حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

تحررية

بمناسبة اليوم العالمي لنشاط تغير المناخ 350

اليوم، 24 أكتوبر، يجتمع عشرات الألوف من النشطاء و المهتمين بمستقبل الإنسان و الكوكب و الاقتصاد من أجل الضغط على "قادة" العالم للعمل على مواجهة تغير المناخ. لن يفيد. أولا، لأن طلب القادة بأن لا تتجاوز نسبة انبعاثات غازات الدفيئة 350 جزءا في المليون، و هو سبب تسمية الحملة 350 لا علاقة له بإيقاف تغير المناخ. أوقات الثمانينيات حدث أن اتحد "قادة" العالم في سابقة نادرة لعلاج ثقب الأوزون، لكن الطلب وقتها كان منع استخدام غازات الفلوروكلوروكربون تماما. أي طلب أقل من إعادة ترتيب الاقتصاد كلية حول أساس غير حرق الكربون غير كاف، خصوصا أن تقارير اللجنة بين-الحكومية المعنية بتغير المناخ تشير إلى أن التقديرات السابقة كانت متفائلة. يبدو أن العملية تسير بأسرع مما هو متصور. ثانيا، الطلب من "القادة" أصلا غير مفيد. لأن تغيير النظام الاقتصادي كلية، و هو سبب تغير المناخ و باقي المشاكل البيئية، يتطلب تغيير بنية المجتمع و السلطة فيه، و أي مجهود أقل من ذلك غير لن يجدي وحده، و هو طلب طبعا لن يجيبه الناس ال فوق للناس ال تحت. حتى لو عاش كل الأمريكان في مستوى حياة المصريين و ركبوا الدراجات الهوائية و أغلقوا المصابيح الموفرة عند خروجهم من غرفة المعيشة (محققين العدالة الاجتماعية)، ستظل مساهمتهم في تغير المناخ غير مستدامة طالما ظل الجيش الأمريكي موجودا، فتأثيره (باعتباره أكبر مستهلك للوقود و أخطر نشاط بشري مدمر للبيئة) لا يقارن بكل الجهود الإصلاحية الأخرى التي تروج لها المنظمات البيئية الكبرى مثل جرينبيس، التي يبدو أنها نسيت بعد ثلاثين عاما "السلام" و العدل الاجتماعي في اسمها، و ركزت على "الأخضر". ثالثا، التغير الاجتماعي الواسع نفسه لن ينجح إلا لو كان واعيا و مستبطنا لأفكار الحياة المستدامة. تختلف المشاكل البيئية عن باقي أنواع المشاكل التي تنجح الحركات الاجتماعية في تناولها في أن تأثير المشاكل البيئية لا يظهر مباشرة، و في حالتنا هذه لم نعرف عنه إلا بعد قيام النمط الاقتصادي المضر بالبيئة لقرن أو أكثر. تماما كما أن اللبراليون الخضر لن يحققوا الكثير بمحاولاتهم الإصلاحية، فإن ثورة اجتماعية حمراء لن تنتج بالضرورة نمطا اقتصاديا دائريا تتساوى فيه المدخلات مع المخرجات و يكون حجمه صغيرا بالقدر الذي تستطيع البيئة دعمه بشكل مستدام. العلم بتغير المناخ وصل الثقافة الشعبية منذ نصف قرن أو يزيد. من مقال بعنوان "كيف تدمر الصناعة المناخ" نشر في نيويورك تايمز عدد الأحد 24 مايو 1953:
إن حجم ثاني أكسيد الكربون في الهواء سيتضاعف بحلول العام 2080 و سيرفع درجة الحرارة بما لا يقل عن حوالي 4 في المائة في المتوسط. إن حرق حوالي بليوني طن من الفحم و النفط كل عام يبقي متوسط درجة حرارة الأرض أعلى مما لو غاب ذلك الحرق".
إحدى أفضل مصادر المعرفة عن الموضوع هي مدونة المناخ و الرأسمالية. تحور المدونة شعار روزا لكسمبورج الشهير ليصبح: "الاشتراكية البيئية أو البربرية، لا طريق ثالث.

"لازم كمان يبقى في تخريب!"

ذكرتني تدوينات مالك الفوضوية الأخيرة بما جرى صباح الجمعة التي سبقت اعتقاله. ركبت سيارة أجرة من شارع 26 يوليو في الزمالك باتجاه السيدة عائشة. السائق يبدو في سبعيناته، أسمر نحيف الوجه؛ يرتدي نظارة غامقة ثبت ذراعها المكسور في جسمها بشريط لاصق، وملابسه بسيطة خالية من الألوان كعادة معظم المصريين. نجلس أنا وهو صامتين في بولاق، وشارع الجلاء، وشارع رمسيس، إلى أن ننحرف في شارع عبد الخالق ثروت.

بينما نمر من أمام الاعتصام، يبدأ الرجل يحكي عنه، وعن استقلال القضاء، والبسطاويسي، ومكي. ويستطرد في التفاصيل حتى ميدان مصطفى كامل، وميدان الاوبرا، وكوبري الأزهر. أبدي اهتماما متوسطا ولا أقاطعه رغبة في المزيد.

في شارع الأزهر أشير إلى سيارات الأمن المركزي، وأسأله:

"طيب ودول؟"

"دول بقى علشان مجدي أحمد حسين وحزب العمل الإسلامي. أصلهم بيصلوا في الأزهر دا الوقت، ولما بيعملوا بروبلم، الحكومة بتعمل لهم بروبلم أكبر منها."

يسكت قليلا ويبدوا شاردا. نحن الآن في شارع صلاح سالم عند مدخل باب الوزير. أخبره أنني أعرف، وأنني أبيت في الاعتصام. تلتمع عيناه من تحت العدسات الغامقة، وينظر إلي تاركا الطريق:

"كفاية دي حركة مقاومة سلمية. ماشي. بس عارف؟ لازم كمان يبقى في تخريب! الجو اليومين دول عامل زي اثنين وخمسين. تسمع عن حريق القاهرة؟"

"أيوة"، أجيبه في ميدان السيدة عائشة بينما أخرج النقود من حقيبتي.

"عارف عمر أفندي ال في التحرير على ناصية سليمان باشا؟"

"أيوة عارفه". أناوله النقود.

ينظر في النقود، ثم يرفع رأسه تجاهي وعيناه لا تزالان تبرقان، ويبتسم في فخر باسطا كفه على صدره: "دا بتاعي أنا!"

عن إلغاء العمل وغرضنا من الحياة

العمل يحرر: العبارة على بوابة معتقل النازي في تريسنشتات، ألمانياالعمل يحرر: العبارة على بوابة معتقل النازي في تريسنشتات، ألمانيا
لا ينبغي على أحد أن يعمل، أبدا. العمل هو تقريبا مصدر كل الشقاء في العالم. فمعظم ألوان الشر التي تستطيع أن تسميها سببها عالم مصمم للعمل. كي ينتهي الشقاء، لا بد أن نتوقف عن العمل. لا يعني هذا أن نتوقف عن الفعل. بل المعنى هو خلق طريقة جديدة للحياة أساسها اللعب؛ أو بكلمات أخرى، ثورة لعبية. "باللعب" أعني أيضا الاحتفال، والإبداع، والابتهاج، والمعايشة، بل وربما الفن. في اللعب ما يتعدى لعب الأطفال، بالرغم من أهمية هذا الأخير. أنادي بمغامرة جماعية في الفرح العام وفي الحماس المشترك بيننا بحرية. اللعب ليس سلبيا. لا شك أننا كلنا نحتاج وقتا للكسل والتراخي أكثر مما نستمتع به الآن، بغض النظر عن دخولنا أو وظائفنا، إلا أنه بمجرد تحررنا من التعب الذي تجلبه الوظائف، فإن كلنا تقريبا سنرغب في الفعل: أبلوموف وستاخانوف وجهان لعملة واحدة.
--بوب بلاك، على جريمة الفكر أبلوموفأبلوموفستاخانوفستاخانوف أنهيت مؤخرا عاما سبعيا بدأ في قطر وأمضيته بدون عمل مدر لأي دخل. إجابتي النمطية لمن يسألني عن عملي هي أنني اخترت الترجمة لأنها الأقرب لحلمي أن أكون عاطلا محترفا: "البطالة السعيدة هي الشيء الذي أجيد القيام به بامتياز، فلا أفضل من القراءة والكتابة والموسيقى والسفر والناس، وهم غرضنا من الحياة في النهاية، صح؟" أضيف بعدها عادة أن العمل مستقلا من على حاسوبي المحمول هو أفضل الحلول الممكنة إلى الآن: بدون مواعيد ثابتة، ولا ذات المكاتب كل يوم؛ بدون ربطات عنق أو مديرين يسخمون على المرء بما لم يطلبه. للمفارقة، فهذا هو أيضا العام الذي تطوعت فيه أكثر من أي وقت مضى. يبدو أحيانا أنه من الأسهل كثيرا أن نفصل بين العمل وبين مصلحتنا المباشرة. مضى وقت طويل منذ أن أجبت على سؤال "أين ترى نفسك بعد خمس سنوات من الآن؟" بعد صعود اليسار في العالم أخيرا، أتطلع إلى أخبار أول مايو القادم.

عزيزي الأستاذ تشومسكي... عزيزي عمرو غربية...

"حقوق الملكية ليست كباقي الحقوق، على العكس مما يزعم ماديسون وجزء كبير من النظرية السياسية الحديثة. حقي في التعبير الحر لا يتعارض مع حقك في التعبير الحر. أما أن أمتلك شيئا، فهذا يتعارض مع امتلاكك له: أنت لا تملك الشيء، لأن أنا أملكه. لذا، فإن حق الملكية يختلف كثيرا عن حق حرية التعبير. غالبا ما تصور حقوق الملكية بشكل مضلل جدا، فالملكية ليست حقا. إذا أردنا أن نعقل الأمر، قد يمكن للمرء أن يحاج أن هناك حق للملكية، لكنه حق مختلف جدا عن باقي الحقوق".
--نعوم تشومسكي نعوم تشومسكينعوم تشومسكي ما يجري بين المدونين والدستور ذكرني بمقال ترجمته لينشر في صحيفة القاهرة الأسبوعية. المقال أصله الإنجليزي نشرته الجارديان لنعوم تشومسكي (الذي يدون في زينت). ظننت أنها فرصة جيدة كي أعبر عن تقديري للرجل الذي أحترمه كثيرا، فكتبت أستأذنه في النشر بأثر رجعي (فوجئت بنشر المقال التي أرسلتها كعرض لما يمكن أن أضيفه، ولم أتلق من الصحيفة ردا أو شكرا إلى اليوم). أجابني الأستاذ أنه لا يمانع، إلا أن القرار راجع للجارديان، والمسئولية واقعة على القاهرة، وأنه سعيد بخطابي. هكذا. بالإضافة إلى عمله لنصف القرن في حقل اللغويات، وإيمانه، على عكس التيار السائد في الفلسفة المعاصرة، بوجود طبيعة خاصة للإنسان، فإن تشومسكي معروف لنقده سياسات الولايات المتحدة وحلفائها، لدرجة أن هناك من يراه معاديا لأمريكا، بالإضافة إلى كونه (وهو الذي يتحدث العبرية منذ طفولته) معاد للصهيونية. ما أثار اهتمامي في تشومسكي فوق هذا كله هو انتصاره للفوضوية (وهي الترجمة العربية غير الدقيقة للفظة أنارخيا الإغريقية. الوصف الأدق هو الاشتراكية الحرة)، وهو نظام من اللاحكم يتعاون فيه الأفراد بحرية ومساواة. يرفض الاشتراكيون الأحرار كافة أشكال تسلط الدولة أو رأس المال، فالتسلط مضر وغير ضروري.
Syndicate content