حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

مصر

جماهير أمن الدولة وجماهير الأمن المركزي

في ميدان لاظ أوغليفي ميدان لاظ أوغلي أحاول أن أصور مناوشات الأمن مع علاء على ناصية وزارة العدل في ميدان لاظ أوغلي. المكان يزداد ازدحاما. ألوم نفسي على اهتزاز يداي، فأنا لا أجيد التصوير بتلك الكاميرات الخفيفة. يلتفت إلى رجل أطول مني وأعرض؛ شعره أبيض؛ ويرتدي بذلة صيفية لونها بني فاتح. "انت دست على رجلي ليه!" لم أكن رفعت قدمي. لكن المكان مزدحم، ولا بد أنه أخطأ. أجيب كطبيعتي لأنهي نقاشا مثل هذا: "لأ ماحصلش. وإن كان، فيا سيدي أنا آسف". يلتفت ثانية، ويبدأ في دفعي والشكوى من أنه "مواطن عاد"، وفجأة يمسك بي باقي المواطنين العاديين من حولي ويدفعونني غربا نحو مجلس الشعب، ويلكم أحدهم معدتي في الطريق. تلاحظني منال. أسلم الكاميرا إليها. ألمح محمدا يلتقط الصور، وأكمل القهقهرة إلى أن يتركونني فأعود. يعودون هم أيضا عندما أبدأ في لفت الانتباه إلى أن أخي يدفع نحو الشرق. أثبت صياحي على أني "عاوز أمشي من الشارع ده"، أملا في أن يسمعني البعض. أنجح في لفت انتباه علاء ومحمد مرة أخرى، ونعود أربعتنا إلى الميدان. أجلس في الحصار وسط الميدان أتلصص على من يقرأ صحيفة العربي بجانبي، وأفكر في إيجابيات اليوم: هذه أول مرة يبادئني فيها جنود الأمن المركزي بالابتسام. كانوا ينظرون إلى الأرض خجلا من لومي لهم على ضربهم أولاد بلدهم، ثم يرفعون نظرهم إلي عندما أخبرهم أنني لن أستطيع تخطيهم لأخاطب الناس في الشارع إلا إذا فتحوا لي: "واحنا مش ممكن نضربكم أبدا". انتهى. وسط ميدان لاظ أوغلي، في مظاهرة اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، أدرك بعض المجندين المصريين أنهم أيضا بإمكانهم العصيان. يبقى أن يركز الناشطون على نوع العصيان الذي نريده: رفض التعاون بدلا من المواجهة. يا سيدة السلام.

تعالوا نكنس عليهم السيدة

تعالوا نكنس عليهم السيدةتعالوا نكنس عليهم السيدة مطالب المصريين ردا على اعتداءات يوم الاستفتاء 25 مايو 2005 لا تزال قائمة: إقالة وزير الداخلية، ومحاكمة مدير أمن القاهرة ولواءات وضباط الشرطة المتواطئين مع مرتكبي التحرشات الجنسية والضرب الذين أصابا المصريين المتظاهرين بسلام، بتنسيق بين الداخلية المصرية والحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. إن استخدام العنف مع المواطنين المصريين أو التهديد به أصبح أسلوبا ثابتا في تعامل السلطات مع حقوق حركة التغيير المصرية، ومع حقوق بسطاء الناس من غير الناشطين، والمهتمين فقط بقوت يومهم وأقل مساحة من حرية التعبير. يتجمع المصريون يوم الأربعاء 15 يونيو 2005 من الساعة السادسة إلى الثامنة مساء في ميدان السيدة زينب تعبيرا عن إصرارهم على حق المصريين في أن يأمنوا في بلدهم، والذي لن يتم مع وجود قيادات الداخلية الحالية في مناصبها. اعتاد المصريون في أوقات الشدة البحث عن الجانب الروحي فيهم سعيا للمدد، ومن ذلك لجوء القاهريين إلى كنس باب السيدة زينب والدعوة على الظالم، وتمني رفع الظلم والفاقة. تعالوا نستلهم تراثنا، ونحتفل بذكرى مصطفى النحاس. استمرارا لتحركات المصريين كل يوم أربعاء، تعالوا نكنس عليهم السيدة. تعالوا نقيد الشموع. الأربعاء 15 يونيو 2005، من السادسة إلى الثامنة مساء. نرجو احترام المكان. قد ترغب السيدات في إحضار غطاء رأس لدخول المسجد.

الشارع لنا

بنت كفاية ترسمبنت كفاية ترسم التفت إلى الجالسين في الصف من يميني لأجد بنت كفاية تبتسم لي. اسمها دنيا. سمعت عن الشارع لنا أثناء مظاهرة الشموع، وحضرت وحدها. ترتدي دنيا ذات الشيء: ثوب قماشي طويل يغطيها من رأسها لقدميها. هو حجاب وأكمام وفستان معا. الشارع لنا كانت فرصتي الأولى لأرى أول خبرة ديمقراطية الدعوة فيها عامة. كان بإمكان أي شخص أن يطلب الكلمة. تحدثت المعتدى عليهن عن خبراتهن، وكذلك نساء أخريات من العريش، والمنصورة، ومن قرى في الغربية والبحيرة. قمة الحديث بالنسبة لي كانت قصة عن امرأة فلسطينية عانت وهي تسحب ابنها الصبي في شوارع القاهرة. الولد معتاد على قذف السيارات المصفحة بالحجارة.

كشفت راسي واتجهت

يا ام العواجز

يا بنت بنت النبي

شاكي لكي همي

في يوم أربع حزين

في يوم أربع يتيم
ستاشر ربيع تان

ولادك انداسوا

بناتك اتلمسوا

في قاهرة مولاي

ح نقيد لكم شمعة

يا سعدي من دمعة

ترجع لنا رابعة

تطلق صراخ الشعب

أول طريقي صعب

أرجع في يوم أربع

أكنس عليكو الباب

يا ست يا طاهرة

دول ظالمين أحباب

يعود لهم في عينهم

وعافيتهم يا رب

قادر يا كريم

شكرا علاء على الفكرة

آخر أيام أحمد باشا الجزار

منذ مائتي سنة ميلادية هذا الأسبوع، دون الفقير عبد الرحمن الجبرتي بن حسن الجبرتي الحنفي غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه من أحداث شهر صفر الخير سنة 1220:
فلما أصبح يوم الأحد ثاني عشره، ركب المشايخ إلى بيت القاضي واجتمع به الكثير من المتعممين والعامة والأطفال، حتى امتلأ الحوش والمقعد بالناس، وصرخوا بقولهم "شرع الله بيننا وبين هذا الباشا الظالم"، ومن الأولاد من يقول "يا لطيف"، ومنهم من يقول "يا رب يا مجتلي أهلك العثملي"، ومنهم من يقول "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وغير ذلك. وطلبوا من القاضي أن يرسل بإحضار المتكلمين في الدولة لمجلس الشرع، فأرسل إلى سعيد أغا الوكيل، وبشير أغا الذي حضر قبل تاريخه، وعثمان أغا قبي كتخدا، والدفتردار، والشمعدانجي. فحضر الجميع، واتفقوا على كتابة عرضحال بالمطلوبات، ففعلوا ذلك، وذكروا فيه تعدي طوائف العسكر والإيذاء منهم للناس، وإخراجهم من مساكنهم والمظالم والفرد، وقيض مال الميري المعجل، وحق طرق المباشرين، ومصادرة الناس بالدعاوى الكاذبة، وغير ذلك. وأخدوه معهم ووعدوه برد جواب في ثاني يوم. وفي تلك الليلة، أرسل الباشا مراسلة إلى القاضي يرقق فيها الجواب، ويظهر الامتثال، ويطلب حضوره إليه من الغد مع العلماء ليعمل معهم مشورة. فلما وصلته التذكرة حضر بها إلى السيد عمر أفندي، واستشاروا في الذهاب، ثم اتفقوا على عدم التوجه إليه، وغلب ظنهم أنها منه خديعة، وفي عزمه شيء آخر، لأنه حضر بعد ذلك من أخبرهم أنه كان أعد أشخاصا لاغتيالهم في الطريق، وينسب ذلك الفعل لأوباش العسكر أن لو عوتب بعد ذلك.

أن ترى الجمال

ضفة نيل الجيزة لا تزال تتحمل المشي، بشرط أن تتعلم أن ترى الجمال. اتجه جنوبا. تبدأ المتعة بعيد مرورك على بيت السادات (لك الخيار أن تقرأ الفاتحة على روح ابن آدم). يليه متحف محمد محمود خليل وحرمه. النخلات لا تزلن باسقات. لا تلق بالا للضباط والعسكر حين يظهرون، فسفارة إسرائيل عارض اليوم. لاحظ أمامها منادي السيارات صاحب الطرطور والصفارة والضحك الذكي. انظر يمينك كل حين وابتسم. لاحظ مكان شروق القمر هذا الوقت من العام. نظم أنفاسك مع خطواتك: نفس، 2، 3، 4. اكتم، 2، 3، 4. سيب، 2، 3، 4. اكتم. 2، 3، 4. هل تقدر أن تعد إلى ثمانية؟ إلى ستة عشر؟ تبتسم لك بائعة الزهور العجوز ابتسامة رائعة، إلا في الأيام التي تختبئ فيها لتدخن، أو تطارد إحدى الصبايا اللاتي يردن منافستها في منطقة رزقها. ابتسمت لي آخر مرة وحاولت أن تبيعني وردة حمراء. هي تعرف أنني لا أفضل الورود الحمراء، وأني أفضل كل الورود على الشجر. المطاعم العائمة تزداد تنوعا. جراند كافيه فسحة، وسور جراند كافيه كذلك. حافلة أو اثنتان وسياح من اليابان في المطعم الذي يليه. عرس أو خطبة كل يوم. نهاية المشية عند كوبري عباس. اقرأ الفاتحة على روح طلاب المظاهرة. أوصيك يا ابني بالقمر والزهور أوصيك بليل القاهرة المسحور وإن جيت ف بالك اشترى عقد فل لأي سمرا وقبري إوعك تزور

العصيان المدني

حمدين صباحي: وكيل مؤسسي حزب حركة الكرامة. الصورة من الأهرام ويكليحمدين صباحي: وكيل مؤسسي حزب حركة الكرامة. الصورة من الأهرام ويكلي بدأ محمد عبد المجيد في مدونته طائر الشمال دعوة إلى عصيان مدني شامل يوم شم النسيم الثاني من مايو والأيام التي تليه، وثناها بنشر دعوته في منتديي حركة الكرامة العربية، والحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، بالإضافة إلى منتديات أخرى. عبد المجيد صحافي مقيم منذ سنوات في النرويج، والفكرة ليست فكرته وحده، فقد بدأ الدعوة إليها طارق البشري، الذي أحيل على المعاش نائبا أولا لمجلس الدولة، وأعلن مؤخرا رفضه ترشيح العديد له رئيسا للجمهورية. كما تدعو لها أيضا بلا فعالية كبيرة إحدى المجموعات البريدية. الفكرة هي أن يخرج عموم المصريين مع عائلاتهم إلى الشوارع في يوم متفق عليه، ويحتفلوا بسقوط نظام مبارك، ولا يقاوموا الشرطة التي تقوم باعتقالهم، بل يحاولوا بالكلمة الطيبة كسب العسكر إلى صفهم، إلى أن تمتلئ المعتقلات. ظهرت على مندرة كفاية فكرة الدعوة للعصيان بآلاف الرسائل القصيرة على الهواتف المحمولة. ردا على حديث مبارك لفيجارو، جددت كفاية رفضها لشكوك التمويل والتدخل الأجنبي. لا تعتقد الحركة أن الوقت قد حان بعد للقيام بعمل في حجم العصيان المدني، على الرغم من إدراك حمدين صباحي وكيل مؤسسي حزب حركة الكرامة العربية وعبد الحليم قنديل أن العصيان المدني هو الطريق الأسلم والأضمن لتغيير النظام. أحيطت مظاهرة كفاية الأربعاء الماضي بمئات الجنود، فلم يتمكن من التظاهر في الموقع الأصلي إلا خمسة عشر فردا لثلاث دقائق. تتحدث صحيفة الدستور في عددها الثاني عن "مظاهرات الأمن المركزي". عبر اليوم عدد أعضاء الحركة المصرية من أجل التغيير حاجز الأربعة آلاف: بعض الأسماء مكررة في إصرار على الانتماء. ومن الأعضاء أحمد حمدي صلاح. المهنة: سادسة ابتدائي.

كفاية طوارئ

يدعي النظام أن قانون الطوارئ لا يستخدم إلا ضد تجارة المخدرات والإرهاب، وأن الإخوان المسلمين هم الوحيدون المطالبون بإلغائه: كذب. بعد انتصاف ليلة أول أبريل 2000 ببضع ساعات. ألقى على داينا تحية المساء تحت بيتها المجاور لضريح سعد. أركب سيارة أجرة إلى ميدان السيدة عائشة، ومن هناك ميكروباصا إلى البيت في المقطم. تتوقف السيارة في كمين شرطة على الطريق الصاعد. يفتح الجندي الباب لملازم أول. ينظر الملازم إلي أنا الجالس على أقرب مقعد للباب. يشير في وجهي بإصبعه، ثم يهز يده في تساؤل صامت (يريد أن يقول: يو. وير فروم؟)، أي من أي بلد جئت يا خواجة؟ أبتسم: "أنا مروح بيتنا." "بطاقتك." "أفندم؟"، كأني لم أسمع. "بطاقتك." "أيوه طبعا. اتفضل." أناوله تحقيق الشخصية. يقرأ بياناتي: اسمي. سني. لا أظنه يهتم بمكان سكني في البطاقة، فكثير من المصريين لا يعبأوون بتغيير بيانات محال إقاماتهم في السجل المدني لأن الإجراء مضن وغير ذي عائد. عودا إلى البيانات: طالب. يسألني في أي جامعة، وأجيب. "الشنطة دي فيها إيه؟" يشير إلى حقيبة ظهري. "ممكن تقول لي إنت بتدور على إيه وجايز أعرف أساعدك." "طب انزل لي بقى." "يا سيد. إنت عارف إن مش أنا اللي بتدور عليه. وأنا لازم أكون في كليتي بكره الصبح." "انزل." يشير إلى العسكر. يعبث قليلا بمحتويات حقيبتي: صور، وكاميرا؛ وأوراق يبعثرها ويقرأ ما فيها؛ هارمونيكا ينفخ فيها بدون استئذان. يضحك أمين الشرطة والعسكر لطرافة ضابطهم الشاب.

الحراك الاجتماعي

أحمد أمينأحمد أمين جلال أمينجلال أمين تامر أمينتامر أمين يرتكز جلال أمين في تقديم تفسير عن ماذا حدث للمصرين على فكرة الحراك الاجتماعي كطريقة--هو لا يحب كلمات مصطنعة كـ"آلية"--للربط بين ظواهر يشهدها المجتمع المصري منذ أن بدأ تحديثه: اختلال الهيكل الإنتاجي (كثير منا كالحلاقين يقصون شعور بعض ولا إنتاج)، واختلال ميزان المدفوعات (دخلنا ريعي يعتمد على النفط، وتحويلات المغتربين، وعوائد قناة السويس، ناهيك عن المعونات الأجنبية. نستورد الكثير من الغذاء)، واختلال توزيع الدخل، وانخفاض معدل الادخار فالاستثمار، واختلال أنماط الاستهلاك والاستثمار، والفساد، وتدهور الحياة في المدن والقرى، وضعف الانتماء واللغة القومية؛ وبين أسباب يراها معظمنا كالانفتاح، والهجرة النفطية. فالعلاقة غير مباشرة بين الأعراض وبين هذه الأسباب. يشهد المجتمع المصري حراكا اجتماعيا سريعا في الاتجاهين، فيهبط البعض السلم الاجتماعي، ويصعد الكثير. سبب هذا الحراك هو عملية التحديث التي يخضع لها مجتمعنا منذ عقود، والتي بدأت قبل 1952 بالتعليم، الذي هو أهم عوامل الحراك الاجتماعي، والذي استمر في الخمسينيات والستينيات مضافا إليه الإصلاح الزراعي، والتأميم، والحراسة، والتوسع في الدراسة الجامعية، والتنمية الزراعية والصناعية، ونمو المؤسسة العسكرية، ونمو البيروقراطية. استمرت هذه العوامل في السبعينيات والثمانينات، وأضيف إليها العمل الأجنبي (برموز التميز الاجتماعي المختلفة التي يوفرها)، والهجرة النفطية، وارتفاع معدل التضخم. يوفر تفسير جلال أمين مساحة للتفاؤل، فهو بنظرته الأعرض زمنيا يرى حركة بينما يكتفي آخرون بالحديث عن طباع راسخة في المصريين كالسلبية والتبعية (وكأنهم نوع مختلف عن باقي البشر)، أو يشرحون كيف أن المصريين لم يعودوا رجال ونساء الأمس. يرى جلال أمين أن الحراك سببه وجود مساحة للتحديث، وأن التسارع في الحراك لا بد أن يعقبه تباطؤ ثم استقرار قبل موجة أخرى من الحركة. يمر المصريون في مراحل مختلفة من هذه العملية. أكثرهم حداثة يصبح الأقدر على رؤية سلبيات النمط الغربي، بل واقتراح بدائل له (تختلف عن بدائل الاسترجاعيين القوميين أو الدينيين). يبدو معظمنا اليوم في حالة حيرة (ومعهم حق) بين نمط حياة تقليدي لم يعد ممكنا الحفاظ عليه، وحداثة مستوردة لا تلائمنا في كثير منها. جلست الصيف الماضي في مطعم فرنسي في ميدان لستر وسط لندن لأجيب على سؤال ابن جلال أمين عن نوع النبيذ الذي أعتقد أن باقي من على الطاولة يفضلونه. هو حفيد أحمد أمين، وأنا حفيد جدي الذي اعتاد الناس التبرك به صبيا راكبا الفرس معتمرا عمامة خضراء في مولد سيدنا محمد.

بعد رامي، باقي المدونين المصريين

التقطت أول أعداد صحيفة الدستور اليوم من بائع صحف في شارع 26 يوليو.على الغلاف: "استعنا على الشقا بالله". في أعلى كل صفحة مادة من مواد الدستور المصري. معظمها غير مطبق، وكلها ذات صلة بمقالات الصفحة. مثلا صفحة 24: اللي ما يتكلمش يكتر همه. المادة 49: تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي، وتوفر وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك. أما الصفحة فهي ببساطة اقتباسات من مدونات مصرية: إنسان قديم: التماسات لمجلس الشعب. أفريكانو: حوار حول الأخبار. طي المتصل: حكاية من بعيد. لون ولف: عن الصدف السعيدة. حياة ديدو: تأملات طريق يومي. يا طالع النخلة: زحمة يا دنيا زحمة. تحت كل مدونة عنوانها. توقعوا سيلا من الزيارات!

صوت الأذان مختلف في سيوة

[img_assist|nid=136|title=شالي سيوة|desc=الصورة لرندة الشريف|link=node|align=left|width=200|height=150][img_assist|nid=137|title=برج بابل|desc=بيتر بروجل الأكبر|link=node|align=left|width=200|height=151] ظل أهل سيوة يزرعون نخيل البلح، ثم صاروا يزرعون الزيتون أيضا: في سيوة اليوم 300,000 نخلة و70,000 زيتونة. يركب الرجال منهم الدراجات، أما النساء فتجلسن في عربات تجرها الحمير يقودها رجل او صبي. لم أر إلا أربع نساء راجلات، وواحدة سافرة الوجه حمراؤه كوجوه معظم الأمازيغ. عشرة من أحد عشر قبيلة تسكن أحد عشر قرية في سيوة من الأمازيغ، وهم يتحدثون العربية كلغة ثانية، على عكس القبيلة الحادية عشر العربية أو المستعربة. يبلغ أهل سيوة في مجموعهم 22,000 نسمة، منهم أصحاب بشرة أفريقية سوداء وأنف أفريقي أفطس، وشعر أفريقي أجعد. ولا يزال بإمكانك زيارة جبل دكرور، المسمى على اسم منطقة ووادي تكرور في السنجال التي لا بد أن قدم منها بعض أهل الواحة، وكل من اسمه دكروري. يقام في دكرور "احتفال السياحة" الذي يستمر أياما ثلاثة آخرها بدر الشهر القمري الذي يوافق أكتوبر، موسم حصاد البلح. خوفا من غارات العربان، تحصن أهل سيوة منذ القرن الثالث عشر الميلادي في عمارات ضخمة اسمها "شالي" (مدينة بالأمازيغية) بنوها من القورشيف، وهو "طين طفلي رملي صحراوي عالي الملوحة". لكل حصن من هؤلاء باب واحد يغلق عند المغيب ولا يفتح إلا مع فجر اليوم التالي. يجد المرء الآن ثلاث أطلال: شالي سيوة المؤسس عام 1203 والمهجور منذ الأمطار الغزيرة عام 1926، عدا البيوت القريبة من الأرض؛ وشالي أغورمي (القرية التي زار الإسكندر معبدها الشهير عام 331 قبل الميلاد. أقيم المعبد في القرن السابع قبل الميلاد)؛ وشالي "قارة" المهجور منذ ربع القرن فقط. قارة (أم الصغير) هي أبعد قرى سيوة وأصغرها، بل هي أقرب إلى حافة القَطَّارِة (أضخم المنخفضات الهوائية في العالم، وفيه ثالث أخفض نقطة في اليابس) والوحيدة التي تقع داخل المحمية الطبيعية، والتي لا يزيد سكانها ولا ينقصون عن ثلاثمائة وبضع نفس. لم تسجل أي شالي كأثر إلى الآن. يذكرني المشهد بلوحة بيتر بروجل الأكبر برج بابل. تحول السيويون إلى المسيحية مع نفي الروم الأقباط المونوفستيين إلى الصحراء. لم ينجح موسى بن نصير أو طارق بن زياد في غزو الواحة، ولم يتحول السيويون إلى الإسلام إلا بعد ذلك بقرون. أصبحت سيوة جزءا من الدولة المصرية لأول مرة عصر الأسرة المصرية السادسة والعشرين، وظلت تزورها جيوش محمد علي مرة بعد أخرى 1819-1829 إلى أن قصمت المقاومة السنوسية. دخلت مصنعا عسكريا تنسج فيه فتيات سيوة سجادا لا علاقة له بتراثهن، ويمكنك شرائه من أي مكان داخل مصر أو خارجها: حلقة أخرى في تنميط المصريين. لم يصل للواحة طريق أسفلتي إلا عام 1986 ليربطها بمطروح، ويتم الآن العمل على طريق سيوة/البحرية، الذي يختصر الرحلة من القاهرة مائتي كيلومترا. سيوة نصف منخفض يشترك مع واحة الجغبوب على الجانب الآخر من الحدود المصرية-الليبية في حوض واحد. يجد القادم من الشمال نفسه يهبط الهضبة إلى المنخفض بلا مقدمات، الذي هو أيضا منخفض من منخفضات، يعرف كل منها بالحِطِيَّة. على طريق العودة، رأيت هضبة مرمريكا (وتعريبها مريوط) التي تمتد شمال سيوة وجنوب الساحل الشمالي الغربي وقد تلقت هذا العام أمطارا كثيرة كست الاستبس بخضرة ذات كثافة لم يسبق أن شهدتها هناك.

فتحي سلامة

فتحي سلامة: صورة مسروقة من موقعهفتحي سلامة: صورة مسروقة من موقعه تفتقر الموسيقى العربية عموما--والمصرية خصوصا--إلى العمق. وهذه هي النقطة التي يتميز فيها فتحي سلامة، فهو يرتل موسيقاه طبقة فوق طبقة: من إيقاعات عدة والباص الغليظ الذي نفتقر إليه بشدة--والذي بدونه تتسطح موسقيانا--وصولا إلى تناغم بين الأصوات الواضحة وغير الواضحة لآلات العزف المنفرد في المقدمة، وهي عندنا فعلا بلا قاعدة تستند إليها. تابعت بعد انتصاف ليلة اليوم، جالسا على أرضية خشبية لغرفة عارية من الأثاث جوائز جرامي، التي حصل فيها ألبوم السنجالي يَسّو نْدُور "مصر" على جائزة أفضل ألبوم موسيقي من أفريقيا. شاركني فتحي سلامة الجلوس على خشب الغرفة، وانتظر معي وأصدقاء آخرين تآليفه التي غنى عليها يسو وهي تفوز بأكبر جائزة موسيقية. يغني يسو بلغة الولوف المنتشرين على ساحل غرب أفريقيا عن الإسلام وصوفية السنجال.

أزمة التحديث

هو بتاع الكشري اللي هنا فين؟ بعد المقهى الثقافي على اليمين. ماشي.
أكوام من التراب الذي يزال ليعود. وجوه تائهة. شرائط واسطوانات صوتية. أشياء تضيء وتصوِّت وتبرم كي تفرح العيال. تمضي الأيام بطيئة في سوق القاهرة للكتاب الذي أشارك فيه في جناح معرض فرانكفورت للكتاب. على خلفية اعتقال ثلاثة ناشطين لقيامهم بالترويج لمركز الدراسات الاشتراكية--الذي لا أستطيع الوصول إلى مدونته بدءا من اليوم، والذي صودرت منشوراته من جناح ميريت للنشر والمعلومات--؛ واعتقال أيمن نور رئيس حزب الغد وعضو الحركة المصرية من أجل التغيير، وأول من يحاول الحصول على أصوات ثلث مجلس الشعب لاتخاذ أول خطوة دستورية للترشح لرئاسة الجمهورية، ألغيت مظاهرة نظمتها الحركة غدا في المعرض. ترفض الحركة التجديد لمبارك رئيسا للجمهورية، وترفض توريث الحكم لجمال مبارك، وتدعو لتغيير الدستور ليسمح بانتخاب مباشر للرئيس ونائبه. ترفع الحركة شعار "كفاية"، وهي إلى الآن ظاهرة محدودة لها نشاط إلكتروني، وإن كانت تحاول إيجاد قاعدة أوسع من المؤيدين. يمكن في هذه الحركة تتبع نمطا بدأ عام 2000 في صربيا، حين لعبت حركة أوتبور--"مقاومة" بالصربية--دورا رئيسيا في الإطاحة بسلوبودان ميلوسوفيتش، وذلك بالمقاومة السلمية المبنية على أفكار جين شارب. في عام 2003 اتبعت جورجيا ذات النمط في ثورة الزهور التي أطاحت بدورها بإدوارد شفرنادزه. الاسم الشعبي للحركة هو كمارا--"كفاية" بالجورجية.--قتل اليوم رئيس وزراء جورجيا خنقا بالغاز--، ثم العام الماضي 2004 في أوكرانيا: الثورة البرتقالية التي قامت بها حركة بورا--"حان الوقت" بالأوكرانية، بالإضافة لحركات مثيلة في بلاروسيا (زبر)، وألبانيا ("مجافت"، أي كفاية بالألبانية). يدعم هذه الحركات في شرق أوروبا من خلال معهد العالم المفتوح الممول جورج سوروس--أحد أثرى أثرياء العالم، والشخص المثير للجدل. يعتمد سوروس في سعيه لتحديث العالم على تشجيع المجتمع المدني في بلاد عدة، وبرى أن فرض التحديث بالقوة العسكرية غير مجد، لذا فقد ساهم بـ15.5 مليون دولار في الحملة ضد بوش، التي يقول عنها أنها "مركز حياتي"، بالرغم من أنه شريك لبوش وابن لادن في مجموعة كارليل، التي تركز استثماراتها في الأسلحة. من الواضح أن الحركة المصرية من أجل التغيير متأثرة في خطابها ونشاطها بالحركات في أوروبا الشرقية. ينسب سوروس لنفسه أنه من أمرك تلك البلاد. في حال اهتمام سوروس بحالة مصر، ستكون البلد الأول خارج أوروبا. من المثير للاهتمام متابعة ردود فعل الحركة المصرية من أجل التغيير عند بدء معهد العالم المفتوح الاتصال بها، لا سيما أن كثيرا من الموقعين على البيان التأسيسي للحركة، وهم ممثلين للطيف السياسي المصري بأكمله، يرفضون في خطابهم الشخصي أي تأثير أجنبي، كما يرفضه خطاب الحركة المصرية ذاتها. وعلى كل، يدعم معهد المجتمع المفتوح منظمات غير حكومية كالمورد الثقافي. طلب بروجكت سينديكيت، وهو أحد أذرعة سوروس، مني العمل في ترجمة مقالاته للعربية، ولكنهم ظنوا أن عربيتي غير ملائمة. [img_assist|nid=130|title=أتبور|desc=|link=url,http://www.otpor.com|align=right|width=63|height=75] [img_assist|nid=131|title=بورا|desc=|link=url,http://kuchmizm.info/weblog|align=right|width=73|height=75] [img_assist|nid=132|title=زُبِر|desc=|link=url,http://www.zubr-belarus.com|align=right|width=75|height=75] [img_assist|nid=133|title=مجافت|desc=|link=url,http://www.mjaft.org|align=right|width=75|height=75] [img_assist|nid=134|title=كفاية|desc=|link=url,http://harakamasria.org|align=right|width=75|height=75]

إحنا

إليكم نص تعليق لي عن مقال لأحمد المغربي في صحيفة الحياة ليوم 13 يناير 2005:
يبدو أن الصحافيين العرب هم أيضا من أكثر الصحافيين تأخرا في ملاحقة المدونات التي تظهر بلغتهم. وصلت إلى هذا المقال من مدونة من سوريا، هذا البلد الذي يضرب به المثل في حصار إنترنت. لإفادة الجميع، استقر المدونون العرب على اصطلاح "مدونة" لما سماه الكاتب "بلوغرز"، وعلى "تدوينة" لما قد يسميه "بوست". يلوم الكاتب العرب لأنهم يغرقون "في الكلام الذي بات مكروراً عن «المعلومات بضربة ماوس» و«الياف الانترنت تزنر العالم» و«سيول المعلومات على الشبكة» و«المواقع المفتوحة اون لاين» وغيرها من الكليشيهات التي تعكس انبهاراً، شديد التخلف، امام المتغيرات بأكثر من الجرأة النقدية تجاهها"، بينما نراه يتحدث عن "ظاهرة «بلوغرز»" وهو يقصد ما نسميه نحن عادة التدوين. قد يرغب الكاتب، كلاحقة لمقاله هذا، أن يكتب عن مدوناتنا، وعن مسابقة لفضلى المدونات العربية التي بدأ التصويت عليها اليوم. كنت أدردش منذ ساعات مضت مع أحد أقدم المدونين بالعربية عن يوم يصبح فيه بإمكاننا تأجير أحد حسابات التدوين التي تسهل علينا التعامل مع اللغة العربية، وتعطينا إمكانيات أكبر. هل يستغني أحدكم عن مئة وخمسين دولارا سنويا؟
الطريف هو أنني كتبت التعليق، وملأت باقي الخانات (اسم، وعنوان بريد، وعنوان رسالة) في تلك النافذة الصغيرة المخصصة للتعليقات، ولكني لأول وهلة لم أر زر إرسال التعليق في أي مكان. لماذا يرغب أحدهم في إخفاء أهم عنصر في الصفحة بهذا الشكل؟ على كل، صحيفة الحياة من أكثر الصحف العربية احتراما وحِرَفِيَّة. أتابع أخبارها وأربط إليها بشكل دائم، وهذا ما جعلني أرد بالتعليق.

قراءة لمفهوم العروبة

مرة أخرى، أتابع نقاشا مثيرا للاهتمام على راء وميم، وأهم بالتعليق برأي، وأنتهي بتدوينة جديدة هنا. السؤال لا يزال اختيارا بين القوميتين المصرية والعربية. سأحاول القفز فوق القضية بتقديم تفسير قد يكون جديدا، وهو في رأيي أكثر ارتباطا بالواقع.

أبدأ بانتقاد الخطاب القومي العربي السائد منذ منتصف القرن الماضي، والقائم على أسطورة أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، موحدة اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا. يؤسس هذا الخطاب لنفسه خارج التاريخ محاولا استعادة صورة دولة عربية موحدة لم تحدث أبدا. ففي العصور التاريخية الثلاث التي حكمت الوطن العربي كله دولة موحدة (الراشدية، والأموية، والعباسية الأولى)، لم تكن الأغلبية عربية أو مسلمة. وإذا حددنا نفسنا أكثر بمصر، فالواقع أن الثقافة المصرية الحالية لم تكتمل عناصرها إلا في العصر الفاطمي، عندما ظهرت العامية المصرية، والموالد الإسلامية، والسيرة الهلالية القادمة مع موجة أخرى من المهاجرين العرب. أدرك أن التصنيفين سامي/حامي غير مقبولين علميا الآن. إذا أراد أحدهم أن يؤسس لقومية مصرية على أساس إثني (أكره كلمة عرقي)، فيجب عليه أن يسوق حججا يقبلها العلم المعاصر. سبق أن بينت أن المصريين القدماء--وهم من يحاول القوميون المصريون بلا داع إثبات أننا أبنائهم. من الواضح أننا مصريون--لم يظهروا من فراغ، وأنه أتى عليهم وقت كانوا يعيشون فيه حياة البداوة قبل أن تجف الهضاب ويهبطوا إلى الوادي، وأن حركة الاستقرار هذه مستمرة طوال التاريخ المصري: بدو يأتون من منطقة طاردة، ويهبطون أرض مصر، فيعيشون حول الوادي، ثم ينصهرون في أهلها.

أدرك أيضا أن ثنائية الجزيرة العربية الطاردة/مصر الحاضرة تقابلها ثنائية أخرى هي الجزيرة العربية/سورية الجغرافية، وثالثة هي الجزيرة العربية/بلاد الرافدين. والجزيرة ليست المنطقة الطاردة الوحيدة في العالم، فهناك الهضبة الإيرانية التي خرج منها الهندأوروبيون إلى ثلث العالم شمالا وجنوبا، وآسيا الوسطى التي خرجت منها موجات المجر، والهن، والتتر، والمغول، وأخيرا الترك. يقع مؤيدو القوميتين العربية والمصرية في خطأ واحد، فينظرون إلى القضية بعيون غربية. إن فكرة الشعب Das Volk هي فكرة أوربية لم تظهر إلا مؤخرا في العصر الرومانسي--القرن التاسع عشر-- بعد أن تخلصت دول أوربا الحديثة من الأقليات الثقافية والإثنية في حروب ومذابح صمت عنها التاريخ الرسمي مؤسسا لأساطيره الخاصة. اتسمت دول أوربا الغربية قبل الحرب الثانية بتناسق مفروض وحدود واضحة لكل دولة/أمة--تغيرت الظروف بعد الحرب بالوحدة الأوروبية واستقبال المهاجرين، وأصبحت أكثر سيولة، بينما لا نزال نحن نرغب في اتباع نموذج ينتمي للماضي--قارن مفهوم الشعب الغربي مع التعددية الثقافية والإثنية التي اتسم بها العالم العربي الذي تتراكب دياناته ولغاته وطوائفه وإثنياته في فسيفساء أكثر تنوعا بكثير--لا تزال ثلاث قرى خارج دمشق تتحدث السريانية؛ ولا يزال بعض السوريون يدينون بدين الإله أدونيس/تموز،؛ ولا تزال بعض العائلات في صعيد مصر تتحدث القبطية في المنزل؛ ولا يدرك الكثيرون أن الطوائف الدينية الإسلامية غير السنية تشكل أغلبيات في دول عدة، كالإباضية في عمان، والزيدية في اليمن، والإمامية في البحرين والعراق ولبنان؛ وأن بيننا إسماعيليون، وعلويون، وموحدون دروز، وإيزيديون، وشبك، وكاكائية، وصابئة مندائية، ويهود العالم العربي--ربانيين وقرائين--، وطوائف مسيحية شرقية: نسطورية ومونوفستية وأرثودوكسية، ووثنيون، ونوبيون، وآشوريون، وكرد، وأمازيغ، وغجر، وأرمن، وبلوش، وفارسيون، وأتراك، وجركس، وألبان، بل وأقلية إسرائيلية آخذة في التشكل.

خلاصة القول: الأمة/الدولة اختراع غربي ينتمي إلى الماضي، ولا ينطبق بالضرورة على باقي العالم. التفرقة بين المصرية الحضرية والعروبة البدوية ليست دقيقة بأي حال. لا يتفق معظم مؤيدي القومية المصرية مع ثقافة يصفونها بالوهابية/النفطية، التي تشكل الحياة الحديثة في دول النفط في الجزيرة صورتها النمطية. ويرجع هذا غالبا إلى جهل كبير بحياة وثقافة البداوة العربية، والتي أرى أنها لا تزال تعيش في سيناء وبادية فلسطين والشام. أؤمن أننا نعيش في عالم سياسي، وأن الحركة القومية المصرية في جزء منها رد على التطور الأخير في الجزيرة العربية. يبقى أن نذكر أن الدول المصرية المستقلة غالبا ما كانت تفرض أو تحاول فرض سلطة فعلية أو اسمية على الشام والجزيرة حظيت فيها الأقاليم، والدول/المدن، والوحدات القبلية المختلفة باستقلال إداري كالعادة، وهذه هي الوحدة السياسية الفضفاضة التي يمكن الحديث عنها تاريخيا.

أرى أن الأمة العربية تنتمي للمستقبل بدلا من الماضي، ولا تقتصر في تأسيسها لنفسها على عصر تاريخي معين، أو أسطورة لم توجد تاريخيا. الأمة العربية أصولها البعيدة أفرآسيوية واحدة، وهي حتى في هذه الوحدة ليست صماء كنموذج الشعب الغربي، فعلى أطراف العالم العربي جغرافيا--بل وفي قلبه جغرافيا وغير ذلك--يعيش معنا أناس من خلفيات مختلفة (يؤدي هذا الأصل المشترك إلى كيان سياسي يتعامل مع باقي العالم بشكل موحد). مرت على هذا الأصل فترات عديدة تركت كلها علاماتها إقليميا: الحضارات العربية القديمة والوسطى مثلا في الهلال الخصيب كالآشوريين، والبابليين، والكنعانيين، والآراميين، والنبطيين، والسريانيين (الذين أثرت لغتهم في العربية أكثر مما نتصور). ثم إن عرب الجزيرة كانت لهم لهجات وثقافات متعددة قبل أن يتم حصارها لصالح لغة وثقافة النخبة القرشية. وفي مصر، تشكل الحضارة المصرية القديمة، ثم البطلمية، والثقافة القبطية المهمشة الآن روافد هي الأخرى. وإن كان النعت بالعربية بدأ بالتخصيص لفئة أصغر، فإن دلالتها الآن تشمل معظم أو كل ما سبق، باعتبار أنها آخر الموجات حتى الآن وأقواها أثرا.

بإمكاننا أن نخلق حقائقنا بأن نتحدث عن "اللغات العربية" بدلا من "اللغات السامية"، خاصة أن العربية هي أقربها للسامية القديمة، وهي أكثرها انتشارا اليوم (يؤدي هذا الثراء المحلي إلى صيغة إدارية فضفاضة داخل الكيان السياسي الموحد. سمها فيدرالية). يبقى أن يقر من يرون أنفسهم ممثلين للصورة النمطية للفرد في البلاد العربية (الرجل المسلم السني المتحدث بالعربية الفصحى والمؤمن بالتاريخ الرسمي رغم سديميته) بوجود ثراء أكبر في المحيط العربي، وأن هذا الثراء هو عين الهوية العربية (يؤدي هذا الإقرار بحقوق باقي الأفراد إلى إيجاد صيغة جمعية للحكم في العالم العربي. سمها الديمقراطية).

Syndicate content