تداعيات
أَوَتَدْرُونَ كَيْفَ صَارَتِ الرُّوحُ الْعُلْيَا مُقَدَّسَةً؟
إِنَّ عَلِيًّا قَدْ غَابَ عَنَّا عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ، وَ حُسَيْنُ فِي صَحْرَاءِهِ الْقُفْرِ تَرَكَنَا بِلَا مَوْرِدٍ. تَرَكَنَا يَسُوعُ بِجَسَدِهِ فَخَلَقْنَا لَهُ: الْقَمْحَ جَسَدَا يُهْدِيهِ لَنَا فِي عِيدِهِ تَمُّوزُ، وَ الشَّمْسَ مُرُورَهَا عَلَيْنَا عَيْنَهُ حُرٌّ، وَ الْقَمَرَ لَمْ يَعُدْ رَسْمُهُ إِلَّا ثَغْرَ سِينٍ. وَجْهَهُ فِي الْبُرُوجِ نُدْرِكُ حِينًا مِنْهُ الثُّرَيَّا تَاجَ الْجَبِينِ؛ الْبَرِقَ إِنْ غَضِبَ يَلْسَعُنَا سَوْطُهُ، وَ الرَّعْدَ عَلَيْنَا مُسَلِّمًا صَوْتُهُ.
عَلَيْكَ السَّلامُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
رجع الصدى
في العام 1968، كتب عبد الرحمن الشرقاوي رواية الأرض عن مقاومة المصريين للاحتلال البريطاني وقت الكساد العظيم، لا سيما في العام 1933. الفارق بين الرواية والأحداث خمس وثلاثون سنة، حول يوسف شاهين بعدها الرواية لفلم. بعد خمس وثلاثين عاما أخرى، أي في 2003، رأى فنان التجهيز في الفراع معتز نصر أن الحال لم يبارح من ساعتها: "كلام! كله كلام في كلام في كلام!"


بقدرتها على حكي القصص، تدخل شيرين الأنصاري مقهى من مقاه وسط القاهرة: مرتدية السواد أسفل شعر أسود كثيف، ثم تخاطب رواد المقهى كما خاطب أبو سويلم أهل القرية، محافظة في أدائها على نفس سرعة وإيقاع وفواصل أداء محمود المليجي وهو يخبر الجميع في الفلم أن ما جرى لنا سببه "أننا كنا رجالة، ووقفنا وقفة رجالة". وأثناء ذلك، يسجل معتز الذي يجلس في ناحية من المقهى رجع صدى شيرين عن المصريين، صوتا وصورة. عرض معتز بعدها المشهدين، من الفلم ومن المقهى، بشكل متزامن في عمل ناجح اسمه الصدى: "كلام! كله كلام في كلام في كلام!" معتز من أكثر الفنانين الذين أعرفهم تركيزا على الفكرة.
عشبة يوحنا المعمدان هيبريكم برفوراتم
يعتقد أن كثيرا من مشاهير الناس تأثروا باضطراب ثنائية القطبية، وذلك بناء على أدلة في كثير من كتاباتهم وشهادات من عاصروهم وعرفوهم. يظهر اضطراب ثنائية القطبية بأعداد غير متناسبة في أصحاب المواهب الخلاقة كالفنانين، والموسيقيين، والكتاب، والشعراء، والعلماء، ومن المعتقد أن الآليات التي تسببه قد تكون ذات علاقة بتلك المسئولة عن إبداع هؤلاء الأشخاص. (كثير من أصحاب المواهب الخلاقة تاريخيا، والذين يوصفون بثنائيي القطبية، "شخصوا" لاحقا بعد وفاتهم. لذا، فإن التشخيصات لا يمكن التحقق منها. إلا أن الحالات المشخصة في العقود الأخيرة يبدو فيها نوع من العلاقة بين ثنائية القطبية والإبداع). التفسير المحتمل لذلك هو أن مراحل المس المعتدل من المرض تسمح بتركيز ونشاط عاليين، بينما تسمح مراحل المس بالعمل المتصل ليلا نهارا بلا حاجة كبيرة للنوم.
آكلو البطاطا
خطاب من فنست فانجوخ إلى ثيو فانجوخ
عزيزي ثيو
أحر وأطيب أمنياتي لك بالصحة وراحة البال في يوم ميلادك. كنت وددت لو أرسلك إليك لوحة آكلي البطاطا في هذا اليوم. لكن على الرغم من أن العمل فيها يسير بشكل جيد، فإنه لم ينتهي تماما إلى الآن.
مع أن اللوحة الحقيقية سيتم إنجازها في وقت قصير بالمقارنة بغيرها، وفي الأغلب عملا من الذاكرة، إلا أن دراسات رسم الرئوس والأيدي أخذت شتاء بأكمله.
أما عن الأيام القليلة التي رسمت اللوحة فيها - فقد كانت معركة ضارية. لكني خضتها ممتلئا بحماس عظيم، وعلى الرغم من خوفي في بعض الأوقات أن اللوحة لن تكتمل أبدا. الرسم هو أيضا عملية خلق.
عندما ينسج النساجون ذلك الثوب الذي أعتقد أنهم يدعونه تشيفيوت، أو أقمشة التارتان الاسكتلندية عديدة الألوان المثيرة للاهتمام، فإنهم يحاولون، كما تعلم، أن يضعوا ألوانا غريبة مكسورة ورماديات على التشفيوت - وأكثر الألوان حيوية لتوازن بعضها البعض في القماش المخطط عديد الألوان - لذا، فبدلا من أن يكون القماش خليطا بغير انتظام، فإن التأثير الكلي للنقش يبدو متجانسا من البعد.
حاذر الفجوة
استيقظت مبكرا، وأعددت القهوة، وفتحت التلفاز، وبدأت في الترتيب لرحلة قريبة إلى إنجلترا وويلز. رفعت عيناي لأرى مشهدا من محطة كنجزكروس/القديس بانكراس وسط لندن. في 25 يونيو 2004، ركبت القطار من نيوكاسل في الشمال، متجها إلى كنجزكروس. لم أكن أعرف في أي ساعة يمكنني مغادرة المدينة، لذا لم أستطع حجز مكان في القطار مسبقا لأستفيد من خصم الحجز المبكر، خصوصا وأن الفندق الصغير الذي أسكن فيه لا يوفر إلا وصولا لاسلكيا إلى إنترنت لم أكن أملكه. نظرت عاملة الفندق وأصغت إلي محاولا إفهامها أنه كي أتصل بإنترنت، لا بد من سلك هاتف، ورقم هاتف، وأشياء أخرى. سكتت لبرهة ثم أجابت، "ولكن سيدي، كل هذا ليس ضروريا"، ثم لوحت بيدها في الهواء، "إنها--أي إنترنت--موجودة بالفعل!".
توجهت إلى محطة القطار. راجعت جدول القطارات. أقرب قطار إلى لندن يتحرك خلال عشر دقائق. عثرت على آلة بيع التذاكر. قدمت لها بطاقة الائتمان. اخترت وجهتي. أرخص قطار إلى لندن هو الذي يقف أمامي. حسن، أرخص تذكرة إذن لو سمحت. أنظر للحظة لأول يهودي حريدي أراه في حياتي، وأبتسم، ثم أعود بعيناي إلى شاشة الآلة: أخصم من بطاقتك الآن خمس وثمانين إسترلينيا وسبعين بنسا. من جانبي تمر امرأتان وأنا أركل وألكم الآلة محاولا استعادة بطاقتي قبل تمام العملية، بلا جدوى.
جيل إم.إس.إكس
أثارت تدوينة لألف نقاشا على غرفة دردشة إيجيلج، مجموعة مستخدمي لينكس في مصر، وهم طليعة من يعربون البرامج. انتقل النقاش من خيار الكتابة بلغات غير عربية في مدونة عربية، إلى استخدام أبجدية لاتينية في الكتابة بالعربية لأن هذا هو المعيار السائد لأنه معيار سائد على إنترنت، إلى تبرير ظهور استخدام حروف غير عربية بأن كل التقنيات لم تسمح وقتها (وهي تسمح اليوم، بفضل المتطوعين)، إلى أنه لا مانع: فأصحاب لغات أخرى يستخدمون أساليب تصويت باللاتينية، فما المانع مع العربية؟ ثم بدأ وصف مشجعي استخدام العربية بالفاشية، فهم خائفون ومهددون في ثقافتهم، وأن الناس في النهاية أحرار. وهم فعلا كذلك. عليهم فقط أن يقدموا دفاعا أن كتابة العربية بأبجدية بديلة هو الأفضل. إلا أن ما حدث بالزعم أن العربية (وليس المتحدثين بها) أقل إنتاجية مقارنة بالإنجليزية أو حتى العبرية، وبما أن العربية لا تفي بكل الاحتياجات التقنية كالانجليزية، فمن المبرر استخدام أبجدية الأخيرة في كتابة الأولى. انتهى النقاش بأنني حالم، وأن الأفضل لي أن أعود إلى تعريب البرامج.
انتهى النقاش، ووجدتني أأسف على كم المحتوى العربي المكتوب باللاتينية في المنتديات وغيرها، والذي لا يصل إليه الباحثون لأنهم لا يعرفون معيارا لهذا المعيار، وعلى العدد المتناقص للغات التي تستخدم الأبجدية العربية. ثم تذكرت صخر.
أن ترى الجمال
ضفة نيل الجيزة لا تزال تتحمل المشي، بشرط أن تتعلم أن ترى الجمال.
اتجه جنوبا. تبدأ المتعة بعيد مرورك على بيت السادات (لك الخيار أن تقرأ الفاتحة على روح ابن آدم). يليه متحف محمد محمود خليل وحرمه. النخلات لا تزلن باسقات. لا تلق بالا للضباط والعسكر حين يظهرون، فسفارة إسرائيل عارض اليوم. لاحظ أمامها منادي السيارات صاحب الطرطور والصفارة والضحك الذكي.
انظر يمينك كل حين وابتسم. لاحظ مكان شروق القمر هذا الوقت من العام. نظم أنفاسك مع خطواتك: نفس، 2، 3، 4. اكتم، 2، 3، 4. سيب، 2، 3، 4. اكتم. 2، 3، 4. هل تقدر أن تعد إلى ثمانية؟ إلى ستة عشر؟
تبتسم لك بائعة الزهور العجوز ابتسامة رائعة، إلا في الأيام التي تختبئ فيها لتدخن، أو تطارد إحدى الصبايا اللاتي يردن منافستها في منطقة رزقها. ابتسمت لي آخر مرة وحاولت أن تبيعني وردة حمراء. هي تعرف أنني لا أفضل الورود الحمراء، وأني أفضل كل الورود على الشجر.
المطاعم العائمة تزداد تنوعا. جراند كافيه فسحة، وسور جراند كافيه كذلك. حافلة أو اثنتان وسياح من اليابان في المطعم الذي يليه. عرس أو خطبة كل يوم.
نهاية المشية عند كوبري عباس. اقرأ الفاتحة على روح طلاب المظاهرة.
أوصيك يا ابني بالقمر والزهور
أوصيك بليل القاهرة المسحور
لا تتركوني وحيدا في السوق
أعتقد أن أقسى شيء على الطفل هو أن تصيح فيه وتتركه يبكي. أنا، وإن كنت لا أوافق على الصياح—في الأطفال أو غيرهم—، أدرك أنه قد يكون أحيانا أكثر الوسائل فعالية. كل ما أرجوه من الكبار هو أن يحملوا أطفالهم ويربتوا عليهم بعد ذلك، فتركهم وحدهم هو أكثر بكثير من قدرتهم على الاحتمال.
نحن نرى أن الأطفال عنيدون، وهو شيء غير مرغوب فيه. أتذكر أنني عندما كنت أعاند أهلي برغبتي في دخول دكان الألعاب عندما نكون في السوق—لا تظني أنهم كانوا قاسين، فقد كنت أذهب هناك مرتان أو ثلاثا كل أسبوع. هم كانوا فقط يرفضون أن نمكث ساعات هناك—كان أهلي يقولون لي: "نحن لا نريد أن ندخل. ابق أنت إن أردت!"، ويرحلون. طبعا كلنا نعلم كم قاسية هي الوحدة. ولذلك فإني كنت أمكث قليلا، وأطرق نحو الأرض وأفكر، ثم أركض ورائهم وأمسك بتلك اليد المتدلية من أعلى، حتى لو لم تكن يد أمي أو أبي.
الحراك الاجتماعي
يرتكز جلال أمين في تقديم تفسير عن ماذا حدث للمصرين على فكرة الحراك الاجتماعي كطريقة--هو لا يحب كلمات مصطنعة كـ"آلية"--للربط بين ظواهر يشهدها المجتمع المصري منذ أن بدأ تحديثه: اختلال الهيكل الإنتاجي (كثير منا كالحلاقين يقصون شعور بعض ولا إنتاج)، واختلال ميزان المدفوعات (دخلنا ريعي يعتمد على النفط، وتحويلات المغتربين، وعوائد قناة السويس، ناهيك عن المعونات الأجنبية. نستورد الكثير من الغذاء)، واختلال توزيع الدخل، وانخفاض معدل الادخار فالاستثمار، واختلال أنماط الاستهلاك والاستثمار، والفساد، وتدهور الحياة في المدن والقرى، وضعف الانتماء واللغة القومية؛ وبين أسباب يراها معظمنا كالانفتاح، والهجرة النفطية. فالعلاقة غير مباشرة بين الأعراض وبين هذه الأسباب.
يشهد المجتمع المصري حراكا اجتماعيا سريعا في الاتجاهين، فيهبط البعض السلم الاجتماعي، ويصعد الكثير. سبب هذا الحراك هو عملية التحديث التي يخضع لها مجتمعنا منذ عقود، والتي بدأت قبل 1952 بالتعليم، الذي هو أهم عوامل الحراك الاجتماعي، والذي استمر في الخمسينيات والستينيات مضافا إليه الإصلاح الزراعي، والتأميم، والحراسة، والتوسع في الدراسة الجامعية، والتنمية الزراعية والصناعية، ونمو المؤسسة العسكرية، ونمو البيروقراطية. استمرت هذه العوامل في السبعينيات والثمانينات، وأضيف إليها العمل الأجنبي (برموز التميز الاجتماعي المختلفة التي يوفرها)، والهجرة النفطية، وارتفاع معدل التضخم.
يا غبي! أين كنت حين تم توزيع العقول؟
لاحظت أثناء عملي اليوم أن الجمل العربية عادة ما تكون أقصر كثيرا من الإنجليزية، على عكس شكوى العرب من لسانهم. ثم وجدتني أحاول أن أشرح قواعد لغة أنا غير ملم بها.
تصفحت بعدها منهكا أحدث التحريرات في ويكيبيديا العربية، ووجدت مقالين (مفروض أنهما بذرتان لمدخلات موسوعية). الأول عن "سنفور"، الذي هو، طبقا للموسوعة، "كائن حي خيالي، صغير الحجم، أزرق اللون، ويعيش في الغابة". تذكرت سنفور ذكي وهو يصرخ في سنفور غبي: أين كنت حين تم توزيع العقول!
المقال الثاني عنوانه "تعريف"، ونصه: التعريف قد يكون بيان الملكيات الضرورية ، أَو بيان المكافئة بين التعبيرِ ومعنى ذلك التعبيرِ . حيث لايكون بين الاثنان اي تعارض.
تذكرت عندها ليلة جلست فيها لأسمع مقاطع من كتاب العروض للأخفش: "ومن قال إن الشعر ما أريد به الشعر فجاء على هذا البناء فليس بشعر؛ قلت فغير الشعر لم يُرَد به غير الشعر فليس هو غير الشعر، لأنه لم يرد به غير الشعر، وليس هو شعرا لأنه لم يُرَد به شعر. فما هو؟"
عد اللانهاية
طالعت اليوم صورتي، ثم الخرزات، وتذكرت ما كتبته منذ زمن بعيد عما حدث من أبعد:
أثار فضولي معرفة أن الأعداد لا نهائية. كيف يمكن لأي أحد أن يتأكد من أنه لا يوجد عدد نهائي؟ كنت وقتها فرغت من الصف الأول، وكان زملائي ذوي السنين الستة يعدون حتى العشرة، بينما لم أكن أجد صعوبة في الوصول للمائة، بل حتى تخطيها. إذا كان أحدهم يستطيع القيام بالمهمة فلا بد أنه أنا.
وهكذا ببساطة، أمضيت شطرا كبيرا من العطلة في العد: من الواحد وحتى الوصول إلى نتيجة، عدة ساعات كل يوم. كنت، مسلحا بمفهوم المراتب العددية ومهارتي في وضع العدد المنطوق على الورق، أدون العدد الذي أصل إليه قبل نومي حتى لا أبدأ من البداية كل صباح. وزاد من صعوبة المهمة أن الورقة كانت تختفي أحيانا، وخاصة عندما يكون العدد عليها كبيرا. عندها كان ينبغي إعادة الكرة.
لاحظ أبي بعد فترة إخلاصي الشديد للعملية، ووجدته يوما عائدا من العمل حاملا شيئا فيه عدد من العصيان الخشبية بداخل كل منها تسع خرزات ملونة. شرح لي كيف أن هذا الشيء الذي دعاه "معدادا" يمكن أن يساعدني في الإسراع بعملية العد. كنت وقتها في مرتبة عشرات الألوف، مما جعل نطق الأعداد عملا مضنيا. وهكذا، أصبح من الممكن أن أعد 65,924 في أقل من ثانية، بالإضافة إلى أن العثور على المعداد كل صباح أضمن من العثور على الورقة. كل ما علي هو أن أضعه في مكان آمن وهادئ حتى لا يعبث به أحد.
أصبحت المهمة أسهل كثيرا لدرجة أن الإمكانيات الجديدة أغرتني بالتخلي عن نطق العدد والاكتفاء بتحريك شفتاي مع كل خرزة. بل إن حتى التمتمة تضيع الوقت. أنهيت المراتب الستة للمعداد في غضون أسبوع خجلا من السهولة التي أصبحت الأمور تتم بها، حتى ظننت أنني محتال. بدا لي وقتها أن العدد تسعمائة وتسعة وتسعين ألفا وتسعمائة وتسعة وتسعين ضخم إلى أبعد حد.
كنت أعرف أن هناك المليون، ولكني توقفت عن متابعة العد بنفس البساطة التي بها بدأت.
مساء الخير يا أستاذ نجيب
حسبت الأيام بعد قرائتي لما نشره حمكشة في مدونته، فوجدت أن سنينا خمسة قد مرت منذ أن رأيت نجيب محفوظ.
اعتدت انتظار مقدمه إلى فندق شبرد الأحد من كل أسبوع في السابعة والنصف مساء. يهبط الدرجتين واحدة تلو الأخرى، متأبطا ذراع الدكتور زكي سالم، فيسلم على دستة الحضور في ندوته الصغيرة، ثم يلتفت إلى داينا--الأمريكية الصغيرة كالطفلة، النحيفة ذات الحلقان الثمانية، والشعر القصير جدا، والتي تتحدث العربية بلكنة--وإليَّ--أنا الحدث المصري النحيف أيضا، ذو الحقيبة والشعر الطويل المجدول، والذي يسمع الناس عربيته كأنها بلكنة.
تمد داينا يدها مصافحة؛ مبتسمة؛ خجلة لدرجة الاحمرار، وتتمتم. ثم يجيء دوري:
"مساء الخير يا أستاذ نجيب".
يرد بحرارة طبيعية: "أهلا وسهلا"، ثم يلتفت إلى زكي سالم ويسأله بصوته الأجش، وهو لا يزال ممسكا يدي: "مين ده؟"
يصرخ زكي في أذن الأستاذ اليسرى، وهي الوحيدة التي تعمل: "ده عمرو غربية يا نجيب بك."
"آه. أهلا وسهلا."
كل أسبوع.
ثم يجلس في مكانه، والجميع أمامه عبر الطاولة، أو على يساره، إلا نحن الاثنين طبعا، في الناحية الصماء على يمينه مباشرة.
لا تطيق عينا الأستاذ المصابيح الكهربية، فنجلس في ضوء الشموع، أو في الظلام إلا قليلا. وبسبب ضعف بصره وسمعه، فهو يحضر إلى الندوة ليعرف من أصدقائه ما يجري في الدنيا، فتكون النتيجة أن يتبارون هم على المقعد بجانب الأذن اليسرى: الزائر لإسرائيل المفصول علي سالم، والروائي نعيم صبري، والأهرامجي المخفي رضا هلال، والوفدي التائب المهندس محمد الكفراوي، وآخر يتميز غيظا من تقريظ الجميع لكتاباته وله شخصيا، والطبيبة النفسية سعاد، ومدرس العربية الشاب أحمد سعيد الذي يكبرني بعشر سنين أنا الطالب وقتها.
بسبب يده التي أعاد تدريبها على الكتابة بعد الطعنة كما فعل طفلا منذ ما يزيد على الثمانين عاما، تخرج كتابات محفوظ الأخيرة مركزة إلى أكبر حد. وبسبب العزلة التي تفرضها عليه الحواس، فإنه يستقي مادتها من الأحلام.
إن ما لم أقرأه لمحفوظ أكثر بكثير مما قرأت، فأنا عادة لا أفهم الأدب. ولكني عرفت الأستاذ على مر عام كامل منحازا دائما إلى الفقراء؛ قويا جدا في قناعاته؛ مبتسما في أدب ليخبرك أنه يفهم ما تقول، وإن كان لا يوافقك لأنه يعرف أكثر.
برقية
تلقيت اليوم برقية نصها: "للأسره خالص عزائي ومواساتي"، والإمضاء لمحمدحسني مبارك.
وضعت البرقية على طاولة جدتى المتوفاة، ثم فكرت في آخر مرشح للرئاسة: نوال السعداوي.
الخامس عشر من أكتوبر - يوم الشجرة
أتممت اليوم خمسا وعشرين حولا شمسيا كاملا. كنت في طفولتي أحلم أحيانا أنني سأموت في هذا العمر الذي بلغته، وهو الذي كان عمرا طويلا وقتها. انتظرت الحدث ليلة أمس مستلقيا في منامتي، مودعا كل جزء من جسدي، بينما رفيقتي تتحدث وتنظر إلي من وسط الظلام.
كنت أحيانا أخرى أحلم أنني سأعيش مثل موسى النبي: مائة وعشرين عاما، وهو ما يسميه الدروز عمرا كاملا، بدون أن يبيض شعري، أو تسقط أسناني، أو تضعف ذاكرتي، أو يخفت ذهني.
أكتب الآن من أرض موسى النبي، ساندا ظهري إلى حائط جنينة في وادي صقر بأعالي سيناء. وعجبا، أجد نفسي أفكر في زادنا من الماء الذي لم نأخده معنا. بلا ماء، وبكثير من الكحول.
اليوم أيضا غرة رمضان.
أبدأ الخمس والعشرين سنة القادمة عاريا من أي أسرار؛ وحيدا كعادتي. ولكنها هذه المرة كالجوع من بعد الطعام.

















أحدث التعليقات
منذ يومين 12 ساعة
منذ 4 أيام 9 ساعات
منذ 4 أيام 9 ساعات
منذ 5 أيام 14 ساعة
منذ 5 أيام 17 ساعة
منذ 6 أيام 10 ساعات
منذ أسبوع واحد يوم واحد
منذ أسبوع واحد 4 أيام
منذ أسبوعين 6 ساعات
منذ أسبوعين 6 أيام