظمها في أفريقيا وأمريكا الجنوبية. يثري الطلبة مهاراتهم في القيادة من خلال دراسة ونقد عدد كبير من الكتب ونقاشها مع معلمين حياتيين يعملون معهم بشكل شخصي. جبال العرف الأزرقجبال العرف الأزرق المكان كله في منطقة جبال العرف الأزرق، وهي جزء من جبال الأبلاش، التي تمتد بمحاذاة الساحل الشرقي من الجنوب إلى الشمال. تغطي الجبال غابة نفضية موزعة على عدد من المحميات. المنظر يشبه فلم آخر الموهيكيين الذي صور على بعد أمتار قليلة من حيث أجلس الآن، في جوار جبل متشل، أعلى قمة في الشرق. إنها بلاد تشيروكي. صخور العرف الأزرق، أو الحائط الأزرق، كما اعتاد تشيروكي أن يسموه، من أقدم صخور العالم، ترجع إلى عصر ما قبل الكمبري. أي أنها كانت قديمة عندما ولدت الهيمالايا، وعتيقة عندما ظهرت الألب، ومنحوتة تماما عندما صعدت الروكي من ناحية الغرب. هنا صخور عمرها 1,100 مليون عام، أي أقل قليلا من ثلث عمر الأرض. النحت في جبل مستدير كجبل الأجداد لم تحدثه ثلاجات، بل كله من جراء تجوية المطر والرياح، عاما بعد عام. الجبل مملوك لشخص واحد مات قبل أن نصله ببضعة أيام، وهو ككل المساحة في الأبلاش حولنا، مربوط بشبكة من دروب المشي تخترق الجبال والهضاب والأراضي المفتوحة، وتصب معظمها في طريق الأبلاش، الذي سارت عليه التجارة بين السكان الأصليين قبل وصول المستعمرين البيض. في العام 1828، بعد عقود قليلة من نجاح الثورة الأمريكية مقابل الإنجليز، وقبل عام واحد من اشتعال حمى الذهب الأولى في دالونيجا في جورجيا، استدارأندرو جاكسون ناحية تشيروكي منهيا مفاوضات معهم قادها منذ 1814، قبل أن يصبح رئيسا، بشأن تعويضهم عن أرضهم، وبدأت الولايات المتحدة في سياسة تهجير السكان الأصلين إلى غرب الميسيسيبي. تم ذلك على الرغم من مثاقفة معظم تشيروكي وباقي القبائل المتحضرة الخمس لما ورد من أوربا، بما فيها المسيحية وتملك العبيد السود--للتزامن، المثاقفة تعريب سمعته اليوم من حمكشة، نقلا عن كايوس نوسس--، وعلى الرغم من حكم المحكمة العليا في قضية تشيروكي ضد جورجيا لصالح الأولى. يروى أن جاكسون علق على الحكم قائلا: "لقد حكم [القاضي] جون مارشال، فلينفذ حكمه الآن!" أندرو جاكسونأندرو جاكسون أرييل شارونأرييل شارون
أولئك الرجال يبنون بيوتا كتيرة يحفرون الأرض، ويبنون يقطعون الشجر، ويبنون دائما يأخذون في البناء من ارتفاعي على الجبل أرى السحب السحب تبني بيوتا كثيرة في السماء أولئك يبنون ويهدمون وهؤلاء تبنين وتذبن مدن الرجل الأبيض ليست جميلة كمدن السحاب ليست كبيرة كمدن السحاب خيمتي دفعتها الرياح هي المنزل الذي أملكه مدن الرجل الأبيض--شعر للسكان الأصليين
سيكوياسيكويا بين 1836 و1838، حشر ما يقرب من عشرين ألف تشيروكي في مخيمات ثم هجروا من بلادهم إلى ما هو اليوم في ولاية أوكلاهوما. مات أربعة آلاف منهم في ما صاروا يعرفوه "بدرب الدموع"، ولحق بهم مئات أخرى كثيرة كمدا في المنفى. عشيرة تشيروكي الشرقية التي تعيش اليوم في كارولينا الشمالية هي خلف الألف الذين هربوا من التهجير. قبل مائة عام عاش هؤلاء في مجتمع أمومي فيه الخال أكثر الرجال تأثيرا في العائلة. اقتاتوا على الكوساء، والذرة، والفول، وسموها "الأخوات الثلاث" منذ أن وصلت الزراعة إلى نسائهم منذ ألفي عام، بالإضافة لما اصطاده الرجال منهم. حكمهم ثلاث رؤساء بثلاث حكومات: الأحمر رئيس حكومة الحرب من الشباب، والأبيض رئيس حكومة السلم من الشيوخ، والطبيب. كان للعشائر السبعة مقعدين يتشاورون فيها، واحد مفتوح والآخر مغلق، تماما كبدو سيناء؛ وكان لكل من العشائر اختصاصها: عشيرة البطاطا البرية، الفلاحون وحماة الأرض؛ عشيرة الشعر الطويل، وهم فخورون بأنفسهم ومنهم يأتي الرئيس الأبيض؛ عشيرة الغزال، الصيادون والعدائون الذين ينقلون الرسائل؛ عشيرة الصقر ذي الذيل الأحمر، وهم يصيدون الطيور ببنادق الهواء، ويحفظون الريش المقدس؛ العشيرة الزرقاء، من يحافظون على الأعشاب الطبية ويجمعونها؛ عشيرة الصبغة، أصحاب حكمة التطبيب؛ عشيرة الذئب، وهي أكبر عشيرة اليوم، وهم من أتى منهم الرئيس الأحمر ومعظم المحاربين: هؤلاء يحمون الشعب، وهم القادرون على صيد الذئب. تنظيم كهذا ورائه حياة اجتماعية معقدة، ورمزية روحية لا أجدها أقل من مبهرة. هذا شعب أخرج سيكويا، الرجل الوحيد في التاريخ الذي اخترع للغة شعبه أبجدية مقطعية من خمس وثمانين حرفا دون أن يتعلم قراءة أية لغة أخرى قبلها. في غضون بضعة أعوام، تعلمت كل تشيروكي قراءة "الأوراق المتكلمة" من الصحف أو الكتاب المقدس. الآن تحول تشيروكي إلى العيش من وراء بيت القمار الذي شجعتهم الحكومة على إنشائه، على الرغم من منع القمار في معظم الولايات. أمضيت نصف يوم في محمية تشيروكي لم أر فيها إلا ثلاثة من السكان الأصليين: رجل وامرأة في ، وآخر خارج من باب منزله ليدخن، والباقي سياحة رخيصة. اليوم يسمونه يوم الاستقلال. علم الجماعة الشرقية من أمة تشيروكيعلم الجماعة الشرقية من أمة تشيروكي

دِير الَّدرْب لَو دَارت

عباس باشاعباس باشا صحارىسفاريصحارىسفاري على مبعدة مائتي مترا شمال نقطة على طريق القاهرة-السويس الحالي، بنى عباس باشا الأول (1813-1854) بن طوسون بن محمد على الكبير قصرا ليعيش فيه بعيدا عن حياة المدينة، أو في طريقه إلى سيناء، حيث كان يهوى السير في الدروب. بحثت في كتاب تاريخ الصف الثالث الإعدادي عن معلومات، لكني لم أجد سوى أنه تلى جده وسبق عمه سعيد باشا في الولاية. أما كتب التاريخ التي كتبت بتكليف من فروع ابراهيم باشا من الأسرة العلوية، فلا تذكر إلا أنه قوض إعمار الدولة التي بناها محمد علي: أغلق المدارس، وأبطل المصانع، وسحب الامتيازات من الأوربيين، وأنقص الجيش إلى تسعة آلاف، ونشر العيون في البلاد ضد سعيد؛ إلا أن عباس أنشأ كذلك أول خط سكك حديدية في مصر، وأعتق الفلاحين، وبدأ إصلاح مقام السيدة زينب. كان شديد الانطوائية، وأيضا شديد الشغف بالفروسية، حتى أن مخطوطاته التي تأصل للخيول العربية لا تزال من المراجع الهامة. لا تزال العباسية الثكنة العسكرية التي أنشأها. ذهبت الأسبوع الماضي مع أصدقاء من صحارىسفاري للمشي في إقليم الجبال العليا بسيناء. توقعت أن أقابل مدونة هناك، وحدث. ثم اكتشفت أنني أسير بجانب أخرى، وأنني أعرفها من قبل، بل وأن ثالثة خططت للمجيء ولم تستطع. بدأنا من مكتب سفريات الملقى في كاترينة، وصعدنا ثم درنا حول رَاس جْبَال حتى وصلنا إلى الْقَلْتِ الأزرق. المنطقة كلها (بل ومصر من وادي النيل وشرق ذلك) نظام معقد من الوديان يصب فيه الأعلى في الأخفض، أو كما يقول العرب، يَكُّتُ فيها الماء. تذوب الثلوج من قمم الجبال العالية وتكت المياه فوق وتحت سطح الأرض حتى تصل إلى قمع كبير وسط الجبال لا تجف منه المياه شديدة البرودة طوال العام. هذا القمع هو القلت الأزرق. صعودا من هناك، مررنا بفرش اِمْ سِلاَّ. الفرش هو الأرض المفتوحة الحصباء. توقفنا برهة لنبني شيئا بالحجر كما اعتاد أن يفعل المارة. القلت الأزرقالقلت الأزرق نزولا إلى القلت الأزرقنزولا إلى القلت الأزرق فرش اِمْ سِلاَّفرش اِمْ سِلاَّ تذهب القصص إلى أن الأطباء نصحوا عباس المريض بالدرن بالعيش في مكان مرتفع جيد الهواء. وكما كان مع البيمارستان، أمر الأطباء بوضع قطعة من الكبد على قمة كل رأس من رؤوس الجبال. فسدت آخر القطع فوق جبل طينية، ثاني أعلى قمم مصر (2383 مترا)، والذي صار يعرف من يومها بجبل عباس بسبب القصر الذي أسسه الوالي هناك ولم يعش ليراه. اغتيل عباس باشا في قصره ببنها 14 يوليو 1854 على يد اثنين من عبيده. المشرف من القصر الخرب يرى تحته بلدة الملقى، وأمامه سماء مفتوحة، وبينهما قمم جبال أبو محشور، وموسى (الذي يؤمه الزوار صاعدين الطريق الذي أنشأه عباس أيضا)، وبينها وديان الشيخ، والدير، وشْرِيجْ، والأربعين، الذي يقود إلى جبل كاترين، أعلى قمم مصر، وخلفها وحولها كلها الكثير. وادي زواتينوادي زواتين وادي زواتينوادي زواتين قصر جبل عباس باشا: الصورة لرندة الشريفقصر جبل عباس باشا: الصورة لرندة الشريف حط الليل علينا فوق قمة الجبل، فتحسسنا طريقنا نزولا إلى وادي زواتين، الذي بتنا فيه في جنينة تحت كروم وأشجار تفاح وعين الجمل، وبالقرب منا زيتونات عتيقة جدا عمرت المئات من الأعوام. سمعت أن زواتين هذا الوادي التي أعطته اسمه فريدة لدرجة أنها تشكل نوعا أحيائيا بذاتها. ترى هل هكذا تبدو فلسطين؟ في وسط أغسطس، أمضينا ليلة في مصر في فرش الرمانة وصلت فيها درجة الحرارة إلى الخمس درجات فوق الصفر.

في حافلات بريطانيا، اجلس ناحية اليسار

رسالة نصية قصيرة توقظني من نومي. تعلمني نورا يونس أن قنبلة انفجرت في شرم الشيخ، ثلاث قنابل، وأنها تتحضر للذهاب إلى هناك للمساعدة في تغطية الحادث. اليوم يوم الثورة. ترحل هي في السادسة، وأنا في الثامنة. أفكر في الطائرة أن الضيافة وتوقيتات شغل الركاب بالوجبات والمرطبات المقدمة هي الأسلوب الأجدى لمقاومة الخوف من الأماكن المغلقة، والقيود التي يعانيها مئات الركاب. وصلتني تذكرة السفر بالبريد الإلكتروني، وبناء على توقيت وصولها إلى هيثرو، اشتريت تذكرة حافلة تصل مبنى الركاب ذاته بعد ساعتين (استغرقها الأمر أكثر من ذلك في الواقع). تأخذني الحافلة إلى لِسْتِرْ، لأنتظر حافلة أخرى لساعتين أخريين أصل بها إلى لَفْبَرَهْ. دفعت ثمن التذكرة عبر إنترنت، وطبعتها من منزلي. وسط كل هذه الحقول لم أملك إلا أن أفكر في دوائر المحاصيل التي قد توجد على الطريق، وفي السبب الذي يجعلها أشهر في بريطانيا من أي مكان آخر. لم أملك أيضا إلا الابتسام وأنا أراقب الأبقار السعيدة التي تعبر الطريق من حقل إلى آخر على جسور علوية مخصصة لها. طرق السفر في بريطانيا ثلاث درجات: تعود الطرق أ إلى وقت كانت تطرقها الحافلات التي تجرها الخيول بين المدن والبلدات، وهي لا تختلف عن الطرق ب إلا في الكم الذي تتلقاه من مرور، بينما تتميز عنها الطرق م بحد سرعة أعلى (يصل إلى سبعين ميلا)، وبحارات ثلاث في كل اتجاه، بالإضافة إلى حارة إضافية للتوقف الطارئ، وتقاطعات حرة مع كل الطرق، ومحاور علوية تمر بالمدن والبلدات. يصف دليل المتشعبطين في المجرة المحاور العلوية بأنها "أدوات تسمح لبعض الناس بالقيادة من النقطة أ إلى النقطة ب بسرعة جدا، بينما يسرع البعض الآخر جدا من النقطة ب إلى النقطة أ. يحار الناس القاطنين في النقطة ج، وهي نقطة تقع مباشرة في الوسط، في ما الرائع في النقطة أ الذي يجعل عديدا من ناس النقطة ب راغبين بشدة في الذهاب إليها، وما الرائع في النقطة ب الذي يجعل عديدا من ناس النقطة أ راغبين في الذهاب إليها. وغالبا ما يتمنون أن يقرر الناس نهائيا المكان الذي يرغبون في التواجد فيه." ساعدتني خرائط جوجل في تحديد الطريق من محطة الحافلة وسط لفبره إلى الجامعة حيث أعمل لمدة أسبوع، وحصلت على إرشادات من نوع: "...ثم تابع السير 0.1 ميلا وخذ يمينا عند الميدان، وتابع السير بعدها 0.6 ميلا في هذا الطريق، ثم خذ يسارا...". طبعت أيضا خريطة تبين الطريق من باب الجامعة إلى محل إقامتي في مركز المؤتمرات. وصلت كالمتوقع في السابعة والنصف، موعد العشاء. لللاحقة ""بَرَهْ" في اسم البلد مرادفات كثيرة في لغات أخرى تعني في أصلها البرج، أي المكان الحصين المرتفع: كانتربري جنوب إنجلترا، وإدنبره في اسكتلندا، وستراسبور في فرنسا، وهامبورج في ألمانيا، وبرج العرب على ساحل مرمريكا. شكلت الأراضي المحيطة بتلك الأبراج مساحة إدارية محلية يمكن للمواطن فيها الإلمام بكل نواحي العمل العام، وأمكن لبعضها أن تمثل في البرلمان الإنجليزي. فمثلا، باستثناء مدينة لندن ومدينة وستمنستر، فإن باقي أحياء لندن الكبرى هي أبراج. وبينما تتجمع الوحدات في الحضر لتكون مدنا، فإنها في الريف تشكل مقاطعات الواحد منها يسمى شاير ينفذ القانون فيها "شَايَرْ رِيفِي" أو شِرِفْ (وقد تستخدم كَوْنْتِي التي يحكمها كونت أو إيْرلْ للدلالة على ذات الشيء أو بالتقريب). توجد أيضا بعض السلطات الأحادية التي لا تقع داخل أي وحدة أكبر، باستثناء إنجلترا نفسها. هذا أحد التقسيمات الإدارية للبلد.

حاذر الفجوة

استيقظت مبكرا، وأعددت القهوة، وفتحت التلفاز، وبدأت في الترتيب لرحلة قريبة إلى إنجلترا وويلز. رفعت عيناي لأرى مشهدا من محطة كنجزكروس/القديس بانكراس وسط لندن. في 25 يونيو 2004، ركبت القطار من نيوكاسل في الشمال، متجها إلى كنجزكروس. لم أكن أعرف في أي ساعة يمكنني مغادرة المدينة، لذا لم أستطع حجز مكان في القطار مسبقا لأستفيد من خصم الحجز المبكر، خصوصا وأن الفندق الصغير الذي أسكن فيه لا يوفر إلا وصولا لاسلكيا إلى إنترنت لم أكن أملكه. نظرت عاملة الفندق وأصغت إلي محاولا إفهامها أنه كي أتصل بإنترنت، لا بد من سلك هاتف، ورقم هاتف، وأشياء أخرى. سكتت لبرهة ثم أجابت، "ولكن سيدي، كل هذا ليس ضروريا"، ثم لوحت بيدها في الهواء، "إنها--أي إنترنت--موجودة بالفعل!". علم إنجلتراعلم إنجلترا ترافل إنترافل إن توجهت إلى محطة القطار. راجعت جدول القطارات. أقرب قطار إلى لندن يتحرك خلال عشر دقائق. عثرت على آلة بيع التذاكر. قدمت لها بطاقة الائتمان. اخترت وجهتي. أرخص قطار إلى لندن هو الذي يقف أمامي. حسن، أرخص تذكرة إذن لو سمحت. أنظر للحظة لأول يهودي حريدي أراه في حياتي، وأبتسم، ثم أعود بعيناي إلى شاشة الآلة: أخصم من بطاقتك الآن خمس وثمانين إسترلينيا وسبعين بنسا. من جانبي تمر امرأتان وأنا أركل وألكم الآلة محاولا استعادة بطاقتي قبل تمام العملية، بلا جدوى. ناشيونال رايلناشيونال رايل لم أجد في القطار مكانا أجلس فيه أو أضع أمتعتي. حملت حقيبة ظهري وحاسوبي مدة ساعتين. إنشاءات تتم في محطة كنجزكروس/القديس بانكراس. أستغل الطابور الطويل الذي أقف فيه لأدرس خريطة قطارات النفق. أقرب الطرق إلى وجهتي حي هاونزلو هو خط بيكاديللي. شباب حولي من مختلف القوميات. يرتدون ثيابا متنوعة وكثير منهم يحملون آلات موسيقية. لا أبدو غريبا كما كنت في نيوكاسل. أمضيت الأيام الخمسة السابقة مشرفا على خمسة طلاب ومعلمهم كانوا يشاركون في تنظيم دورة أولمبية مصغرة في بلدة جيتسهد على ضفة نهر التاين المقابلة لنيوكاسل. بحثت عن حقيبة مفقودة، ثم ساعدت صاحبها في ابتياع ملابس بدلا من تلك التي فقدت. أخذتهم في جولة في مدينة لا أعرفها، وشرحت لهم بعض الشيء عن التطور والوراثة ودنا في مركز الحياة--حيث اكتشفت أمام آلة تعلمك عن العلاقات البشرية أنني، من بين مئات استعملوا تلك الآلة قبلي ذلك اليوم، الوحيد الذي لم يقبله أحد--. ترجمت قوائم الطعام، ثم شرحت معنى ما ترجمت، ثم طلبت ما فرضت عليهم أكله، ثلاث مرات في اليوم. ضحكت مع كل من مر بي وأنا جالس بجانب عدد يصعب تصديقه من حقائب المشتريات في واحد من أكبر أسواق أوروبا، معظمها بضاعة رخيصة من محلات تبيع أي شيء بجنيه. ترجمت لهم كل ما قاله الناس، إلا مرة واحدة دعينا فيها إلى بيت إحدى طالبات المدرسة. أبوها يعمل على حفارات النفط في بحر الشمال، وأمها طاهية في مدرسة ابتدائية. اعتذرت لنا الأم فور دخولنا البيت عن فقره، واعتذرت لها عن نقل ما تقول، فهو غالبا أجمل بيت زاره رفاقي المصريون. يتحدث أهل نيوكاسل لكنة يصعب على باقي الإنجليز فهمها. لم أعان أبدا في فهم بريطاني كما عانيت مع ذلك الرجل الذي لم أعرف حتى اسمه. هو سائق السيارة الوحيدة التي تنقل سبع ركاب في أرخص شركات سيارات الأجرة، وهو لا يتحدث سوى أثقل لكنة جوردي سمعتها. نيوكاسل من أفقر المدن في التنوع الثقافي في كل إنجلترا، إلى درجة أن الناس كانوا يستغربون مرأى غير البيض مثلي منذ أعوام قليلة مضت. عود إلى لندن. اكتشفت بعد محطتين وجود عطل في القطار أمامنا. خرجت في جرين بارك، وبدأت ألعب لعبة اخترعتها وأنا في العاشرة، في وقت كانت القاهرة مدينة جديدة: مسموح لي بمراجعة الخريطة دقيقة واحدة كل ساعة سير. أمضيت جل أوقاتي في لندن متنقلا بين الحدائق والمتاحف بالقرب من نايتسبريدج، ووجدت نفسي أتفادى النظر إلى تغيير الحرس عندما تصادف مروري بقصر بكنجام. "حاذر الفجوة". تصدر تلك العبارة من صوت معدني كل مرة يقترب فيها قطار النفق من المحطة. إنها أكثر ما أسمعه في لندن. حاذر الفجوة: شعار قطار النفق في لندنحاذر الفجوة: شعار قطار النفق في لندن حاذر الفجوة: و بضاعة تذكارية أيضاحاذر الفجوة: و بضاعة تذكارية أيضا يمازحني أخي أنه يجدر بي طلب بدل مخاطرة عند سفري القادم، فلندن لم تعد ذلك المكان الآمن الذي كانته.

وأين هي قطر؟

قرص دواء من أيرلندا نبيذ من الأرجنتين مضيفات من شرق آسيا الطعام إيطالي المذاق هندية تجلس بجانبي والطائرة وجهتها قطر هذا حال السفر. فكيف حال البلد؟ كمعظم زوار الأعمال، لم أجد فرصة أن أرى منه إلا الفندق والطريق إليه من خلف زجاج الحافلة--التي لم تحفل إلا بي أنا والسائق الهندي الذي يناديني بـ"سير"، هو وطبقة الخدم الهنود والآسيويين كلها. رأيت أيضا من نافذة غرفتي بيوتا مسقوفة كلها بالقرميد. الفندق "عالمي"، وهذا معناه أن يحدثني العرب بالإنجليزية. النزلاء أوربيون وأمريكيون، والضيوف خليجيون، والعمال طبعا من باقي آسيا. الفندق "عالمي"، وهذا معن مخفف: الطعام الياباني يعده التايلانديون، والطعام الفرنسي يعده الأفريقيون. بدت القاهرة ليلة أمس مليئة بالحياة والإمكانيات. أعود كارها بعد أيام.

صوت الأذان مختلف في سيوة

[img_assist|nid=136|title=شالي سيوة|desc=الصورة لرندة الشريف|link=node|align=left|width=200|height=150][img_assist|nid=137|title=برج بابل|desc=بيتر بروجل الأكبر|link=node|align=left|width=200|height=151] ظل أهل سيوة يزرعون نخيل البلح، ثم صاروا يزرعون الزيتون أيضا: في سيوة اليوم 300,000 نخلة و70,000 زيتونة. يركب الرجال منهم الدراجات، أما النساء فتجلسن في عربات تجرها الحمير يقودها رجل او صبي. لم أر إلا أربع نساء راجلات، وواحدة سافرة الوجه حمراؤه كوجوه معظم الأمازيغ. عشرة من أحد عشر قبيلة تسكن أحد عشر قرية في سيوة من الأمازيغ، وهم يتحدثون العربية كلغة ثانية، على عكس القبيلة الحادية عشر العربية أو المستعربة. يبلغ أهل سيوة في مجموعهم 22,000 نسمة، منهم أصحاب بشرة أفريقية سوداء وأنف أفريقي أفطس، وشعر أفريقي أجعد. ولا يزال بإمكانك زيارة جبل دكرور، المسمى على اسم منطقة ووادي تكرور في السنجال التي لا بد أن قدم منها بعض أهل الواحة، وكل من اسمه دكروري. يقام في دكرور "احتفال السياحة" الذي يستمر أياما ثلاثة آخرها بدر الشهر القمري الذي يوافق أكتوبر، موسم حصاد البلح. خوفا من غارات العربان، تحصن أهل سيوة منذ القرن الثالث عشر الميلادي في عمارات ضخمة اسمها "شالي" (مدينة بالأمازيغية) بنوها من القورشيف، وهو "طين طفلي رملي صحراوي عالي الملوحة". لكل حصن من هؤلاء باب واحد يغلق عند المغيب ولا يفتح إلا مع فجر اليوم التالي. يجد المرء الآن ثلاث أطلال: شالي سيوة المؤسس عام 1203 والمهجور منذ الأمطار الغزيرة عام 1926، عدا البيوت القريبة من الأرض؛ وشالي أغورمي (القرية التي زار الإسكندر معبدها الشهير عام 331 قبل الميلاد. أقيم المعبد في القرن السابع قبل الميلاد)؛ وشالي "قارة" المهجور منذ ربع القرن فقط. قارة (أم الصغير) هي أبعد قرى سيوة وأصغرها، بل هي أقرب إلى حافة القَطَّارِة (أضخم المنخفضات الهوائية في العالم، وفيه ثالث أخفض نقطة في اليابس) والوحيدة التي تقع داخل المحمية الطبيعية، والتي لا يزيد سكانها ولا ينقصون عن ثلاثمائة وبضع نفس. لم تسجل أي شالي كأثر إلى الآن. يذكرني المشهد بلوحة بيتر بروجل الأكبر برج بابل. تحول السيويون إلى المسيحية مع نفي الروم الأقباط المونوفستيين إلى الصحراء. لم ينجح موسى بن نصير أو طارق بن زياد في غزو الواحة، ولم يتحول السيويون إلى الإسلام إلا بعد ذلك بقرون. أصبحت سيوة جزءا من الدولة المصرية لأول مرة عصر الأسرة المصرية السادسة والعشرين، وظلت تزورها جيوش محمد علي مرة بعد أخرى 1819-1829 إلى أن قصمت المقاومة السنوسية. دخلت مصنعا عسكريا تنسج فيه فتيات سيوة سجادا لا علاقة له بتراثهن، ويمكنك شرائه من أي مكان داخل مصر أو خارجها: حلقة أخرى في تنميط المصريين. لم يصل للواحة طريق أسفلتي إلا عام 1986 ليربطها بمطروح، ويتم الآن العمل على طريق سيوة/البحرية، الذي يختصر الرحلة من القاهرة مائتي كيلومترا. سيوة نصف منخفض يشترك مع واحة الجغبوب على الجانب الآخر من الحدود المصرية-الليبية في حوض واحد. يجد القادم من الشمال نفسه يهبط الهضبة إلى المنخفض بلا مقدمات، الذي هو أيضا منخفض من منخفضات، يعرف كل منها بالحِطِيَّة. على طريق العودة، رأيت هضبة مرمريكا (وتعريبها مريوط) التي تمتد شمال سيوة وجنوب الساحل الشمالي الغربي وقد تلقت هذا العام أمطارا كثيرة كست الاستبس بخضرة ذات كثافة لم يسبق أن شهدتها هناك.

"إحنا قاعدين هِنا مِستنيين المَايَّة"

[img_assist|nid=116|title=عبده شفة، عمدة قسطل وأدندان، آخر قرى نوبة مصر|desc=|link=node|align=left|width=400|height=267]هذه الكلمات الخمس، التي نطق بها عبدالمجيد "عبده" شفة بكل حزم وتصميم، تلخص الحياة في القسطل وأدندان، وهما القريتان الباقيتان من القرى النوبية الخمس والأربعين الأصلية. وبدقة أكثر، فإن حتى هاتين القريتين لم تسلما، فقد أنشئتا على ضفة البحيرة فوق الموقع الأصلي للقسطل وأدندان، على قمة التلال حيث كان يسكن المطاريد. وبالمقارنة بالقريتين الأصليتين، فإن ما رأيناه لا يصلح لوصفه "بالقرية" كما عرفها النوبيون. وصل عبده شفة، وهو الآن في ستينيات عمره، مع المرحوم أبيه إلى القسطل عام 1978، بعد أن أخرجوا من بلادهم الغارقة. تقع القسطل وأدندان اليوم شرق بحيرة النوبة، وهما أكثر القرى المصرية تطرفا إلى الجنوب. فمن أدندان تصبح على بعد ثلاثين كيلومترا من الحدود المصرية/السودانية، ويمكنك مشاهدة أضواء وادي حلفا السودانية ليلا على بعد ستين كيلومترا. شهدت الفترة 1963-1964 نقل النوبيين إلى بيوت "التهجير"، كما يسمونها. "لا نحس بالأمن في التهجير"، شرح لنا شفة، "فالأجيال الجديدة تأقلمت على بيئة لا تلائمها." شفة هو عمدة 35 عائلة مقسمة بين الوطن وأماكن أخرى بحثا عن العمل. لا تتلقى القسطل أي دعم إلا الذي يوفره لها أهلها، فهم يعيشون منذ 24 عاما بدون تعليم أو رعاية صحية، بل إن مولد الكهرباء الحالي مستعار من العبابدة الذين يسكنون قريبا، بعد أن خرب المولد الذي اشتروه. [img_assist|nid=117|title=حفيد عبده شفة|desc=حفيد الرجل المتعلم الواعي هو هذا الصبي الذي لا يقرأ ولم يذهب إلى مدرسة في حياته|link=node|align=left|width=400|height=267]"انظر إلينا. إننا نعيش كالبدائيين، ونعمل كأجراء يومية. إن الزراعة ليست آمنة إلا على مبعدة من الشاطئ، لأن مستوى البحيرة دائم التغير. ولا نملك المال اللازم لضخ الماء لأرض أعلى من أن تتأثر بحركة البحيرة." تعمل وزارة الزراعة منذ سنين في مشروع ملكية صغيرة، ولكنه يسير ببطء شديد بالمقارنة بمشروع توشكى الذي يدفعه كبار المستثمرين. يهدف المشروع في "الشرق" إلى إنشاء مجتمعات لشباب الخريجين القادمين من أنحاء مصر ليشترك أربعة منهم في زراعة عشرين فدانا من الأرض، بينما يعاني النوبيون في الجوار من الفقر، والجهل، والمرض، وهم أهل المكان. يشعر النوبيون عموما بمرارة شديدة تجاه الفترة الناصرية، فهم يرون كل نوبي--والنوبيين فقط--ضحية للسد العالي. وهم يعيشون على هذا الشعور، ويزيدونه عمقا. "يعاني النوبيون منذ 1818". "نحن نعيش هجرة مستمرة"، وهذا ليس رأي شفة وحده. فقد ظهرت المرارة والأرض المفقودة في معظم الحوارات التي سمعتها. لا زلت أذكر محمد رمضان، الذي استضافنا في بيت أخته وصحبنا طوال رحلتنا، وهو ينظر إلى صفحة الماء محاولا رؤية نولوة، بلدته التي لم يعرفها، ويكاد يتذكر أشجار النخيل التي نطفو فوقها عائدين من الشرق إلى أبوسمبل الجميلة، ويقرأ الفاتحة عندما نبحر بالقرب من قمة تل أخبره أبوه أن أسلافه مدفونون في سفحه. بإمكان المرء أن يرى حياة أكثر إشراقا على الشاطئ الغربي للبحيرة، في أبوسمبل الخضراء والقرى المحيطة بها: نولوة (البيضا بالنوبية لأن سكانها كانوا من "البيض")، والفراعنة الهادئة، والسلام، والسادات. يحظى أنور السادات، على عكس عبدالناصر، بشعبية كبيرة في النوبة، فهو منشئ مدينة أبوسمبل، وقد زار المنطقة ثلاث مرات. سبب آخر لشعبية السادات هو أمه السودانية. يتعاطف النوبيون مع السودان، ويعتقدون أن النوبة الحقيقية في السودان. وبالرغم من التناقض الواضح، إلا أنهم يعتبرون أنفسهم الورثة الحقيقيين للمصريين القدماء. النوبيون أيضا فخورين بأنفسهم جدا جدا، لدرجة أن بعض ما يذكره هذا الشعب الطيب عن الإثنيات الأخرى في مصر، أو عن الأجانب، لا يمكن وصفه إلا بالعنصرية الفاقعة. نشهد الآن موجة هجرة عكسية من كوم أمبو، ولكن النوبيون الجدد لم يعودوا صيادي أسماك أو مزاعي نخيل، ولم تعد حياتهم مرتبطة بالنيل كما كانت. إنهم ينتقلون إلى قرى جديدة بأسماء قديمة, ليسكنوا بجوار أبناء جيران آبائهم في النوبة القديمة. يعمل النوبيون اليوم في وظائف عصرية: كالسياحة، والتجارة، وخدمات أخرى، ولكنهم لا يزالوا يحنون إلى ماض يقبع في قاع البحيرة.
Syndicate content