حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

وجوه

عبد المنعم محمود

[img_assist|nid=220|title=عبد المنعم محمود|desc=|link=url,http://ana-ikhwan.blogspot.com/|align=left|width=271|height=400] رسالة نصية من أسد توقظني قبل الفجر. اقتحم الأمن منزل عبد المنعم في الإسكندرية. هو في القاهرة و مطلوب. بعدها بأقل من ساعة يصلني و يصل لآخرين بريد من عبد المنعم نفسه، "اخر ما اسطتيع ارساله قبل ان اسلم نفسي لامن الدولة"، و باقي نص البريد هو الخبر الذي نشره محمود نفسه عن مداهمة منزله في تدوينتين على أنا إخوان، و هي مدونته الشخصية، و إنسى، المدونة التي بدأها ضد تحويل معتقلي الإخوان المسلمين إلى المحاكمات العسكرية.

قابلته ثلاث مرات بشكل عابر، إلا أنها كلها كانت ذات صلة بالتعذيب: في لقاء فكري حول دور المدونات في التصدي لظاهرة التعذيب في مصر نظم في جمعية المساعدة القانونية، و في ندوة ضمن مؤتمر القاهرة حيث نطق بشهادته عن واقعة اختطافه و تعذيبه--و إن فضل هو أن لا يسميها تعذيبا، لأنهم "عاملونا معاملة جيدة و كان في ضرب بس من غير كهربا"، و الأخيرة منذ أقل من يومين في المؤتمر الصحافي لمنظمة العفو الدولية التي أطلقت فيها تقريرها عن مصر -- انتهاكات منهجية باسم الأمن حيث كنت أعمل مترجما، و عبد المنعم مراسلا لقناة الحوار.

عبد المنعم ليس مدونا فقط، بل هو مدون و صحافي، و هو من أنشط من يمارسون صحافة المواطن منذ بدأ التدوين. منعم أيضا من الإخوان المسلمين، كما يدل اسم مدونته، بالإضافة إلى أن منذ ظهوره في ساحات المدونات، تبعه العديد من شباب و شابات الإخوان، لا سيما من أبناء المعتقلين، الذين استخدموا أساليب حملات ناجحة نظمتها مدونات قبلهم على وب. تضامن عبد المنعم مع عبد الكريم (في حين أن الأخير قد لا يتضامن مع الأول) ليس بأقل من مؤثر، و هو أدعى للوقوف بجانبه. لقد ساهم عبد المنعم في جعل المدونات أكثر ارتباطا بحياة مزيد من المصريين.

أحمد سعدات و كمال خليل

[img_assist|nid=168|title=أحمد سعدات|desc=|link=node|align=right|width=199|height=199][img_assist|nid=167|title=كمال خليل|desc=|link=node|align=left|width=199|height=199]

سقارة

"أنا بقى لي خمسة و ثلاثين سنة باحاول أنزل هنا، وأنا دارس للمصريات. انت حظك كويس إنك جيت معي." وجه لي عبد الغفار شديد الكلام ونحن صعود من أسفل البئر الجنوبي في مجمع سقارة، ثلاثين مترا تحت الأرض. كنا قد أمضينا النهار كله نصور في مواقع مصرية قديمة. زيارة المصريات مع من يفهم ما حوله تضفي معان عميقة كثيرة على آثار المصريين. عبد الغفار شديد وحسام غربية: في المقبرة الجنوبية بسقارةعبد الغفار شديد وحسام غربية: في المقبرة الجنوبية بسقارة خذ مثلا الأبواب التي تدلف منها داخلا خارجا. هل تعرف أنها تجريد للمنظر الطبيعي بالخارج؟ وهل تعلم أن تقاليد العمارة المصرية القديمة--ككل شيء في تلك الحضارة--استمرت آلاف السنين في تجريد مستمر دون أن تفقد رمزيتها؟ في نظر المصري، كل بيت هو رمز للمأوى الأول الذي عاش فيه جدوده: بابه هو السماء التي ترتحل فيها عين حورس بين الشرق والغرب، جانبي الباب. الأرض هي العتب الذي يقف عليه، وسقفه درع الحيوان الذي احتمى تحته المصري الأول. دائما تجد الرمز والطقس: في الخبز والنبيذ؛ في البذر والحصد؛ في الحرب والصيد. كلها طقوس حياة. شرح لي شديد، وهو أيضا أستاذ في تاريخ الفن، أنه يرى مصر في العالم الآخر ممثلة بأكملها في مجمع سقارة الذي بناه إمحتب: المجمع، وهو أقدم صرح تذكاري مبني بالحجر في التاريخ، له خمسة عشر برجا بأربعة عشر بابا مزيفا تحميه من عماء العالم الخارجي، وباب وحيد للدخول في الركن الجنوبي الشرقي. المقبرتين الشمالية والجنوبية ترمزان للمقابر الملكية في أبيدوس وفي الدلتا، مركزي عبادة الملك. الفناء الجنوبي بين المقبرتين والناحية الشرقية هو مصر في عالم الأحياء، بينما يرمز الحائط الغربي لعالم الأموات. الطبقات الاجتماعية الست في مصر(الفلاحين، والحرفيين، والموظفين، وموظفي البلاط، والعائلة الملكية، ثم الملك) تمثلها مصاطب الهرم المدرج الذي يصعد بقمته، أي زوسر نفسه المدفون في المقبرة أسفل الهرم، نحو السماء. هرم سقارة: من الناحية الجنوبيةهرم سقارة: من الناحية الجنوبية حالة المقبرة الشمالية تحت الهرم لا تسمح بالزيارة، أما الجنوبية فعهدة مفتش في الآثار مختومة بالشمع. بغرض الزيارة، كسر الختم وفتح الجنود الباب، ولم نذكر نحن الزوار في المحضر الرسمي، إلا أن ذلك كله لم يمنع من سرقة المقبرة كاملة حتى جدرانها. الجدران كانت مغطاة بشقفات من الخزف الواحدة في حجم الإصبعين يغطيها طلاء زجاجي من أزرق الفيروز، وفي ظهرها عروة. تخيط كل ستة من هؤلاء في ثقوب مقابلة في الجدار بأمعاء الحيوانات. أو أن هذا ما كان قبل أن تمتد إليه الأيدي. سقارة كلها مدينة أموات منف: أطول عاصمة في تاريخ مصر منذ أسسها مينا الموحد--وحتى 1300 قبل المسيح عندما نقلت العاصمة جنوبا إلى طيبة--وأكبر حواضر العالم وقت كمالها، حين كانت مركز عبادة بتاح، وظلت ثاني أكبر مدن مصر من بعد الإسكندرية حتى بنيت الفسطاط. يعمم جمال حمدان أن مصر الموحدة استقرت بعد حركة بندول العاصمة ذلك في موضع تفرع النيل حيث حكمت الدولة لألف وثمانمائة عام قبل أن تنتقل العاصمة رسميا إلى طيبة--وإن ظلت البلد تدار من منف لتطرف طيبة--قبل أن تتنقل في الدولة الحديثة بين حواضر الدلتا في الشمال، لتحكم مصر من الإسكندرية حوالي الألف عام لتعود نهاية في محيط منف. تذكرت هذا كله عندما احتفل الكثيرون بنقل تمثال رمسيس، فتمشية لطيفة من سقارة إلى المريوطية تمر ببلدة صغيرة اسمها ميت رهينة. سكانها لا بد يتجاوزون الثلاثين ألفا الذين سكنوا منف، وبيوتهم تغطي نصف معبد هائل مجد فيه بتاح لألوف السنوات، بينما يغرق النصف الثاني من المعبد في بركة من الصرف. اتنشل تمثال رمسيس من هذا المعبد، ولا تزال المياه تذيب قاعدته والجزء الأسفل من قدميه. صورة مومياء رمسيس الثاني عندما تنظر إلى آثار المصريين، لا ترى المعابد والمسلات والأهرامات عارية إلا من لون صفار الرمال والحجر، فهذا فقط فعل الزمن.

سألته من يلوم

ألوم الجميع. ألوم الوحش ومن أطلقه، إلا أن الأمر الآن لا علاقة له بالسياسة. هناك أناس يموتون الآن، وأنا لا أهتم بالمرة من على صواب ومن على خطأ الآن. يجب أن يتوقف هذا الجنون، ولا يهمني كيف: أن يطلق حزب الله الأسرى، أو أن تتراجع إسرائيل.
انتباه: اسرائيل ستحتل جنوب لبنانانتباه: اسرائيل ستحتل جنوب لبنان يتوقع وائل حميدان أن يتوقف القصف في الأسبوع الثاني، بل إن رحيل الجاليات الأجنبية لن يزيد القصف إلا شدة. قابلته أثتاء عمله في جرينبيس، وائل وزينة زوجته هما من قلائل من لبنانيين أعرفهم لم يتركوا البلد أو يحاولوا. بدأت زينة التدوين عن حياتها تحت القصف:
اليوم بكيت كثيرا الإجلاء ليس هو الحل. فقط أوقفوا القصف، وعندها لن يضطر أحد للرحيل. بإمكاني القول أن أكبر ما يشغل ذهني اليوم هو ما الذي سيحدث لبيروت بعد شحن كل الأجانب إلى الخارج؟ على التلفار وعالخط أرى آلاف الناس يهربون من البلد. إلى أين تذهبون؟ سيداتي سادتي، بإمكاني أخيرا القول أن أنني إنهرت تماما اليوم. لقد ضربتني الحقيقة قويا، وبكيت طوال اليوم... وأنا لست خجلة أن أشاركم بكائي.
يومي كله أمضيته مدققا في أرشيف ناجي العلي. الرجل ولد عام 1936 في قرية الشجرة بفلسطين بين طبريا والناصرة. هجر إلى عين الحلوة، واعتقل في صيدا، واغتيل في لندن، وفجر تمثاله بعد أن اغتيل، ولا يموت.

شهرين بحالهم يا شرقاوي!

شرقاوي صعب جدا الحديث معه وسط البلد، فهو إما يصرخ طوال المظاهرة، أو لا يستطيع البقاء كثيرا بسبب أنه مراقب، أو لأن الناس كثر بما لا يسمح بحديث أعمق. إلا أن بعد كل هذا في دردشات الفجر، ووسط كل صراخي أنا عن كيف يعمل دروبال، تجد شخصا آخر. هو صحيح بتاع مشاكل، لكن شرقاوي فعلا يصدق أن علاقاته مع كل الناس سيئة بسببه هو، وأن كل المشاكل التي دخل منها ولم يخرج سببها انفعالاته. وربما هذا هو السبب الذي دفعه للعمل بالسياسة في المقام الأول، فيبدو لي أنه دائما يبحث عن ما يمكنه أن يقوم به، بدلا من أن يحزن لما لا يمكن أن يؤثر عليه. رأيته ليلة البارحة بعد ثلاثة أشهر، باستثناء مرتين: في قسم قصر النيل نهاية الاعتقال الأول، وفي ليلة أخرى قبل الاعتقال الثاني. مازحته عندها، "شهر بحاله يا شرقاوي!". لم أكن أدري. ليلة البارحة وجدته ينبهني: "خليكم معي، تمام زي ما علاء قل لي روح شوف أمك. عاوز أتخرج. عاوز أخلص جيش." يا شرقاوي، لو كانت علاقتك سيئة بالناس، فانت مش السبب. وعلى العموم، ما حدش هيفكر يتخانق معك خلاص، مع إنك عمرك ما هتتغير.

الحركة بركة

وائل خليلوائل خليل وصل وائل خليل مؤتمر كفاية الأخير، ولمحني أجلس في الخلف. سحب كرسيا، وجلس بجواري. نظر حوله لثوان، وتنهد في أسف، ثم قال لي: "عاوزين نجيب التايهة بقى يا غربية". بدأنا نفكر في حملات يجب أن تركز الحركة عليها وعليها فقط، حتى لو ظهرت على السطح أزمات كالعبارة أو أنفلونزا الطيور. يجب أن يكون بالإمكان إحراز مكاسب في هذه الحملات، وأن لا نركز على أهداف فوق الطاقة كـ"لا للتمديد ولا للتوريث". كنت أفكر في حملات ثلاث: البطالة، والفساد، والحريات، بينما فضل وائل أن يركز، باعتباره اشتراكيا، على قضايا كالإسكان، والخصخصة. انطباعي أن "باعتباري اشتراكيا" هي أكثر ما يبدأ به وائل حديثه، وهو القادر فعلا على الحديث، فهو دائما يخرج من المظاهرة ليقابل اعتراض الناس الأولي، ويسمح لهم بالكلام إلى أن يصلوا بأنفسهم إلى ما يريد أن يقوله. أتخيل طبعا أن وائل هو قلب كل المفاوضات في سجن المحكوم الآن. أعرفه، عن طريق علاء، منذ حوالي العام، بالضبط منذ ليلة كنس السيدة. الأغرب أنني أعرف علاء نفسه منذ ما يزيد عن ذلك بقليل، ففي أسبوع من العام الماضي يماثل الذي قبض فيه على علاء، دلفت مقهى صغيرا في المهندسين غرب القاهرة. المقهى الحديث الطابع، وإن لم يكن الصوت فيه عاليا جدا، يوفر اتصالا لاسلكيا بإنترنت، وهذا هو تقريبا الشيء الوحيد الجيد في المقاهي الحديثة في القاهرة. تعرفت على طاولتي بمجرد أن لمحت علاء، وشعره، وحاسوبه المحمول. طبعا. كان ذلك وقت يمكنك أن تجمع فيه كل المدونين المصريين في غرفة واحدة. وعندها، في تلك المقابلة الأولى للمدونين--التقليد الآن في مصر أن نسمي كل اجتماع للمدونين "اجتماع المدونين الأول"--، كنا لا نزال نعلق على الأخبار. في غضون أسابيع قليلة من ذلك الحين، سنصبح نحن الأخبار. أمضينا أنا ومنال، وهي زوجة علاء وشريكته في إدارة دلو معلوماتهما، وقتا من تلك المقابلة نبشر الآخرين: مينا، ورحاب بسام، وحمكشة، ومحمد، وفي حضور مصطفى؛ نحاول أن نقنعهم بأن يتركوا بلوجر إلى عالم منصات التدوين مفتوحة المصدر كدروبال ووردبرس. تعجبت من نفسي حين أعطيت علاء كلمة مرور حسابي على بلوجر كي ينظر في حل لاستيراد التدوينات منه--معلهش يا بوب، رجعنا لبلوجر علشان نحاول نطلعك. هي مشيت كدا! ظننت أن الأمر سينتهي عندها، وأن هذا كل شيء. اتضح لاحقا أن أمامنا عام مليء بالأحداث، من مايو إلى مايو. بعدها بقليل، وفي 25 مايو 2005، ضرب علاء بينما كان يحاول حماية أمه، الدكتورة ليلى سويف، من البلطجية المدفوعين من الشرطة أثناء تظاهرها ضد الاستفتاء على تغيير الدستور. سرق حاسوبه المحمول، وهذا هو ما أغضبه، جدا. اعتدنا أن نضحك بعد كل مرة يسبب علاء فيها صداعا للسلطات أن الأمر كله خطأهم، فهم اختاروا المدون الخطأ كي يعبثوا معه. هم الآن لا يزالوا يعبثون معه، وإن كان بشكل أقسى مما سبق. شهدت في صيف 2005 تحول منال وعلاء من تقنيين يساعدون النشطاء على النشر في وب، وعلى تنظيم أنفسهم باستخدام نظم لإدارة المحتوى--فهما يستضيفان ويديران مواقع كفاية، والمجموعة المصرية لمناهضة العولمة - أجيج، ومركز الدراسات الاشتراكية، ومنظمات أخرى، بالإضافة إلى عدد من المدونات. منال وعلاء أيضا عضوان مؤسسان في مجموعة مستخدمي لينكس مصر - إيجي لج--إلى مدونين مؤثرين. إن تدويناتهما، وهم الآن يدونون بالعربية بنفس قدر كتابتهم بالإنجليزية، تشكل بدايات لنقاشات عالخط، ولكن أيضا في مقابلات وجها لوجه، وفي تنويع كبير من الموضوعات. تكمن ميزة علاء ليس في قدرته على التنظير والإحاطة، ولا على التفكير المجرد أو الأفكار الجديدة، بل في قدرته على التركيب، وفي إدراك معان لما يجري حوله. إنه إحساس بسيط، ومنفتح، وملتزم بالمجتمع وبالحياة العامة؛ ساعد ذلك في مرات عديدة على إبقاء النقاش قائما، وأيضا على تجسيد الأفكار في الشارع. ترى هل جزء من ذلك الالتزام ناتج عن أنه أحيانا لا يقدر على السكوت؟ بعد 25 مايو بأسبوع، وبينما كنا نقف على سلم نقابة الصحافيين، تعجب علاء مما نفعل: نتظاهر في مكان في قلب القاهرة، ولكن ليس قريبا من مسكن أهلها، تماما وكأن الوقفة تؤكد للألفي ناشط أن كل شيء لا يزال على ما يرام. مال علاء على كتفي، وأعطاني الفكرة: "مش هنكنس عليهم السيدة بقى؟". الوضع مخز، بإمكاننا أن نطلب المدد من ام العواجز. السيدة زينب هي بنت بنت النبي، وضريحها في الميدان الذي يحمل اسمها في القاهرة في قلب أحد أكثر الأحياء كثافة. هي أيضا شخصية مركزية في الإسلام الشعبي المصري: فهي رئيسة الديوان، قاضية قضاة السماء، وآخر منجدة للمكروبين، تماما كإيزيس ثانية. وهذا ما قمنا به: ظهر إعلان المظاهرة المسجوع الذي كتبته واللافتة التي صممتها في الجرائد--شكرا لمحمد طعيمة من كفاية، وعلى إذاعة راديو الغد قبل المظاهرة. اتصل بي علاء ليعلمني أن الحملة الشعبية من أجل التغيير - الحرية الآن تحمست وستنضم. ومن خلال نورا يونس، تمكنا من الحديث مع أيمن نور الذي حضر المظاهرة لدقائق قليلة في محاولة كي يوسع منطقة نفوذه قليلا إلى الجنوب: فهو النائب عن باب الشعرية، وفتحي سرور النائب عن السيدة زينب. أبو نور بلديات أبي وجدي، بل وأقرب. لم يخجل نور ونحن جلوس بجانبه أن يشير لمخرج الصفحة الأخيرة من صحيفته أن يضع صورتنا وتحتها أننا "شباب الغد". أثار ضحكي في مكتبه عندما رفع صوت التلفاز وطلب مننا الاقتراب كي نسمعه وهو يهمس هربا من أجهزة التنصت المزروعة، وأثار أيضا إعجابي وأنا أترجم في مقابلة تليفزيونية بذهنه الحاضر وصياغته الملائمة لمواقفه العلنية. "معقولة تنتخب أيمن نور! انت مش عارف تاريخه؟" أسهل علي أن يكون شخص كنور في موقع السلطة: ننتخب شخصا مثله ثم نعمل فورا على معارضته. كلام صحيح، لكنه في غير محله الآن بعد عام. وائل خليل محبوس على ذمة التحقيق. علاء سيف محبوس على ذمة التحقيق. أيمن نور، وهو المرشح السابق في انتخابات الرئاسة، سجين حالي ليتم خمس سنين، وهو أيضا محروم من مباشرة حقوقه السياسية بعد خروجه. منذ اختطافه، نقوم بحملة في أماكن كثيرة من العالم من أجل الإفراج عن علاء. بغض النظر عن أن علاء هو أقرب المعتقلين إلى، فلا شك عندي أنه أسهل من يمكن للصحافيين الكتابة عنه، نظرا لوجوده في قلب شبكات من المدونين، والعاملين في مجالات حرية المعلومات، والبرمجيات الحرة، وارتباط تقنيات المعلومات بالتنمية، وأيضا لأنه ببساطة، أكثر من أجرى معه الإعلام مقابلات العام الماضي من بين المعتقلين. أقصد دائما في حديثي مع الصحافة والإذاعة عن الحملة أن أعود إلى أن علاء معتقل مع خمسة مدونين آخرين، صاروا الآن اثنين والأخرى هي أسماء علي، واحدة من أربعة نساء. ستة من بين بضع وخمسين معتقلا من المعارضة المدنية من المدونين--مقارنة بالمئات من الإخوان المسلمين. الحقيقة الأهم في هذا كله أنه بالرغم من أن المدونين المصريين يتضاعفون مرة كل بضعة أشهر، إلا أن العدد لا يزال صغيرا تعدى الألف الأيام الماضية فقط، وأنه لأيام طويلة ظل ستة مدونين من ألف رهن الاعتقال. المقابلات الصحافية مع منال، ومع ساندمنكي، ومعي نتيجة لعمل شبكة من المدونين في العالم. الحملة بدأت عضويا بتدوينات من مصر، ولافتات، وبعد أن التقطت أصوات عالمية عالخط الخبر، بدأت تظهر جهود من أماكن أخرى من العالم: لافتات من مصطفى في لبنان، وعريضة لمسئولين مصريين وأمريكيين من همسة في كامبردج، وصفحة عن علاء على وكيبيديا من بيتر إس في فلوريدا، وقنبلة جوجل من هيثم صباح، وفلاش من سامي بن غربية التونسي اللاجئ في هولندا وفي مجمع منال وعلاء، وفيديو من أندي كارفن، ووسم على يجمع كل التدوينات وصفحات وب التي نقابلها عن الموضوع على ديلشوس بدأتها أنا، وساعد على وسم الصفحات سقراطة، ودرش، ومصطفى، وهيثم، وشهدي نجيب سرور--أول سجين إنترنت في مصر--، وآخرين لا أعرفهم، بالإضافة إلى وسم آخر على تكنوراتي، وخريطة بأماكن المتضامنين مع علاء على فرابر أعدها جون جارفنكل. جمع كل هذا في مدونة واحدة، وأضيف لها طبعا تدوينة علاء من السجن. قنبلة جوجل تعتمد على أن تربط العديد من الصفحات على وب إلى مدونة الحرية لعلاء في كل مرة تذكر فيها كلمة Egypt، وبالتالي تظهر المدونة في أعلى نتائج البحث عن كلمة Egypt في محرك بحث كجوجل، مما يزيد من تعريف الناس بما يجري في Egypt، وأن Egypt فيها سجناء لأنهم يعبرون بشكل سلمي عن رغبتهم في قضاء مستقل. نتيجة للحملة، غطت الصحافة والإذاعات والقنوات الأجنبية--وهي ملاذنا الأخير في ظل تعسف الأنظمة العربية ودعم الحكومات الغربية لها، كما يقول أحمد سيف الإسلام المحامي--اعتقال علاء بشكل لا بأس به: بي.بي.سي، وسي.إن.إن، وواشنطن بوست، وإم.إس.إن.بي.سي، والجارديان، وكرستيان ساينس مونيتور، وبي.بي.إس، ودير شبيجل، ودويتشة فيلله، وغيرها، ناهيك عن ردود فعل من منظمات كهيومان رايتس ووتش. بعد حملة كهذه، قررت أصوات عالمية عالخط أن تقوم بدور أكبر في الدعوة للمساعدة في تحرير المدونين المعتقلين من مختلف أنحاء العالم. حاولت أن أبدأ شيئا بمثل هذا الحجم لوائل خليل، فوائل أيضا مرتبط بشبكة كبيرة من الناشطين في العالم بسبب انتمائه الاشتراكي، وبسبب عمله في مناهضة العولمة. أصدر تحالف حق العودة للفلسطينيين بيانا يطالب فيه بإطلاق سراح وائل خليل، إلا أن هذا كل شيء. للأسف لم أجد مدونا واحدا متحمسا وقادرا على العمل معي على بدء حملة مماثلة كساندمنكي، الذي ساعد أكثر من أي شخص آخر على إطلاق حملة كهذه. إن كان لا بد من أن يصبح منا معتقلين، فعلى الأقل لنستفيد من وجودهم في المعتقل طالما استمر. يفترض بكيان ككفاية أن يصبح مركز نشاط كهذا، فهي باعتبارها حركة ذات صيت إعلامي كبير، تستطيع إبراز القضايا أكثر من باقي الكيانات. حاولت في الأسابيع التي سبقت اعتقال مالك أن أكون أكثر إيجابية. بدأت من افتراض أن كفاية كيان مفتوح، أو على الأقل ينبغي عليها أن تكون كذلك: كيانا يمكن للجميع أن يدخله ويؤثر في تشكيله، ولا زلت أظن أن هذا أمر مطلوب، فمن غير المفيد أن تظل الحركة بلا تنظيم كما هو جار الآن، بالرغم من نجاحها في اختيار اسم قوي والترويج له. من غير المفيد أيضا أن تظل الحركة تسحب إلى الفعل من تنظيمات أخرى وأفراد. افترضت أن عملي على مساعدة كفاية على تطوير موقع لهم يقوم بدور آخر بالإضافة إلى استعراض الصحافة--وهو دور مطلوب وبه مساحة للنمو. لكفاية العديد من المتعاطفين والراغبين في لعب دور، إلا أن الشكل الحالي لسير الأمور لا يسمح لهؤلاء بالمساهمة في تشكيل الحركة. إن تحويل أعضاء كفاية من مستهلكين للمحتوى على الموقع إلى منتجين له يسمح بأصوات أكثر، مما يقلل من مركزية الحركة، ويعطيها حيوية أكبر كحيوية المدونات التي شاركت بشكل جيد في حراك العام الماضي. بإمكان كفاية أن تختار تبني الصحافة الشعبية، حيث نكتب كلنا أخبارنا لأنفسنا، ونصور عن الفساد من حولنا نحن المواطنين. بإمكاننا أن نكتب أدلة عملية للتصرف في حالات الطوارئ، كالاعتقال مثلا؛ أو لتنظيم الفعاليات--كما حدث على المدونات في اعتصام التضامن مع القضاة في ميدان التحرير--، أو حتى لتصميم الملصقات. بإمكاننا إنشاء ملفات عن قضايا أو أفراد بعينهم ممكن يسيئوا استغلال سلطاتهم. بإمكاننا أن نعرف عشرين ألف زائر للموقع في اليوم بحقوقهم وكيفية العمل على إحرازها، وأن نجذبهم لذلك بخطاب أكثر جاذبية، وبتقديم كل هذا وأكثر وسط إعلانات للوظائف، وأين تذهب هذا المساء، بل ورنات موبايل ولوجوهات إن لزم. الأمر طبعا يتطلب التفكير في بعض الأمور، كالعضوية وتنظيمها، والعمل ومركزيته، والاستعداد لتجريب أساليب مختلفة. الحركة بركة. التنين البمبي بيمسي على أمن الدولة

نحن معك يا مالك

"حسني مبارك خرجني من المدرسة وخلاني أشتغل"

أماني: مع علاءأماني: مع علاء
"حسني مبارك حرامي. بنت جارتنا بتروح الحضانة بتقول لي إنه بييجي يسرق البيت كل يوم."
--أماني. حوالي 5 سنوات. تسكن في حلوان، وتعمل بائعة مناديل ورقية في ميدان التحرير. حاول واحد من ناشطي كفاية في الشرقية أن يبعد النشالين أمثال أماني وسيد حصالة بعيدا عن المعتصمين في الميدان، ثم ابتسم باستخفاف عندما منعته وقدم إلي شيئا لآكله. لم أقبل، وقدمت له بدوري شيئا من البسكوت الذي أعطانيه حصالة.

رجع الصدى

شيرين الأنصاريشيرين الأنصاري معتز نصر: في جنينة عامرية، وادي زواتين، كاتريةمعتز نصر: في جنينة عامرية، وادي زواتين، كاترية في العام 1968، كتب عبد الرحمن الشرقاوي رواية الأرض عن مقاومة المصريين للاحتلال البريطاني وقت الكساد العظيم، لا سيما في العام 1933. الفارق بين الرواية والأحداث خمس وثلاثون سنة، حول يوسف شاهين بعدها الرواية لفلم. بعد خمس وثلاثين عاما أخرى، أي في 2003، رأى فنان التجهيز في الفراع معتز نصر أن الحال لم يبارح من ساعتها: "كلام! كله كلام في كلام في كلام!" بقدرتها على حكي القصص، تدخل شيرين الأنصاري مقهى من مقاه وسط القاهرة: مرتدية السواد أسفل شعر أسود كثيف، ثم تخاطب رواد المقهى كما خاطب أبو سويلم أهل القرية، محافظة في أدائها على نفس سرعة وإيقاع وفواصل أداء محمود المليجي وهو يخبر الجميع في الفلم أن ما جرى لنا سببه "أننا كنا رجالة، ووقفنا وقفة رجالة". وأثناء ذلك، يسجل معتز الذي يجلس في ناحية من المقهى رجع صدى شيرين عن المصريين، صوتا وصورة. عرض معتز بعدها المشهدين، من الفلم ومن المقهى، بشكل متزامن في عمل ناجح اسمه الصدى: "كلام! كله كلام في كلام في كلام!" معتز من أكثر الفنانين الذين أعرفهم تركيزا على الفكرة. تختار شيرين دائما في حكيها شخصا من الجمهور لتتعاطف معه. تصادف أنني كنت ذلك الشخص في أول مرة أراها. فوجئت بها تلومني على فقداني لحبيبتي لأنني كنت نائما، بل إنني فقدتها بعدها مرة أخرى: "دا اسمه كلام يا علي!". لم تتذكر شيرين تلك المرة الأولى عندما اختارتني ثانية في مسرح الباربيكان، بعد أن تعارفنا. بعد عام ونصف أصرت فيها شيرين على إخفاء نفسها وعملها، تعود إلى مصر في الأيام القادمة. محمود المليجي، وشيرين الأنصاري، من الصدىمحمود المليجي، وشيرين الأنصاري، من الصدى

رنوة من لبنان إلى غزة

قابلت رنوة يحيى أول ما كان على الشاطئ في سيناء. لفت نظرها كتاب أقرأه يحكي سيرة "كمال جنبلاط: الرجل والأسطورة"، من منشورات دار النهار. شرحت لها كيف أنني مضروب بلبنان وتاريخه المعاصر، وأخذت أحكي عن هروبي إلى هناك لثلاثة أيام من أجل حفل لروجر ووترز (موسيقاه وبنك فلويد من أفضل ما أفقه فيه في هذه الدنيا)، ولكن أيضا لأسير في الشوف صعودا من الساحل وحتى دير القمر وبيت الدين، وعن لعبة ألعبها في كل مدينة جديدة: اشتريت خريطة لبيروت، وقدمت من صيدا إلى الكولة، ثم تهت عمدا كي أصل إلى المتحف الوطني عن طريق الحمراء: "من فضلك، كيف أصل إلى كورنيش بيير الجميل؟" "دعني أرى. أنا وصلت هنا البارحة، لكنك إذا سرت في هذا الشارع حتى ميدان العدلية، وانحرفت يسارا عنده، تجد كورنيش الجميل" "يسلموا" روجر ووترز: في بيروتروجر ووترز: في بيروت المتحف نفسه دفعني إلى أن أسميه "المتحف المصري في بيروت"، فمعظم المعروض إما مصري جاء بالتجارة، أو كنعاني متأثر بالمصرية. في مكتب صديق لي سألني المدير عن رأيي في لبنان، ودعا أن يسامحني الله عندما أجبت أنها جميلة، وجديدة. نصف بنايات بيروت إما جديدة بناها الحريري بالديون، وإما تعود لعقود، أو نصفها الذي بقي من الحرب بعد أن احتمل الصواريخ. شادي المرعشلي صديقي سني، ومديره ماروني، والآخرين في الفريق واحد شيعي والأخرى على مذهب الروم الأرثودوكس. يغتاظ حسين من المدير ويلوح بقبضة يده "راح نعلنها دولة إسلامية"، ليناوله ذاك بالكرسي الذي يجلس عليه، بينما تقنع الآنسة العميل على الهاتف أنه "بكس أختك الطرد في الطريق"، ويقتنع. المزاح طائفي، إلا أنني استطعت أن أرى الحرب دائرة بهدوء وأدب في كل مكان، كما رأيتها أمامي من نافذة المكتب التي تطل على أرض خراب كانت مسرحا للحرب في سن الفيل. شادي مرعشليشادي مرعشلي كمال جنبلاطكمال جنبلاط لبنانلبنان انتقل حديثي مع رنوة من جنبلاط إلى الدروز، فزياد رحباني، ثم شرحت لي أنها قد تكون لبنانية شيعية من الجنوب، إلا أنها لا تقدر أن تصف نفسها إلا بالعربية أساسا. هي صحافية تكتب بشكل قريب إلي. بينما لم أتمكن أنا من العبور، تحكي رنوة في مقال لها في صحيفة الحياة عن زيارتها الأخيرة إلى غزة. كنت أفكر بعد انسحاب الجيش من غزة أن الزيارة واجبة، والتجارة مع العريش أوجب ليختفي الشيقل. حدثني عن الأمن القومي المصري. ابدأي مدونة يا رنوة، وانشري فيها ما لا تأخذه الصحف.

أبو خليل لطفي

شارع شبرا رقم 2: لأبو خليل لطفيشارع شبرا رقم 2: لأبو خليل لطفي أذكره في الثمانينيات في الكويت كأكبر عجوز من أصدقاء أبي، وفي التسعينيات في مصر، وقد صار أصغر مما كان. ولد في حي القلعة عام 1920، أي أنه أصغر من جدي الذي كان صديقه أيضا. أما لوحته شارع شبرا رقم 2، التي لم أعرف أنها له إلا بعد سنين، فقد نظرت إليها مرات كثيرة أوقات العصر، حين ينام الجميع. كنت أتسلق طاولة الطعام السوداء ضعيفة الأرجل، وأتحسس ضربات فرشاته، ثم أحاول تقليدها لاحقا في كراساتي، بلا جدوى. اليوم أنشأت له صفحة على ويكيبيديا العربية.

بنت كفاية

يؤذن للمغرب ونحن ثلاثة نعبر الحاجز إلى المظاهرة. الوجوه عشرات منها أصبح مألوفا، والكثير منها ربطتها بأسماء عرفتها من قبل. أجلس على ركبتاي لأتحدث مع صبية في التاسعة أو العاشرة وجدت نفسها تبيع المناديل في مكان المظاهرة، وانتهت تحمل الشموع وملصقات كفاية، وتصغي في دهشة إلى جموع المغنين. أعطيتها شمعة من معي، فابتسمت. وبعد دقائق وجدتها وقد أغرتها إحداهن أن تبيعها الشمعة التي تبدو أنها تقاوم الرياح. تحمل شمعة أكبر غير مشتعلة. أجلس على ركبتاي ثانية لأشعل الشمعة. تنظر إلي الصبية وكأنني من غير البلد: "انتوا تعرفوا الكبريت؟" يا حلوة، كل الناس يعرفون الكبريت. نخرج من المظاهرة مع أذان العشاء. بنت كفاية: شكرا جوش ستاشر على الصورةبنت كفاية: شكرا جوش ستاشر على الصورة

الحراك الاجتماعي

أحمد أمينأحمد أمين جلال أمينجلال أمين تامر أمينتامر أمين يرتكز جلال أمين في تقديم تفسير عن ماذا حدث للمصرين على فكرة الحراك الاجتماعي كطريقة--هو لا يحب كلمات مصطنعة كـ"آلية"--للربط بين ظواهر يشهدها المجتمع المصري منذ أن بدأ تحديثه: اختلال الهيكل الإنتاجي (كثير منا كالحلاقين يقصون شعور بعض ولا إنتاج)، واختلال ميزان المدفوعات (دخلنا ريعي يعتمد على النفط، وتحويلات المغتربين، وعوائد قناة السويس، ناهيك عن المعونات الأجنبية. نستورد الكثير من الغذاء)، واختلال توزيع الدخل، وانخفاض معدل الادخار فالاستثمار، واختلال أنماط الاستهلاك والاستثمار، والفساد، وتدهور الحياة في المدن والقرى، وضعف الانتماء واللغة القومية؛ وبين أسباب يراها معظمنا كالانفتاح، والهجرة النفطية. فالعلاقة غير مباشرة بين الأعراض وبين هذه الأسباب. يشهد المجتمع المصري حراكا اجتماعيا سريعا في الاتجاهين، فيهبط البعض السلم الاجتماعي، ويصعد الكثير. سبب هذا الحراك هو عملية التحديث التي يخضع لها مجتمعنا منذ عقود، والتي بدأت قبل 1952 بالتعليم، الذي هو أهم عوامل الحراك الاجتماعي، والذي استمر في الخمسينيات والستينيات مضافا إليه الإصلاح الزراعي، والتأميم، والحراسة، والتوسع في الدراسة الجامعية، والتنمية الزراعية والصناعية، ونمو المؤسسة العسكرية، ونمو البيروقراطية. استمرت هذه العوامل في السبعينيات والثمانينات، وأضيف إليها العمل الأجنبي (برموز التميز الاجتماعي المختلفة التي يوفرها)، والهجرة النفطية، وارتفاع معدل التضخم. يوفر تفسير جلال أمين مساحة للتفاؤل، فهو بنظرته الأعرض زمنيا يرى حركة بينما يكتفي آخرون بالحديث عن طباع راسخة في المصريين كالسلبية والتبعية (وكأنهم نوع مختلف عن باقي البشر)، أو يشرحون كيف أن المصريين لم يعودوا رجال ونساء الأمس. يرى جلال أمين أن الحراك سببه وجود مساحة للتحديث، وأن التسارع في الحراك لا بد أن يعقبه تباطؤ ثم استقرار قبل موجة أخرى من الحركة. يمر المصريون في مراحل مختلفة من هذه العملية. أكثرهم حداثة يصبح الأقدر على رؤية سلبيات النمط الغربي، بل واقتراح بدائل له (تختلف عن بدائل الاسترجاعيين القوميين أو الدينيين). يبدو معظمنا اليوم في حالة حيرة (ومعهم حق) بين نمط حياة تقليدي لم يعد ممكنا الحفاظ عليه، وحداثة مستوردة لا تلائمنا في كثير منها. جلست الصيف الماضي في مطعم فرنسي في ميدان لستر وسط لندن لأجيب على سؤال ابن جلال أمين عن نوع النبيذ الذي أعتقد أن باقي من على الطاولة يفضلونه. هو حفيد أحمد أمين، وأنا حفيد جدي الذي اعتاد الناس التبرك به صبيا راكبا الفرس معتمرا عمامة خضراء في مولد سيدنا محمد.

فتحي سلامة

فتحي سلامة: صورة مسروقة من موقعهفتحي سلامة: صورة مسروقة من موقعه تفتقر الموسيقى العربية عموما--والمصرية خصوصا--إلى العمق. وهذه هي النقطة التي يتميز فيها فتحي سلامة، فهو يرتل موسيقاه طبقة فوق طبقة: من إيقاعات عدة والباص الغليظ الذي نفتقر إليه بشدة--والذي بدونه تتسطح موسقيانا--وصولا إلى تناغم بين الأصوات الواضحة وغير الواضحة لآلات العزف المنفرد في المقدمة، وهي عندنا فعلا بلا قاعدة تستند إليها. تابعت بعد انتصاف ليلة اليوم، جالسا على أرضية خشبية لغرفة عارية من الأثاث جوائز جرامي، التي حصل فيها ألبوم السنجالي يَسّو نْدُور "مصر" على جائزة أفضل ألبوم موسيقي من أفريقيا. شاركني فتحي سلامة الجلوس على خشب الغرفة، وانتظر معي وأصدقاء آخرين تآليفه التي غنى عليها يسو وهي تفوز بأكبر جائزة موسيقية. يغني يسو بلغة الولوف المنتشرين على ساحل غرب أفريقيا عن الإسلام وصوفية السنجال.

مساء الخير يا أستاذ نجيب

حسبت الأيام بعد قرائتي لما نشره حمكشة في مدونته، فوجدت أن سنينا خمسة قد مرت منذ أن رأيت نجيب محفوظ. اعتدت انتظار مقدمه إلى فندق شبرد الأحد من كل أسبوع في السابعة والنصف مساء. يهبط الدرجتين واحدة تلو الأخرى، متأبطا ذراع الدكتور زكي سالم، فيسلم على دستة الحضور في ندوته الصغيرة، ثم يلتفت إلى داينا--الأمريكية الصغيرة كالطفلة، النحيفة ذات الحلقان الثمانية، والشعر القصير جدا، والتي تتحدث العربية بلكنة--وإليَّ--أنا الحدث المصري النحيف أيضا، ذو الحقيبة والشعر الطويل المجدول، والذي يسمع الناس عربيته كأنها بلكنة. تمد داينا يدها مصافحة؛ مبتسمة؛ خجلة لدرجة الاحمرار، وتتمتم. ثم يجيء دوري: "مساء الخير يا أستاذ نجيب". يرد بحرارة طبيعية: "أهلا وسهلا"، ثم يلتفت إلى زكي سالم ويسأله بصوته الأجش، وهو لا يزال ممسكا يدي: "مين ده؟" يصرخ زكي في أذن الأستاذ اليسرى، وهي الوحيدة التي تعمل: "ده عمرو غربية يا نجيب بك." "آه. أهلا وسهلا." كل أسبوع. ثم يجلس في مكانه، والجميع أمامه عبر الطاولة، أو على يساره، إلا نحن الاثنين طبعا، في الناحية الصماء على يمينه مباشرة. لا تطيق عينا الأستاذ المصابيح الكهربية، فنجلس في ضوء الشموع، أو في الظلام إلا قليلا. وبسبب ضعف بصره وسمعه، فهو يحضر إلى الندوة ليعرف من أصدقائه ما يجري في الدنيا، فتكون النتيجة أن يتبارون هم على المقعد بجانب الأذن اليسرى: الزائر لإسرائيل المفصول علي سالم، والروائي نعيم صبري، والأهرامجي المخفي رضا هلال، والوفدي التائب المهندس محمد الكفراوي، وآخر يتميز غيظا من تقريظ الجميع لكتاباته وله شخصيا، والطبيبة النفسية سعاد، ومدرس العربية الشاب أحمد سعيد الذي يكبرني بعشر سنين أنا الطالب وقتها. بسبب يده التي أعاد تدريبها على الكتابة بعد الطعنة كما فعل طفلا منذ ما يزيد على الثمانين عاما، تخرج كتابات محفوظ الأخيرة مركزة إلى أكبر حد. وبسبب العزلة التي تفرضها عليه الحواس، فإنه يستقي مادتها من الأحلام. إن ما لم أقرأه لمحفوظ أكثر بكثير مما قرأت، فأنا عادة لا أفهم الأدب. ولكني عرفت الأستاذ على مر عام كامل منحازا دائما إلى الفقراء؛ قويا جدا في قناعاته؛ مبتسما في أدب ليخبرك أنه يفهم ما تقول، وإن كان لا يوافقك لأنه يعرف أكثر.
Syndicate content