أماكن
سقارة
"أنا بقى لي خمسة و ثلاثين سنة باحاول أنزل هنا، وأنا دارس للمصريات. انت حظك كويس إنك جيت معي."
وجه لي عبد الغفار شديد الكلام ونحن صعود من أسفل البئر الجنوبي في مجمع سقارة، ثلاثين مترا تحت الأرض. كنا قد أمضينا النهار كله نصور في مواقع مصرية قديمة. زيارة المصريات مع من يفهم ما حوله تضفي معان عميقة كثيرة على آثار المصريين.
عبد الغفار شديد وحسام غربية في المقبرة الجنوبية بسقارة
خذ مثلا الأبواب التي تدلف منها داخلا خارجا. هل تعرف أنها تجريد للمنظر الطبيعي بالخارج؟ وهل تعلم أن تقاليد العمارة المصرية القديمة--ككل شيء في تلك الحضارة--استمرت آلاف السنين في تجريد مستمر دون أن تفقد رمزيتها؟ في نظر المصري، كل بيت هو رمز للمأوى الأول الذي عاش فيه جدوده: بابه هو السماء التي ترتحل فيها عين حورس بين الشرق والغرب، جانبي الباب. الأرض هي العتب الذي يقف عليه، وسقفه درع الحيوان الذي احتمى تحته المصري الأول. دائما تجد الرمز والطقس: في الخبز والنبيذ؛ في البذر والحصد؛ في الحرب والصيد. كلها طقوس حياة.
شرح لي شديد، وهو أيضا أستاذ في تاريخ الفن، أنه يرى مصر في العالم الآخر ممثلة بأكملها في مجمع سقارة الذي بناه إمحتب: المجمع، وهو أقدم صرح تذكاري مبني بالحجر في التاريخ، له خمسة عشر برجا بأربعة عشر بابا مزيفا تحميه من عماء العالم الخارجي، وباب وحيد للدخول في الركن الجنوبي الشرقي. المقبرتين الشمالية والجنوبية ترمزان للمقابر الملكية في أبيدوس وفي الدلتا، مركزي عبادة الملك. الفناء الجنوبي بين المقبرتين والناحية الشرقية هو مصر في عالم الأحياء، بينما يرمز الحائط الغربي لعالم الأموات. الطبقات الاجتماعية الست في مصر(الفلاحين، والحرفيين، والموظفين، وموظفي البلاط، والعائلة الملكية، ثم الملك) تمثلها مصاطب الهرم المدرج الذي يصعد بقمته، أي زوسر نفسه المدفون في المقبرة أسفل الهرم، نحو السماء.
حالة المقبرة الشمالية تحت الهرم لا تسمح بالزيارة، أما الجنوبية فعهدة مفتش في الآثار مختومة بالشمع. بغرض الزيارة، كسر الختم وفتح الجنود الباب، ولم نذكر نحن الزوار في المحضر الرسمي، إلا أن ذلك كله لم يمنع من سرقة المقبرة كاملة حتى جدرانها. الجدران كانت مغطاة بشقفات من الخزف الواحدة في حجم الإصبعين يغطيها طلاء زجاجي من أزرق الفيروز، وفي ظهرها عروة. تخيط كل ستة من هؤلاء في ثقوب مقابلة في الجدار بأمعاء الحيوانات. أو أن هذا ما كان قبل أن تمتد إليه الأيدي.
سقارة كلها مدينة أموات منف: أطول عاصمة في تاريخ مصر منذ أسسها مينا الموحد--وحتى 1300 قبل المسيح عندما نقلت العاصمة جنوبا إلى طيبة--وأكبر حواضر العالم وقت كمالها، حين كانت مركز عبادة بتاح، وظلت ثاني أكبر مدن مصر من بعد الإسكندرية حتى بنيت الفسطاط. يعمم جمال حمدان أن مصر الموحدة استقرت بعد حركة بندول العاصمة ذلك في موضع تفرع النيل حيث حكمت الدولة لألف وثمانمائة عام قبل أن تنتقل العاصمة رسميا إلى طيبة--وإن ظلت البلد تدار من منف لتطرف طيبة--قبل أن تتنقل في الدولة الحديثة بين حواضر الدلتا في الشمال، لتحكم مصر من الإسكندرية حوالي الألف عام لتعود نهاية في محيط منف.
تذكرت هذا كله عندما احتفل الكثيرون بنقل تمثال رمسيس، فتمشية لطيفة من سقارة إلى المريوطية تمر ببلدة صغيرة اسمها ميت رهينة. سكانها لا بد يتجاوزون الثلاثين ألفا الذين سكنوا منف، وبيوتهم تغطي نصف معبد هائل مجد فيه بتاح لألوف السنوات، بينما يغرق النصف الثاني من المعبد في بركة من الصرف. اتنشل تمثال رمسيس من هذا المعبد، ولا تزال المياه تذيب قاعدته والجزء الأسفل من قدميه.
عندما تنظر إلى آثار المصريين، لا ترى المعابد والمسلات والأهرامات عارية إلا من لون صفار الرمال والحجر، فهذا فقط فعل الزمن.
بلاد السماء، شعب النار
مطار شارل ديجول في باريس جميل المنظر، سيء التصميم؛ والحركة فيه من مكان إلى آخر قريب غير ممكنة إلا بركوب الحافلات. في طابور المقهى، يفصل أفريقي ثالث بيني وبين بهاء طاهر. أسلم على الأخير، فيرحب ويسألني عن نفسي وعن ما أعمل. أخبره أنني عاطل الآن، وأنني غالبا ما أمضيت وقتي العام الأخير إما كسولا أو متطوعا في كفاية ولأغراض أخرى.
"يبقى تعرفني من كفاية؟"
"لا، أبدا، من قبل كدا"، على الرغم من أني لم أقرأ له إلا الحب في المنفى، وهذه عادتي. فأنا غالبا أعرف عن الكتاب، بدلا من أن أعرف أعمالهم هم.
يسألني عن وائل خليل، وإن كان خرج من السجن، ثم نتبادل القلق على وقفة القضاة ذلك اليوم. نتبادل القلق بينما ما يجري للشرقاوي يجري له. أجيب عن سؤاله أنني غير مسافر للدراسة، وأنني في وجهتي لأطلانطا، ثم إلى نزل في الجبال الشرقية. يتركني ليلحق بطائرته، وأنتظر أنا رحلتي.
إجراءات أمن الولايات المتحدة تبدأ من باريس. يقترب منا موظفين فرنسيين في ملابس مدنية ويبدأون معنا تحقيقا عن غرض زيارتنا، وتذاكر سفرنا، وسبب معرفتنا، ومكان إقامتنا، وعملنا، وأشياء أخرى، إلا أن منطق الحديث أنك بريء. في مطار أطلانطا، أنت مذنب، وتهمتك أنك لن تترك البلد بمجرد أن تدخلها، ولغرض مشروع مثل أن تسعى لتحسين حياتك. أترك ضابط الجوازات عالقا، فأنا لا أنفي تهمة أنني غير واضح المهنة، ولا أحاول أن أثبت أنني صالح النية أيضا. ترى ما كان يفعل إن عرف أن حكومته تصنفني كإرهابي بييئي؟ ما علينا. من أطلانطا في جورجيا إلى شارلوت في كارولينا الشمالية بالطائرة، ثم بالسيارة ثلاث ساعات إلى آشْفِل: عبر ثلاث قارات ومحيط واحد في أقل من يوم.
رنوة من لبنان إلى غزة
قابلت رنوة يحيى أول ما كان على الشاطئ في سيناء. لفت نظرها كتاب أقرأه يحكي سيرة "كمال جنبلاط: الرجل والأسطورة"، من منشورات دار النهار. شرحت لها كيف أنني مضروب بلبنان وتاريخه المعاصر، وأخذت أحكي عن هروبي إلى هناك لثلاثة أيام من أجل حفل لروجر ووترز (موسيقاه وبنك فلويد من أفضل ما أفقه فيه في هذه الدنيا)، ولكن أيضا لأسير في الشوف صعودا من الساحل وحتى دير القمر وبيت الدين، وعن لعبة ألعبها في كل مدينة جديدة: اشتريت خريطة لبيروت، وقدمت من صيدا إلى الكولة، ثم تهت عمدا كي أصل إلى المتحف الوطني عن طريق الحمراء:
"من فضلك، كيف أصل إلى كورنيش بيير الجميل؟"
"دعني أرى. أنا وصلت هنا البارحة، لكنك إذا سرت في هذا الشارع حتى ميدان العدلية، وانحرفت يسارا عنده، تجد كورنيش الجميل"
"يسلموا"

المتحف نفسه دفعني إلى أن أسميه "المتحف المصري في بيروت"، فمعظم المعروض إما مصري جاء بالتجارة، أو كنعاني متأثر بالمصرية. في مكتب صديق لي سألني المدير عن رأيي في لبنان، ودعا أن يسامحني الله عندما أجبت أنها جميلة، وجديدة. نصف بنايات بيروت إما جديدة بناها الحريري بالديون، وإما تعود لعقود، أو نصفها الذي بقي من الحرب بعد أن احتمل الصواريخ.
زيارة القارب آنا
كتب أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي الشاطبي البلنسي سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، بعد وصوله إبحارا إلى ثغر الإسكندرية وما مر به من أهوال موج وريح ومطر ما لم يعاينه المسلمون والروم فيما سلف من أعمارهم أنه
في آخر الساعة الخامسة منه كان إرساؤنا بمرسى البلد، ونزولنا أثر ذلك، والله المستعان فيما بقي بمنه. فكانت إقامتنا على متن البحر ثلاثين يوما، ونزلنا في الحادي والثلاثين، لأن ركوبنا إياه كان يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر شوال، ونزولنا عنه في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة، وبموافقة السادس والعشرين من مارس، والحمد لله على ما من به من التيسير والتسهيل، وهو سبحانه المسؤول بتتميم النعمة علينا ببلوغ الغرض من المقصود، وتعجيل الإياب الوطن على خير وعافية، انه المنعم بذلك لا رب سواه. وكان نزولنا بها بفندق يعرف بفندق الصفار بمقربة من الصبانة.
ظن ابن جبير أن ما رآه في البحر هو غاية الفزع لأي رحالة، إلى أن وصل رجال الجمارك:
فمن أول ما شاهدنا فيها يوم نزولنا أن طلع أمناء المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه. فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين واحدا واحدا، وكتبت أسماؤهم وصفاتهم وأسماء بلادهم، وسئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناض ليؤدي زكاة ذلك كله دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل. وكان أكثرهم تشخصين لأداء الفريضة لم يستصحبوا سوى زاد لطريقهم، فألزموا أداء زكاة ذلك دون أن يسأل أحال عليه الحول أم لا. واستنزل أحمد بن حسان منا ليسأل عن أنباء المغرب وسلع المركب. فطيف به مرقبا على السلطان أولا ثم على القاضي ثم على أهل الديوان ثم على جماعة من حاشية السلطان. وفي كل يستفهم ثم يقيد قوله. فخلي سبيله، وأمر المسلمون بتنزيل أسبابهم وما فضل من أزودتهم، وعلى ساحل البحر أعوان يتوكلون بهم وبحمل جيمع ما أنزلوه الديوان. فاستدعوا واحدا وأحضر ما لكل واحد من الأسباب، والديوان قد غص بالز . فوقع التفتيش لجميع الأسباب، ما دق منها وماجل، واختلط بعضها ببعض، أدخلت الأيدي أوساطهم بحثا عما عسى أن يكون فيها. ثم استحلفوا بعد ذلك هل عندهم غير ما وجدوا لهم أم لا.
دِير الَّدرْب لَو دَارت
على مبعدة مائتي مترا شمال نقطة على طريق القاهرة-السويس الحالي، بنى عباس باشا الأول (1813-1854) بن طوسون بن محمد على الكبير قصرا ليعيش فيه بعيدا عن حياة المدينة، أو في طريقه إلى سيناء، حيث كان يهوى السير في الدروب. بحثت في كتاب تاريخ الصف الثالث الإعدادي عن معلومات، لكني لم أجد سوى أنه تلى جده وسبق عمه سعيد باشا في الولاية. أما كتب التاريخ التي كتبت بتكليف من فروع ابراهيم باشا من الأسرة العلوية، فلا تذكر إلا أنه قوض إعمار الدولة التي بناها محمد علي: أغلق المدارس، وأبطل المصانع، وسحب الامتيازات من الأوربيين، وأنقص الجيش إلى تسعة آلاف، ونشر العيون في البلاد ضد سعيد؛ إلا أن عباس أنشأ كذلك أول خط سكك حديدية في مصر، وأعتق الفلاحين، وبدأ إصلاح مقام السيدة زينب. كان شديد الانطوائية، وأيضا شديد الشغف بالفروسية، حتى أن مخطوطاته التي تأصل للخيول العربية لا تزال من المراجع الهامة. لا تزال العباسية الثكنة العسكرية التي أنشأها.
ذهبت الأسبوع الماضي مع أصدقاء من صحارىسفاري للمشي في إقليم الجبال العليا بسيناء. توقعت أن أقابل مدونة هناك، وحدث. ثم اكتشفت أنني أسير بجانب أخرى، وأنني أعرفها من قبل، بل وأن ثالثة خططت للمجيء ولم تستطع. بدأنا من مكتب سفريات الملقى في كاترينة، وصعدنا ثم درنا حول رَاس جْبَال حتى وصلنا إلى الْقَلْتِ الأزرق. المنطقة كلها (بل ومصر من وادي النيل وشرق ذلك) نظام معقد من الوديان يصب فيه الأعلى في الأخفض، أو كما يقول العرب، يَكُّتُ فيها الماء. تذوب الثلوج من قمم الجبال العالية وتكت المياه فوق وتحت سطح الأرض حتى تصل إلى قمع كبير وسط الجبال لا تجف منه المياه شديدة البرودة طوال العام. هذا القمع هو القلت الأزرق. صعودا من هناك، مررنا بفرش اِمْ سِلاَّ. الفرش هو الأرض المفتوحة الحصباء. توقفنا برهة لنبني شيئا بالحجر كما اعتاد أن يفعل المارة.
في حافلات بريطانيا، اجلس ناحية اليسار
رسالة نصية قصيرة توقظني من نومي. تعلمني نورا يونس أن قنبلة انفجرت في شرم الشيخ، ثلاث قنابل، وأنها تتحضر للذهاب إلى هناك للمساعدة في تغطية الحادث. اليوم يوم الثورة. ترحل هي في السادسة، وأنا في الثامنة. أفكر في الطائرة أن الضيافة وتوقيتات شغل الركاب بالوجبات والمرطبات المقدمة هي الأسلوب الأجدى لمقاومة الخوف من الأماكن المغلقة، والقيود التي يعانيها مئات الركاب.
وصلتني تذكرة السفر بالبريد الإلكتروني، وبناء على توقيت وصولها إلى هيثرو، اشتريت تذكرة حافلة تصل مبنى الركاب ذاته بعد ساعتين (استغرقها الأمر أكثر من ذلك في الواقع). تأخذني الحافلة إلى لِسْتِرْ، لأنتظر حافلة أخرى لساعتين أخريين أصل بها إلى لَفْبَرَهْ. دفعت ثمن التذكرة عبر إنترنت، وطبعتها من منزلي.
وسط كل هذه الحقول لم أملك إلا أن أفكر في دوائر المحاصيل التي قد توجد على الطريق، وفي السبب الذي يجعلها أشهر في بريطانيا من أي مكان آخر. لم أملك أيضا إلا الابتسام وأنا أراقب الأبقار السعيدة التي تعبر الطريق من حقل إلى آخر على جسور علوية مخصصة لها. طرق السفر في بريطانيا ثلاث درجات: تعود الطرق أ إلى وقت كانت تطرقها الحافلات التي تجرها الخيول بين المدن والبلدات، وهي لا تختلف عن الطرق ب إلا في الكم الذي تتلقاه من مرور، بينما تتميز عنها الطرق م بحد سرعة أعلى (يصل إلى سبعين ميلا)، وبحارات ثلاث في كل اتجاه، بالإضافة إلى حارة إضافية للتوقف الطارئ، وتقاطعات حرة مع كل الطرق، ومحاور علوية تمر بالمدن والبلدات. يصف دليل المتشعبطين في المجرة المحاور العلوية بأنها "أدوات تسمح لبعض الناس بالقيادة من النقطة أ إلى النقطة ب بسرعة جدا، بينما يسرع البعض الآخر جدا من النقطة ب إلى النقطة أ. يحار الناس القاطنين في النقطة ج، وهي نقطة تقع مباشرة في الوسط، في ما الرائع في النقطة أ الذي يجعل عديدا من ناس النقطة ب راغبين بشدة في الذهاب إليها، وما الرائع في النقطة ب الذي يجعل عديدا من ناس النقطة أ راغبين في الذهاب إليها. وغالبا ما يتمنون أن يقرر الناس نهائيا المكان الذي يرغبون في التواجد فيه."
حاذر الفجوة
استيقظت مبكرا، وأعددت القهوة، وفتحت التلفاز، وبدأت في الترتيب لرحلة قريبة إلى إنجلترا وويلز. رفعت عيناي لأرى مشهدا من محطة كنجزكروس/القديس بانكراس وسط لندن. في 25 يونيو 2004، ركبت القطار من نيوكاسل في الشمال، متجها إلى كنجزكروس. لم أكن أعرف في أي ساعة يمكنني مغادرة المدينة، لذا لم أستطع حجز مكان في القطار مسبقا لأستفيد من خصم الحجز المبكر، خصوصا وأن الفندق الصغير الذي أسكن فيه لا يوفر إلا وصولا لاسلكيا إلى إنترنت لم أكن أملكه. نظرت عاملة الفندق وأصغت إلي محاولا إفهامها أنه كي أتصل بإنترنت، لا بد من سلك هاتف، ورقم هاتف، وأشياء أخرى. سكتت لبرهة ثم أجابت، "ولكن سيدي، كل هذا ليس ضروريا"، ثم لوحت بيدها في الهواء، "إنها--أي إنترنت--موجودة بالفعل!".
توجهت إلى محطة القطار. راجعت جدول القطارات. أقرب قطار إلى لندن يتحرك خلال عشر دقائق. عثرت على آلة بيع التذاكر. قدمت لها بطاقة الائتمان. اخترت وجهتي. أرخص قطار إلى لندن هو الذي يقف أمامي. حسن، أرخص تذكرة إذن لو سمحت. أنظر للحظة لأول يهودي حريدي أراه في حياتي، وأبتسم، ثم أعود بعيناي إلى شاشة الآلة: أخصم من بطاقتك الآن خمس وثمانين إسترلينيا وسبعين بنسا. من جانبي تمر امرأتان وأنا أركل وألكم الآلة محاولا استعادة بطاقتي قبل تمام العملية، بلا جدوى.
أن ترى الجمال
ضفة نيل الجيزة لا تزال تتحمل المشي، بشرط أن تتعلم أن ترى الجمال.
اتجه جنوبا. تبدأ المتعة بعيد مرورك على بيت السادات (لك الخيار أن تقرأ الفاتحة على روح ابن آدم). يليه متحف محمد محمود خليل وحرمه. النخلات لا تزلن باسقات. لا تلق بالا للضباط والعسكر حين يظهرون، فسفارة إسرائيل عارض اليوم. لاحظ أمامها منادي السيارات صاحب الطرطور والصفارة والضحك الذكي.
انظر يمينك كل حين وابتسم. لاحظ مكان شروق القمر هذا الوقت من العام. نظم أنفاسك مع خطواتك: نفس، 2، 3، 4. اكتم، 2، 3، 4. سيب، 2، 3، 4. اكتم. 2، 3، 4. هل تقدر أن تعد إلى ثمانية؟ إلى ستة عشر؟
تبتسم لك بائعة الزهور العجوز ابتسامة رائعة، إلا في الأيام التي تختبئ فيها لتدخن، أو تطارد إحدى الصبايا اللاتي يردن منافستها في منطقة رزقها. ابتسمت لي آخر مرة وحاولت أن تبيعني وردة حمراء. هي تعرف أنني لا أفضل الورود الحمراء، وأني أفضل كل الورود على الشجر.
المطاعم العائمة تزداد تنوعا. جراند كافيه فسحة، وسور جراند كافيه كذلك. حافلة أو اثنتان وسياح من اليابان في المطعم الذي يليه. عرس أو خطبة كل يوم.
نهاية المشية عند كوبري عباس. اقرأ الفاتحة على روح طلاب المظاهرة.
أوصيك يا ابني بالقمر والزهور
أوصيك بليل القاهرة المسحور
أي من هاتان قطر؟
وجدت فرصة الأسبوع الفائت لأسيح في الدوحة، عاصمة أسرع اقتصادات العالم نموا (10% سنويا). الأحياء القديمة الباقية ذكرتي بكويت الثمانينيات. بعد خمس سنوات ستبدو الدوحة أشبه بدبي: مبان زجاجية ترتفع وإن لم تتلاصق؛ أسواق تقليدية تتحول إلى بازارات سياحية؛ مدارس ومرافق وملاعب تبنى، فكل شيء هنا يدور حول الألعاب الآسيوية 2006: المها أصبحت أوري.
حريق في الفندق الأول ينقلني إلى الألمع. أسمع صرير حذائي الأخضر المطاطي المهترئ على رخام الأرضية بينما أمر بجانب فردين من البحرية الأمريكية. أحدهما مستند على عمود رخامي: ترى هل يخدمون على السفينة التي أراها أثناء تناولي الفطور؟ هما جنديان بالزي العسكري، وفيليب وتوني استعماريان من مرتدي الملابس الأنيقة.
عملت في قطر لأسبوعين في مشروع اسمه سبورتس كنكشن. اسمه سبورتس كنكشن لأن أحدا في المجلس البريطاني لا يفكر إلا بالإنجليزية. المشروع وعشرات مثله جزء من "مبادرة تهدف إلى بناء تفاهم، وتعلم، واحترام متبادلين بين الشباب من مختلف الخلفيات الثقافية في المملكة المتحدة وبلاد أخرى". وتأويل هذا: بعد غزوة نيويورك في الحادي عشر، أصبح من الضروري بيع أماكن في الجامعات البريطانية لمن يصبحوا صفوة بلادهم بعد ثمانية أو عشر أعوام: صحافيون من مصر، وعلماء من مصر، ومدرسون من المغرب، وموسيقيون من إيران، وأديبات من الباكستان، وطلبة من تركيا، وممثل من فلسطين، ومتطوعون من إندونيسيا، ونساء من غانا، وأصدقاء من جنوب القوقاز...
وأين هي قطر؟
قرص دواء من أيرلندا
نبيذ من الأرجنتين
مضيفات من شرق آسيا
الطعام إيطالي المذاق
هندية تجلس بجانبي
والطائرة وجهتها قطر
هذا حال السفر. فكيف حال البلد؟
كمعظم زوار الأعمال، لم أجد فرصة أن أرى منه إلا الفندق والطريق إليه من خلف زجاج الحافلة--التي لم تحفل إلا بي أنا والسائق الهندي الذي يناديني بـ"سير"، هو وطبقة الخدم الهنود والآسيويين كلها. رأيت أيضا من نافذة غرفتي بيوتا مسقوفة كلها بالقرميد.
الفندق "عالمي"، وهذا معناه أن يحدثني العرب بالإنجليزية. النزلاء أوربيون وأمريكيون، والضيوف خليجيون، والعمال طبعا من باقي آسيا.
الفندق "عالمي"، وهذا معن مخفف: الطعام الياباني يعده التايلانديون، والطعام الفرنسي يعده الأفريقيون.
بدت القاهرة ليلة أمس مليئة بالحياة والإمكانيات.
أعود كارها بعد أيام.
صوت الأذان مختلف في سيوة
شالي سيوة: الصورة لرندة الشريف
برج بابل: بيتر بروجل الأكبر
ظل أهل سيوة يزرعون نخيل البلح، ثم صاروا يزرعون الزيتون أيضا: في سيوة اليوم 300,000 نخلة و70,000 زيتونة. يركب الرجال منهم الدراجات، أما النساء فتجلسن في عربات تجرها الحمير يقودها رجل او صبي. لم أر إلا أربع نساء راجلات، وواحدة سافرة الوجه حمراؤه كوجوه معظم الأمازيغ. عشرة من أحد عشر قبيلة تسكن أحد عشر قرية في سيوة من الأمازيغ، وهم يتحدثون العربية كلغة ثانية، على عكس القبيلة الحادية عشر العربية أو المستعربة. يبلغ أهل سيوة في مجموعهم 22,000 نسمة، منهم أصحاب بشرة أفريقية سوداء وأنف أفريقي أفطس، وشعر أفريقي أجعد. ولا يزال بإمكانك زيارة جبل دكرور، المسمى على اسم منطقة ووادي تكرور في السنجال التي لا بد أن قدم منها بعض أهل الواحة، وكل من اسمه دكروري. يقام في دكرور "احتفال السياحة" الذي يستمر أياما ثلاثة آخرها بدر الشهر القمري الذي يوافق أكتوبر، موسم حصاد البلح.
خوفا من غارات العربان، تحصن أهل سيوة منذ القرن الثالث عشر الميلادي في عمارات ضخمة اسمها "شالي" (مدينة بالأمازيغية) بنوها من القورشيف، وهو "طين طفلي رملي صحراوي عالي الملوحة". لكل حصن من هؤلاء باب واحد يغلق عند المغيب ولا يفتح إلا مع فجر اليوم التالي. يجد المرء الآن ثلاث أطلال: شالي سيوة المؤسس عام 1203 والمهجور منذ الأمطار الغزيرة عام 1926، عدا البيوت القريبة من الأرض؛ وشالي أغورمي (القرية التي زار الإسكندر معبدها الشهير عام 331 قبل الميلاد. أقيم المعبد في القرن السابع قبل الميلاد)؛ وشالي "قارة" المهجور منذ ربع القرن فقط. قارة (أم الصغير) هي أبعد قرى سيوة وأصغرها، بل هي أقرب إلى حافة القَطَّارِة (أضخم المنخفضات الهوائية في العالم، وفيه ثالث أخفض نقطة في اليابس) والوحيدة التي تقع داخل المحمية الطبيعية، والتي لا يزيد سكانها ولا ينقصون عن ثلاثمائة وبضع نفس. لم تسجل أي شالي كأثر إلى الآن. يذكرني المشهد بلوحة بيتر بروجل الأكبر برج بابل.
تحول السيويون إلى المسيحية مع نفي الروم الأقباط المونوفستيين إلى الصحراء. لم ينجح موسى بن نصير أو طارق بن زياد في غزو الواحة، ولم يتحول السيويون إلى الإسلام إلا بعد ذلك بقرون. أصبحت سيوة جزءا من الدولة المصرية لأول مرة عصر الأسرة المصرية السادسة والعشرين، وظلت تزورها جيوش محمد علي مرة بعد أخرى 1819-1829 إلى أن قصمت المقاومة السنوسية. دخلت مصنعا عسكريا تنسج فيه فتيات سيوة سجادا لا علاقة له بتراثهن، ويمكنك شرائه من أي مكان داخل مصر أو خارجها: حلقة أخرى في تنميط المصريين. لم يصل للواحة طريق أسفلتي إلا عام 1986 ليربطها بمطروح، ويتم الآن العمل على طريق سيوة/البحرية، الذي يختصر الرحلة من القاهرة مائتي كيلومترا.
سيوة نصف منخفض يشترك مع واحة الجغبوب على الجانب الآخر من الحدود المصرية-الليبية في حوض واحد. يجد القادم من الشمال نفسه يهبط الهضبة إلى المنخفض بلا مقدمات، الذي هو أيضا منخفض من منخفضات، يعرف كل منها بالحِطِيَّة. على طريق العودة، رأيت هضبة مرمريكا (وتعريبها مريوط) التي تمتد شمال سيوة وجنوب الساحل الشمالي الغربي وقد تلقت هذا العام أمطارا كثيرة كست الاستبس بخضرة ذات كثافة لم يسبق أن شهدتها هناك.
"إحنا قاعدين هِنا مِستنيين المَايَّة"
عبده شفة، عمدة قسطل وأدندان، آخر قرى نوبة مصرهذه الكلمات الخمس، التي نطق بها عبدالمجيد "عبده" شفة بكل حزم وتصميم، تلخص الحياة في القسطل وأدندان، وهما القريتان الباقيتان من القرى النوبية الخمس والأربعين الأصلية. وبدقة أكثر، فإن حتى هاتين القريتين لم تسلما، فقد أنشئتا على ضفة البحيرة فوق الموقع الأصلي للقسطل وأدندان، على قمة التلال حيث كان يسكن المطاريد. وبالمقارنة بالقريتين الأصليتين، فإن ما رأيناه لا يصلح لوصفه "بالقرية" كما عرفها النوبيون.
وصل عبده شفة، وهو الآن في ستينيات عمره، مع المرحوم أبيه إلى القسطل عام 1978، بعد أن أخرجوا من بلادهم الغارقة. تقع القسطل وأدندان اليوم شرق بحيرة النوبة، وهما أكثر القرى المصرية تطرفا إلى الجنوب. فمن أدندان تصبح على بعد ثلاثين كيلومترا من الحدود المصرية/السودانية، ويمكنك مشاهدة أضواء وادي حلفا السودانية ليلا على بعد ستين كيلومترا.
شهدت الفترة 1963-1964 نقل النوبيين إلى بيوت "التهجير"، كما يسمونها. "لا نحس بالأمن في التهجير"، شرح لنا شفة، "فالأجيال الجديدة تأقلمت على بيئة لا تلائمها." شفة هو عمدة 35 عائلة مقسمة بين الوطن وأماكن أخرى بحثا عن العمل. لا تتلقى القسطل أي دعم إلا الذي يوفره لها أهلها، فهم يعيشون منذ 24 عاما بدون تعليم أو رعاية صحية، بل إن مولد الكهرباء الحالي مستعار من العبابدة الذين يسكنون قريبا، بعد أن خرب المولد الذي اشتروه.
حفيد عبده شفة: حفيد الرجل المتعلم الواعي هو هذا الصبي الذي لا يقرأ ولم يذهب إلى مدرسة في حياته"انظر إلينا. إننا نعيش كالبدائيين، ونعمل كأجراء يومية. إن الزراعة ليست آمنة إلا على مبعدة من الشاطئ، لأن مستوى البحيرة دائم التغير. ولا نملك المال اللازم لضخ الماء لأرض أعلى من أن تتأثر بحركة البحيرة." تعمل وزارة الزراعة منذ سنين في مشروع ملكية صغيرة، ولكنه يسير ببطء شديد بالمقارنة بمشروع توشكى الذي يدفعه كبار المستثمرين. يهدف المشروع في "الشرق" إلى إنشاء مجتمعات لشباب الخريجين القادمين من أنحاء مصر ليشترك أربعة منهم في زراعة عشرين فدانا من الأرض، بينما يعاني النوبيون في الجوار من الفقر، والجهل، والمرض، وهم أهل المكان.
يشعر النوبيون عموما بمرارة شديدة تجاه الفترة الناصرية، فهم يرون كل نوبي--والنوبيين فقط--ضحية للسد العالي. وهم يعيشون على هذا الشعور، ويزيدونه عمقا. "يعاني النوبيون منذ 1818". "نحن نعيش هجرة مستمرة"، وهذا ليس رأي شفة وحده. فقد ظهرت المرارة والأرض المفقودة في معظم الحوارات التي سمعتها. لا زلت أذكر محمد رمضان، الذي استضافنا في بيت أخته وصحبنا طوال رحلتنا، وهو ينظر إلى صفحة الماء محاولا رؤية نولوة، بلدته التي لم يعرفها، ويكاد يتذكر أشجار النخيل التي نطفو فوقها عائدين من الشرق إلى أبوسمبل الجميلة، ويقرأ الفاتحة عندما نبحر بالقرب من قمة تل أخبره أبوه أن أسلافه مدفونون في سفحه.
بإمكان المرء أن يرى حياة أكثر إشراقا على الشاطئ الغربي للبحيرة، في أبوسمبل الخضراء والقرى المحيطة بها: نولوة (البيضا بالنوبية لأن سكانها كانوا من "البيض")، والفراعنة الهادئة، والسلام، والسادات. يحظى أنور السادات، على عكس عبدالناصر، بشعبية كبيرة في النوبة، فهو منشئ مدينة أبوسمبل، وقد زار المنطقة ثلاث مرات.
سبب آخر لشعبية السادات هو أمه السودانية. يتعاطف النوبيون مع السودان، ويعتقدون أن النوبة الحقيقية في السودان. وبالرغم من التناقض الواضح، إلا أنهم يعتبرون أنفسهم الورثة الحقيقيين للمصريين القدماء. النوبيون أيضا فخورين بأنفسهم جدا جدا، لدرجة أن بعض ما يذكره هذا الشعب الطيب عن الإثنيات الأخرى في مصر، أو عن الأجانب، لا يمكن وصفه إلا بالعنصرية الفاقعة.
نشهد الآن موجة هجرة عكسية من كوم أمبو، ولكن النوبيون الجدد لم يعودوا صيادي أسماك أو مزاعي نخيل، ولم تعد حياتهم مرتبطة بالنيل كما كانت. إنهم ينتقلون إلى قرى جديدة بأسماء قديمة, ليسكنوا بجوار أبناء جيران آبائهم في النوبة القديمة. يعمل النوبيون اليوم في وظائف عصرية: كالسياحة، والتجارة، وخدمات أخرى، ولكنهم لا يزالوا يحنون إلى ماض يقبع في قاع البحيرة.

















أحدث التعليقات
منذ يومين 12 ساعة
منذ 4 أيام 9 ساعات
منذ 4 أيام 9 ساعات
منذ 5 أيام 14 ساعة
منذ 5 أيام 17 ساعة
منذ 6 أيام 10 ساعات
منذ أسبوع واحد يوم واحد
منذ أسبوع واحد 4 أيام
منذ أسبوعين 6 ساعات
منذ أسبوعين 6 أيام