حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

مصر

نحن معك يا مالك

5000 جندي أمن مركزي حول نادي القضاة

يحاصرالأمن المركزي الآن مربع نادي القضاة ودار القضاء العالي ونقابتي الصحافيين والمحامين وسط القاهرة، ويضرب، ويسحل، ويعتقل الناشطين العابرين بالمكان. تأكد إلى الآن اعتقال كمال خليل، وابراهيم الصحاري، ومالك. أعرف أن يحيى مجاهد كان مع مالك. هاتفني وائل عباس المحاصر داخل نقابة الصحافيين.

اعتقال معتصمين من أمام نادي القضاة

اعتقل الأمن مواطنين مصريين من أمام اعتصامهم على الرصيف أمام نادي القضاة بوسط القاهرة. يوازي اعتصام الرصيف اعتصاما آخرا يقوم به القضاة في ناديهم احتجاجا على رفض السلطة التنفيذية ممثلة في المجلس الأعلى للقضاء القانون الجديد للسلطة القضائية. من ضمن المعتقلين القاضي محمود حمزة.أخلى الأمن مكان الاعتصام من الخيام وما افترش به المعتصمون الرصيف تماما، واختفوا بعدها من المنطقة حول دار القضاء العالي. السيارات التي تحمل المعتقلين تقف الآن في ميدان عابدين، تحت الحراسة. يحاول مالك، وأيوب المصري، وسلمى سعيد الذهاب إلى الميدان، مع آخرين. المعتقلون:
  • المستشار محمود حمزة
  • يحيى القزاز
  • محمد الشرقاوي
  • أحمد صلاح
  • أحمد ماهر
  • حمادة فيصل
  • عماد فريد
  • عبد الرازق بدر محمد
  • حسام مؤنس
  • أحمد حمزة
  • أحمد الدروبي
  • محمد رشدي
  • عادل فوزي توفيق
  • باسم
  • وشاب آخر من دمياط

"حسني مبارك خرجني من المدرسة وخلاني أشتغل"

أماني: مع علاءأماني: مع علاء
"حسني مبارك حرامي. بنت جارتنا بتروح الحضانة بتقول لي إنه بييجي يسرق البيت كل يوم."
--أماني. حوالي 5 سنوات. تسكن في حلوان، وتعمل بائعة مناديل ورقية في ميدان التحرير. حاول واحد من ناشطي كفاية في الشرقية أن يبعد النشالين أمثال أماني وسيد حصالة بعيدا عن المعتصمين في الميدان، ثم ابتسم باستخفاف عندما منعته وقدم إلي شيئا لآكله. لم أقبل، وقدمت له بدوري شيئا من البسكوت الذي أعطانيه حصالة.

نريد قضاء مستقلا

ندعوك للتضامن مع القضاة المصريين الإصلاحيين في نضالهم المستمر منذ سنوات من أجل قانون جديد للسلطة القضائية يكفل استقلالها و يضمن حيادها و هو حق كل المصريين، و يكون دعامة حياة سياسية سليمة في مصر، و للحفاظ على كرامة المصريين و حقوقهم الإنسانية.

محمد من طق حنك

Digressing: to turn aside especially from the main subject of attention or course of argument.
...لكن دعونا لا نشرد هذه المرة. التدوينة ليست عن الموقع، بل عن صاحبه. محمد من الجيل الأول للمدونين الذين عرفتهم، وبدأت معهم: ألف، ورامي، وإيهاث، وعمر العربي، وابن عبد العزيز، ورحاب، وحمكشة، وأفريكانو، والست نعامة. هو أيضا أول من رتبت معه لقاء من المدونين الذين لم أعرفهم قبلا. أذكر ألف يغلق الباب بعد أن غادر محمد وصديقه، ويلتفت لي ليقول أنه لم يتوقع أن يكون أصغر منه سنا. ما يميز محمدا عن أي مدون آخر عرفته، وعن كثير ممن يكتبون ويتكلمون في ما يكتب ويتكلم، هو أنه يعيش في الشأن العام. بالنسبة لمحمد، الصحف هي فعلا أخبار الجيران، وضحايا الحوادث هم أفراد في العائلة، ومصيبة البعيد تمسنا كلنا: في مصر كثيرا، لكن أيضا في لبنان، والبحرين، والعراق، وسوريا، وغيرها من البلدان العربية. وبالرغم من أنني لم أزره في بيته، إلا أنني أتخيل أرشيفا هائلا من الصحف والقصاصات، والعديد من الروايات--لدى محمد أيضا بعض المشروعات للكتابة الأدبية لم يأت على ذكرها أمامي أبدا، إلا أنها تظهر في تدويناته عن موضوعات أخرى غير الشأن العام.

منتصف ليل المعارضة

"الأمير الذي يعاديه جميع العامة لن يستطيع توفير الأمن لنفسه، وكلما زادت قسوته كلما ضعف نظام حكمه"--نقولا ميكيافيللي
المعارضة الآن كلها خارج مجلس الشعب، ومعظم مؤيديها ومن يمكن أن يؤيدها غير مسجل في الجداول الانتخابية. الجداول الانتخابية ذاتها غير ضرورية. سمعت من أكثر من ناشط في كفاية وشباب من أجل التغيير انتقادا لعمل الحركة في الفترة الماضية، ومنهم من صار يرى أن التغيير لن يأتي بشكل سلمي. قامت الحركة على أساس أن المظاهرات والاحتجاجات ستكبر إلى أن تصل لحجم مئات قليلة من الألوف، وعندها ينهار النظام من رأسه، أي أن العائلة الحاكمة وقمة النظام سيلوذون بالفرار خوفا أو تسليما بوجهة نظر المعارضة، غير أن الحقيقة في نظري ليست كذلك: النظام لن يرحل طواعية، صحيح. إلا أن العنف لن يغير سوى اسم النظام، وليس نوعه، وهو على كل أسلوب يسمح للطغاة بالتميز. النظام المستبد عموما قوي في حال عدم احتياجه للقمع بكثرة، أي أن أقوى نظام استبدادي هو ذلك الذي لا يعارضه الناس. ما نراه حولنا من مقاومة النظام لا يحسب دليلا على قوته. لذا، فأهم ما يقوض سلطة النظام هو التحدي السياسي الواسع من المواطنين ومؤسساتهم، ذلك أن الحكام سلطاتهم غير ذاتية، بل هم يعتمدون أساسا على تعاون الأفراد والمجتمع.

غربستان

استيقظنا ثلاثتنا باكرا في العريش بنية أن نكون في غزة ظهر اليوم على الأكثر: مسئول حملة الطاقة المسالمة في جرينبيس العالمية: أيرلندي غجري من يوركشير جاب القارات كلها على سفن جرينبيس لعشرين عاما، ومدير جرينبيس المتوسط: تركي أسترالي علوي بكتاشي، وأنا. الغرض من الزيارة هو تأسيس علاقات مع المجتمع المدني الغزاوي والسلطة الفلسطينية هناك. الزيارة لم تتم، والصور لم نتمكن من التقاط الكثير منها، كما لم أتمكن من الحديث مع الناس كيف رغبت. بول هورزمانبول هورزمان أحمد بكتاشأحمد بكتاش أخبرتنا الشرطة المصرية صباح ذلك اليوم بأنها لن تتركنا نتحرك من الفندق إلا في صحبة سيارة تأمين، ولا حتى إلى محطة الوقود أو إلى مقهى إنترنت في وسط المدينة، وأن ذلك لحمايتنا، بما أننا لا نرغب في أن نخبرهم غير أننا ذاهبون في ما سمته الشرطة "جولة حرة في المدينة". حسنا، وجهتنا رفح إذا. اصطحبنا رائد ومعاونيه إلى الحدود في رفح. تخضر الأرض فجأة في قرية الخروبة وما يليها شرقا، وتصبح ملابس النساء أكثر ألوانا، ويلازم ذلك ازدياد في عدد الأعلام المصرية. لا يستطيع المرء أن يحدد أين تنتهي سيناء وأين تبدأ غزة. معبر رفحمعبر رفح بينما كان سولانا في غزة يحكي عن إجراءات عبور معبر غزة، وكيف أنها أصبحت تأخذ ساعة أو ساعة ونصف على الأكثر بعد الانسحاب الإسرائيلي، جلست أنا وزملائي على مقهى الحدود المصرية مع طبيب من غزة. الرجل زوجته أوكرانية، وصار له ثلاثة أسابيع يحاول العودة بها إلى الداخل، إلا أن الاتحاد الأوربي الذي يدير المعبر طبقا للاتفاق الجديد يرفض. لا يسمح الاتفاق إلا بمرور الفلسطينيين حاملي هوايا السلطة وجوازات سفرها، بينما تعيش في العريش ستة وعشرين عائلة فلسطينية لا يسمح لها بالدخول بوثائق سفرها المصرية. المهجرون لا مكان لهم ولا حق في العودة إلى الآن. إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة لحاملي جوازات سفر السلطة. رأيت شيخا ملتحيا يتظاهر بالحديث في هاتفه بينما يعيد جواز سفره إلى أمين الشرطة المصري الواقف على الباب الخارجي، لعل رزمة النقود التي دسها في الأوراق هذه المرة تفلح. لا بد أن المبلغ أقل من ألفي دولار، فهذا هو سعر العبور بلا أوراق على الإطلاق: ألف على هذه الناحية، وألف على الناحية الأخرى خلف الأسلاك الشائكة. بعد كل هذا، لا تزال نساء غزة تجدن ضرورة في العبور محملات بحقائب البضائع التي تمتلئ في معظمها بالملابس جاهزة، بينما ترتدين معطفا أو اثنين لتبعن كل ذلك على الرصيف خارج المعبر مباشرة. ينتظر النساء بحماس شديد صبية يحملون قوائم بأسماء النساء العابرات، وعدد الحقائب اللاتي يحملنها، فتسلمهن النساء البضائع، وتحملن لصبية آخرين ينتظرون على الجانب الآخر ما ينقص غزة من ألبان مجففة وسلع أخرى. ما لم يعلنه الاتفاق هو أن السلطة الفسطينية ليست صاحبة القرار في من يعبر إلى الداخل من غير الفلسطينيين، فإسرائيل توافق أو ترفض مرور كل أجنبي. فبينما سمح لنرويجيين وأردنين بالمرور قبل وصولنا بأيام، وأربعة ألمان أول أيام انتظارنا، لم يسمح لنا بالمرور لعدم اكتمال إجراءات "التنسيق" غير المعلنة. قد نحاول ثانية في غضون شهرين. الحدود: فيلم لدريد لحامالحدود: فيلم لدريد لحام

عبد الكريم غالبا في واحد من معتقلين

وفقا للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية التي تحدثت مع خالة عبد الكريم سليمان--وهي على ما يبدو أكثر أهله تعاطفا معه--فإن قسم شرطة باب شرقىي أخبر عبد الهادي سليمان أن أخاه المدون نقل إلى أحد مراكز الاعتقال. المعتقلان القريبان من الإسكندرية واحد في برج العرب والآخر في دمنهور. يشير نشطاء حقوق الإنسان إلى أن المطلوب الآن هو تحويل مسار عبد الكريم من الاعتقال الإداري إلى القضاء الطبيعي، حيث أن محاكمة عادلة لتهمة ازدراء الأديان التي ستوجه إليه غالبا تتراوح عقوبتها من ستة أشهر إلى خمس سنوات. يبدو أن عبد الكريم لن يخرج من المعتقل أو الحبس قبل ستة أشهر. وهذه مهمة الحقوقيين. للمدونين عمل آخر. بينما تنتشر لافتات أطلقوا سراح عبد الكريم بين المدونين، ووبينما يكتب عدد منهم خطابات إلى السفارات المصرية في بلادهم تحثها على الإفراج عن عبد الكريم، تتنوي لجنة حماية المدونين وضع عريضة احتجاج على وب للتوقيع. أدت تغطية المدونين منذ مساء الأربعاء الماضي إلى مقابلة إعلامية لبي.بي.سي، و لخبر طيرته أسوشيتيد برس.

اعتقال مدون مصري

بدأ المدونون المصريون منذ ما يزيد عن العام في تغطية أخبار حركة المعارضة الجديدة في مصر، وتحولوا بقدرتهم السريعة على النشر بدون قيود المساحة، والتوقيت، والحرية التي تفرض على الصحف من العرض والتعليق على أخبار الصحف إلى مصدر للخبر والتحليل بما تنقله الصحافة القومية والمعارضة والقنوات الفضائية عنهم من أنباء وصور، وتعرضوا أثناء اشتراكهم في الاحتجاجات السلمية في أحياء القاهرة إلى الضرب والسرقة، الأمر الذي كان رد فعلهم عليه هو تنظيم المزيد من الاحتجاجات، والدعوة إلى صحافة شعبية نحكي فيها أخبارنا لأنفسنا، والانضمام الرسمي إلى حركات، وتنظيمات، وأحزاب الطيف السياسي المصري، والمشاركة في مراقبة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وغيرها من أحداث. بينما تتحول المدونات حاليا إلى أداة يستخدمها الناشطون في مصر من حركات التغيير إلى مرشحي الانتخابات التشريعية القادمة، يتعرض إلى تحديد حرياته في التعبير والحركة بالاعتقال. عبد الكريم نبيل سليمان طالب مصري له من العمر 21 سنة. يدرس القانون بجامعة الأزهر فرع دمنهور، وهو ناشط في مجال حقوق المرأة، ومراسل لموقع الأقباط متحدون، بالإضافة إلى كتاباته في موقع الحوار المتمدن، فهو ينشر في مدونته. زار ثلاثة من المدونين المصريين عائلة عبد الكريم، الذين أرجعوا سبب اعتقاله إلى آراءه، وإن لم يستطيعوا تحديد إن كانت لمدونته صلة مباشرة بالاعتقال. طبقا لأخيه، فإن لعبد الكريم علاقات متوترة مع جماعات السلفيين في حي محرم بك بالإسكندرية حيث يسكن، ومن المحتمل أن يكون للسلفين صلة ببلاغ أدى إلى اعتقاله.

الحي هو إنترنت، والميدان هو جوجل

خرجت متجها إلى جمعية مصر للثقافة والحوار التي استضافت حوارا عن إنترنت وحركة المدونين المصريين ودورها في التغيير وعلى وجهي ابتسامة، إذ لم أكن أعرف أن أيا من المدونين سيهتم بالحضور، ولذا تخيلت أن ضيوف الحوار سيخرجون بصورة نمطية عن المدون أنه شخص يشبهني أو يشبه محمد سمير: طبعا، من الواجب علي أن أذكر أن محمد سمير، بالإضافة إلى كونه مدونا، يصف نفسه أنه شخص فلوس بالأساس . وعلى عكس المعنى العربي، فإن لفظة فلوس هي اختصار لـ"البرمجيات المجانية الحرة مفتوحة المصدر". يشبهنييشبهني محمد سميرمحمد سمير حظهم كان أسعد. وجدت هناك مالك، ونذير العاصفة، ووصل تتابعا مصطفى حسين، وزيتونة شرقية، وعلى باب الله، وكريم الصاحي، بالإضافة إلى مشاركين في منتديات (هريدي وقهوة كتكوت) ومواقع أخرى. أسعدني قبل كل شيء أن موضوع الحوار لا يقتصر على المدونات، بل يمتد إلى وب الأوسع، وهو أمر غاية في الأهمية لأن مواقع كعمرو خالد أو عشرينات، أو منتديات كمندرة كفاية، أو مجلات إلكترونية كالوعي المصري (حضر وائل عباس، كما حضرت بنت مصرية. الاثنان يستخدمان المدونات كمنصة للنشر، وإن كانت لا تلائم نشاطهما تماما. لدى بنت مصرية نية تعلن عنها قريبا) أو قوائم بريدية كصحارى سفاري تحصل فرادى على زيارات ولها من التأثير ما يتعدى زيارات وتأثير مدونات الحلقة المصرية مجتمعة باستثناء مجمع منال وعلاء (فرق بين مدونتهما والمجمع). عدد المدونات لا يزال صغيرا جدا بالمقارنة بإيران مثلا التي بها ما يزيد على 65,000 مدونة نشطة بين مليوني مدونة، ويدون فيها مثلا محمد علي أبطحي، نائب الرئيس خاتمي للشئون القانونية والبرلمانية. بعد محاولات تعريف النخبة، والنشطاء، والجماهير، وهي كلها تعبيرات لا أفهمها جيدا، سأل مالك عن دور المدونين في التغيير، ومتى ينزلون إلى الشارع. أرى أن سؤالا من هذا النوع يفترض مسبقا أن يكون المرء مدونا فهو إذن لا يعيش في الشارع أو يؤثر فيه، وأن إنترنت هي وسيلة للنخبة، وهذا افتراض في رأيي خاطئ. فعلى الرغم من الأمية والفقر المنتشرين، إلا أن عدد من يصلون إلى إنترنت في مصر يتراوح في تقديري حول ستة ملايين شخص (قارن بحجم مؤيدي النظام مثلا. لا ترغب المعارضة الجديدة في مصر إلا في عصيان مدني جيد لعشرات ألوف قليلة). رأيت حولي في السنة الماضية مدونين وأفراد على إنترنت لهم تأثير في ما يسمى بالواقع فصلا عن إنترنت: غادة في مصر مش كده؛ وإيجيلج في أنشطتهم في أنحاء مصر؛ والوعي المصري والمدونين عندما أصبحوا مصدرا للأخبار؛ ومتخلفين من أجل التغيير في مظاهرات دفعت في سلسلة من التأثيرات منظمات سياسية ضخمة إلى العمل؛ وصفحة المدونات في الدستور؛ والتغطية الإعلامية الكبيرة في صحف واسعة الانتشار خاصة لعلاء ومن يدونون بالإنجليزية، ولدرجة أقل للمدونين بالعربية في صحف عربية وغير عربية؛ ومحاضرة عن الأمان والسرية على إنترنت؛ ومراقبة محمد وهيثم ورحاب للانتخابات؛ ومعرض أفريكانو ضد تفجيرات شرم الشيخ؛ بل وحملة تبرعات نظمها كريم الصاحي من بوسطن. التأثير ليس فقط من إنترنت إلى الشارع، بل في الاتجاه العكسي أيضا. استقال مؤخرا وزير الثقافة فاروق حسني من جراء الضغط عليه بعد حريق مسرح بني سويف الذي تمثل في جزء منه في جماعة 5 سبتمبر ومدونتها. من هذا المثال الأخير نفهم أن الأفراد الفاعلين في مجتمعهم يستخدمون كل الوسائل تحقيقا لغايتهم، ومنها إنترنت. لا أكثر ولا أقل. لم تبدأ نورا يونس نشاطها لأنها مدونة، بل العكس، وستظل هي ومعظم المذكورين أعلاه في نشاط بعد أن يتركوا مدوناتهم (اتركوها ولا تحذفوها، يا حمكشة! يا حسنين خليل حاتم!) وحتى من لا يستغل مدونته في الترويج لأنشطته (لا يوجد شيء اسمه فرد ناشط وفرد غير ناشط، بل هناك الأكثر نشاطا والأقل نشاطا، هذا إذا أمكن القياس)، فإن النشر على وب ليس بثا لفيض الشعور أو العقل في الأسلاك. وب باقية وهي مصممة للنشر، على عكس موجة السخام التي لا تلبث أن تختفي (وإن ليس بسرعة كافية). كل ما يدون ويقرأه آخرون يدفع في اتجاه ما. اتجاه ما، صحيح. إلا أن هناك القليل جدا الذي يجمعنا كمدونين مصريين--على عكس ما قال الصاحي قبل أن يترك الحوار، حب مصر ليس مما يجمعنا. كم منا يرغب أن ينسق مع مدونة إيروسيا؟-- ما لا يمكن أن يختلف عليه الكثير من المدونين هو المزيد من حرية التعبير للجميع، بلا استثناء. يساعد في تأسيس حرية التعبير هذه شيئان: مزيد من المدونات، وتحرك في حالة تهديد حرية تعبير أي منا. عرفت منذ قليل أن المواطن رجب حضر الندوة، ولم يرغب في كشف هويته لي على الأقل. لا مانع. دعونا أيضا نكف عن البحث وراء بهية وغيرها ممن يكتبون بأسماء مستعارة. نحن أيضا كمدونين لسنا في حاجة للقاء وجها لوجه إلا في هاتين الحالتين: الترويج للتدوين، وتدعيم حرية التعبير. ولا نحتاج لقائمة بريدية أو منتدى أو مقهى للحوار، فالحوار مستمر على المدونات، وهذا غرضها. أستثني من هذا منتدى وويكي تقنية مثلا، تفيد في إنشاء وإدارة المدونات، ودليل آلي للمدونات، ومحرك تدوين عربي اللغة من الصفحة الأولى تيسيرا على عدد أكبر من الملايين الستة. قارب تعريب وردبرس على الانتهاء (لا ينقصني إلا أن أعرف كيف يترجم المرء bookmarklet وmeta)، كما يسير العمل الآن على نظام إدارة المحتوى دروبال، والذي يفيد في المدونات وما يتعداها حجما وتعقيدا. يرى مصطفى حسين أن ما نفعله هو الكتابة في بَلُّوغٍ، وأن اسمه بَلُّوغٌ لأننا نقوم فيه بالتبليغ عما نراه.

ما يحكمش

نجلس أنا ومحمود الساعة الثالثة صباحا خارج مطعم فطير في شارع التحرير. تصل لأذناي كلمات صاحب المحل وجارته الست هدى الجالسان على الطاولة بجانبنا: "كفاية"؛ "أيمن نور". يقرر محمود أن نسألهما إن كان بإمكاننا الانضمام إليهما. بدأنا الحديث من أن كل شيء عائد إلى وضعه الطبيعي بعد الانتخابات، وانتهينا إلى أن شيئا ما يحدث، وإيدي على كتفك. أخبرناهما عن مظاهرة مساء هذا اليوم قبل أن نودعهما ونوقف سيارة أجرة. ننزل من سيارة أجرة أخرى السادسة مساء في ميدان طلعت حرب، ومعنا علاء. نلاحظ عدم وجود أمن مرة أخرى. يسألني علاء: "مسيرة تاني؟"، إلا أن الحشد ينزل إلى الشارع من جراء نفسه قبل أن ننجح في العثور على من نكلمه من شباب التغيير. يتحول العشرات الواقفين على رصيف مدبولي إلى مئات في ميدان التحرير، ثم الألوف في شوارع وسط البلد. أبحث عن الست هدى أثناء مرورنا أمام المحل، إلا أنها تجدني قبل أن أجدها. تسلم بحرارة، وتتلفظ بكلمات لا أسمعها من ضجيج المظاهرة، ثم تختفي وسط الجموع. يذكر المسح السكاني الصحي - مصر 2000، والصادر عن المجلس القومي للسكان بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، أن نسبة من هم فوق سن الثامنة عشرة الآن، أي في سن الممارسة السياسية، تبلغ 65.30%. إذا قبلنا تقدير سكان مصر يوم 30 يونيو 2005 بـ69,795,950 نسمة، وهو تقدير مبني على سلسلة من تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء--التي هي دائما أقل تقديرات عدد السكان، وبالتالي تعطي نسبة أكبر لعدد المشاركين في الانتخابات الأخيرة--نخرج بأن عدد من هم في سن الممارسة السياسية يبلغ 45,576,755 مصريا ومصرية. تزعم وزارة الداخلية--ومؤخرا لجنة الانتخابات الرئاسية التي هتف المتظاهرون ببطلانها وبطلان رئيسها المستشار ممدوح مرعي--أن وصل إلى 31,826,284 ناخبا، أي بنسبة 68.8% ممن في سن الممارسة السياسية. إذا أخذنا من دفعوا بأنفسهم للتصويت مقياسا لتقدير حجم شعبية مبارك ونور بين المصريين، نجد أن أصوات مبارك الـ6,316,784 تعني أنه يحظى بتأييد 13,9% من المصريين كحد أقصى، بينما يؤيد نور 540,405 بنسبة 1.19% على الأقل. أي أنه بعدم أخذ التزوير الذي يتم دائما في صالح مبارك، فإن حجم شعبيته لا يزيد إلا 11.6 مرة على شعبية نور. يبقى أن نذكر أن نتائج الانتخابات الأخيرة المأخوذة عن الجزيرة تتعارض فيها الأرقام مع النسب. واقعيا، ينخفض الفرق بين حجم شعبيتي مبارك ونور كثيرا في وجود تقديرات سكانية أخرى، وفي وجود عملية انتخابية أكثر سلامة وشفافية، وفي عدم وجود حالة الطوارئ. بعيدا عن نور ومصداقيته وما حوله من أسئلة تنفر عنه الكثير من طوائف المعارضة، يبدو الواقع أن حجم مؤيدي النظام في مصر ليس بالغ الكبر مقارنة بحجم معارضيه، وأن الغالبية الساحقة من المصريين، حوالي 84%، يقفون في الأعم معارضين للنظام والمعارضة معا، ثم معارضين للنظام فقط، ثم مؤيدين صامتين للنظام ومعارضين صامتين للمعارضة. الأربعاء الماضي أدليت بصوتي في الانتخابات صباحا، وراقبتها في الضحى، ثم هتفت ببطلانها باقي النهار. بعد زيادة الاهتمام بالانتخابات في مصر، يمكن للمصريين أن ينشطوا في هذه الاتجاهات الثلاثة: حث الناخبين المسجلين على المشاركة في انتخابات مجلس الشعب القادمة التي تحل في نوفمبر ولن يكون بوسع غير المسجلين استخراج بطاقات، وسيضطرون للانتظار حتى انتخابات مجلس الشورى والمحليات التي تليها. إذا صح القيد التلقائي بدءا من مواليد 1982 الذين بلغوا الثامنة عشرة وقت انتخابات 2000 التشريعية، يصبح لدينا نحو الـ15% من الناخبين (6,820,137 شابة وشاب) بإمكانهم الإصرار على الانتخاب ببطاقات الرقم القومي. الاتجاه الثاني هو زيادة رقابة المجتمع المدني، ناهيك عن مندوبي مرشحي الأحزاب--رفض حزب الغد لقلة حكمته قبول تطوع غير أعضائه كي يصبحوا مندوبين عن أيمن نور في الانتخابات الأخيرة.--مطلوب أخيرا إصلاح النظام الانتخابي برمته بدءا من إشراف القضاة الجالسين فقط، مرورا بحالة الطوارئ والحريات، ونهاية ببديل يستخدم تقنيات أكثر حداثة.

"الشمس أرحم من ورا الشمس"

لجنة انتخابية في العمرانية: دعاية انتخابية على مدخل المدرسةلجنة انتخابية في العمرانية: دعاية انتخابية على مدخل المدرسة موظفي اللجنة الانتخابيةموظفي اللجنة الانتخابية تذكرت على سلم نقابة الصحافيين الرجل الذي نطق بهذه العبارة، لافتا انتباه محمد وانتباهي. إلا أن اليوم بدأ بشكل مختلف. بدأ يومي في قسم مصر الجديدة عند الأستاذ عوض والحاجة فوزية كي أعرف في أي لجنة أنتخب. إعلان كبير يؤيد مبارك على باب لجنة مدرسة الخلفاء، وعلى باب كل لجنة رأيتها ذلك اليوم. تمنع القواعد أي دعاية انتخابية في دائرة نصف قطرها واحد وعشرين مترا من اللجان الانتخابية. هذه أولى مخالفات اليوم. اللجنة من الداخل تبدو منظمة: مسار تدخل فيه من نقطة وتخرج من أخرى. أتقدم إلى القاضي الشاب باحثا عن إرشادات. يأخذ البطاقة، ويسأل عن أي مكتب من الأربعة خلفه يختص بحرف العين. لا يطلب الموظفان الجالسان على المكتب أي تحقيق للشخصية، بل يسألاني عن وظيفتي. أجيب أنها كما كتبت أمامكما في البطاقة الانتخابية، ثم يسالاني إن كنت مصريا، ويتعجب أحدهم عندما أخبره أن البطاقة التي في يده دليل على مصريتي. يناولني بطاقة الاقتراع. أذهب وراء الستار. أسود المربع بجانب اسم أيمن نور جيئة وذهابا؛ صعودا وهبوطا. أنظر من خلف الستار إلى ما يفعلان. أخرج وأضع البطاقة في الصندوق بنفسي. وأعود لأتسلم بطاقتي الانتخابية، وأضع اصبعي في الحبر الخاص. أطلب علاء، وأذهب إلى منزله ومنال. ألاحظ مصورا وكاميرا تلفاز تنتظر بالأسفل. يفتح لي الباب واحد من طاقم سي.إن.إن الذين يصورون وثائقيا عن ضحايا انتهاكات الاستفتاء من النساء، ومنهن أم علاء الدكتورة ليلى سويف. أسلم على منى الطحاوي. ننتقل كلنا إلى لجنة مدرسة السادات في شارع الهرم حيث وجدنا مراقبا مدنيا. بدأ محمود باجراء مقابلات إذاعية معه ومع الجالسين على مكاتب الحزب الوطني داخل اللجان. بطاقة دليل الناخب: من الحزب الوطني و عليها نصائح انتخابيةبطاقة دليل الناخب: من الحزب الوطني و عليها نصائح انتخابية يذهب راغبو التصويت إلى القاضي ومعاونيه رغبة في معرفة إن كانوا مسجلين كناخبين في هذه اللجنة. يملك معاونو القاضي كشوفا بأسماء ناخبي اللجنة، إلا أن منهم من يطلب من الناخبين أن يلجأوا إلى مكاتب الحزب الوطني. يعطي متطوعو الحزب الوطني الناخبين بياناتهم الانتخابية التي تساعد معاوني القاضي على إيجاد أسماء الناخبين في القوائم فيما يسمى "بطاقات دليل الناخب". يسأل محمود متطوعي الحزب الوطني عن رأيهم في لافتات التأييد وبطاقات الإرشاد، وإن كانت دعاية انتخابية لمبارك. يجيب معظمهم أنها ليست دعاية، وأن الناخبين ليسوا ملزمين باستخدامها. أما اللافتات والملصقات فهي تأييد لمبارك من رئيس المجلس المحلي. طبعا يرفض علاء أن يحصل على بياناته الانتخابية على بطاقة كهذه، ويبدأ الخلاف. تستطيع منال التصويت، فهي من مواليد 1982 وما بعد، وبالتالي مسجلة تلقائيا في الجداول الانتخابية (يوجد اختلاف على العام، إن كان 1982 أو 1984 أو غير ذلك). بالرغم من أنني تحدثت مع سيدتين أصغرهما في ثلاثينيات العمر استطاعتا التصويت بالبطاقة الشخصية كوافدتين، إلا أن آخرين لم يسمح لهم، ومنهم علاء. اللجان يعلن عنها لاعبي المزمار والطبل البلدي. ثالث اللجان التي زرناها أقيمت داخل قسم العمرانية، وهو ما أعتبره ما يتعدى المخالفة الصريحة إلى إرهاب المواطنين. في الطريق إلى مظاهرة كفاية في ميدان التحرير يلاحظ محمود سيارة نصف نقل تحمل سماعات تصرخ بدعوة المواطنين لتأييد مبارك. يتركني ومنى الطحاوي في سيارة الأجرة ويقفز فوق سيارة النقل إلى أن يوقفها، وعندما تتوقف، يدخل رأسه من نافذة السيارة ويأخذ الميكروفون ممن بداخلها ويسأله لماذا يقوم بالدعاية الانتخابية بعد انتهاء موعدها. يصفق المارة في الشارع. تقابلنا عبير العسكري، ونتوجه أربعتنا إلى المظاهرة. محمود توفيق في عرض شارع قصر العيني: يتحدث إلى مروجي مرشح الحزب الوطنيمحمود توفيق في عرض شارع قصر العيني: يتحدث إلى مروجي مرشح الحزب الوطني أتجول في الميدان. يجري معي مراسلين حديثين أو ثلاثة. أصبحت الآن أسلم على أصحاب وجوه كثيرة اعتدت تمييزها. يلاحظ شاب وشابة اصبعي المصبوغ بحبر الانتخابات. أتوجه نحوهما وأبدأ الحوار. سيظل أحمد وشيماء معي أو حولي لساعات أربعة تالية، وستظل نشوى تشحن المتظاهرين طوال الوقت. نشوى: تشحن المتظاهريننشوى: تشحن المتظاهرين تبدأ شيماء وهي الأكثر حماسا بسؤالي عمن أعطيت صوتي ولماذا. أجيب بأن أيمن نور هو أفضل خياراتي، وأن الفائدة في أول انتخابات حرة قادمة ليست أن نأتي بهذا أو ذاك، بل أن نتعلم أن بإمكاننا إزاحة الحكام متى أردنا. أقدمهما لسارة نجيب كي تحكي لهما عن شباب من أجل التغيير. شيماء و أحمدشيماء و أحمد يحاول علاء أولا ثم آخرين إقناع المظاهرة بترك الميدان والسير في الشوارع: "لكننا طالما أردنا احتلال الجزيرة وسط الميدان". حسن، هل بإمكانكم عبور الطريق واحتلالها بسرعة حتى يمكننا التحرك؟ يصل كمال أبو عيطة ويدفع المظاهرة أخيرا نحو المسير، وفي نصف الساعة يتضاعف المتظاهرون من بضع مئات إلى بضعة آلاف. نروح ونجيء في شوارع وسط البلد، وننعطف في شوارع ضيقة، وينضم الناس إلينا أكثر. حتى المحابيس المنقولين في الشاحنات الزرقاء ينظرون في تأثر ويصرخون "يسقط مبارك!". لسبب لا أفهمه، يصر جورج إسحق منسق كفاية على اللجوء مبكرا إلى نقابة الصحافيين. يرفض عقل المسيرة وبعض مسيريها (وجدت نفسي لحظة أطلب من الطحاوي أن تشغل اسحق في حوار حتى ننعطف نحو ميدان مصطفى كامل). أسأل وائل خليل في ميدان الأوبرا عن آخر مرة رأى فيها شيئا بهذا الحجم. نخطط للاستمرار في المسير نحو ميدان رمسيس، بينما يرغب آخرون في الانعطاف شرقا نحو الأحياء المزدحمة: الحلمية، أو باب الشعرية، أوالسيدة زينب. الثقة التامة في حجمنا والتغطية الإعلامية يجعلنا ننقسم في ثلاث مجموعات على الأقل. أتابع شيماء وهي تهتف كل حين، إلى أن تخترقنا في ميدان العتبة صفوف الصارخين "حوسني حوسني". نتفرق إلى مجموعات من خمس أو ست أفراد، ونحاول الهروب إلى نقابة الصحافيين. "هع!". يمسك صاحب محل أجهزة كهربائية بسيخ من الحديد وينمعني ثم يمنع بهاء من الدخول خلف سارة نجيب وأخرى ظانا أننا نهاجمهما كالآخرين. أقف مع شيماء في الخارج إلى أن يخرجا. لا تجيبني منال عندما أطلبها. أقلق وأطلب علاء الذي يخبرني أنها معه، وأن هناك مجموعة أخرى رجعت هربا نحو ميدان الأوبرا. أحاول أن أجعل أحمد وشيماء يخفضا من مستوى حماسهما. تشرح لي شيماء، التي حصلت على دبلوم التجارة، أنها وأحمد، الطالب في كلية التجارة، يفكران منذ أن بدأت فترة خطبتهما منذ شهرين في أشياء جانبية وغير حقيقية، وأن ما يجري أمامها الآن هو ما يستحق الاهتمام. أسألهما عما كسباه في الساعات القليلة الماضية، وعما خسراه. كل الخسارة هي أن أحمد لم يذهب إلى عمله اليوم. بهاء صابربهاء صابر محمود توفيقمحمود توفيق سارة نجيبسارة نجيب جورج اسحق: يحوز على التقديرجورج اسحق: يحوز على التقدير كسبنا كلنا الكثير يوم الانتخابات. راقبنا الانتخابات، واستغللنا الفرصة لبدء أكبر مسيرة منذ بدء حركة المعارضة الجديدة، وحاز اسحق لكفاية على ذلك النصر في خطبة له أمام نقابة الصحافيين. أدركنا أننا نفتقد إلى تكتيكات العمل في الشارع. قد يكون بعضنا فكر أن الوقت قد حان منذ زمن لتجاوز المظاهرات والهتافات إلى الفعل السلمي المباشر، وأن الانشغال بالرئاسة والانتخابات والمعارضة الشخصية لمبارك قد انتهى، وأصبحت أمامنا مساحة للعمل. هناك انتخابات تشريعية قادمة في المجلسين، ومحلية تليها قد يفيد فيها الكثير من التنسيق بين حركات المعارضة. أمامنا أيضا الفرصة أن نزيد عدد المدونين والصحافة الإلكترونية--باعتبارها أسهل قنوات الصحافة الشعبية ومنصة يمكن منها الوثوب إلى الصحافة المطبوعة--من مائتين أو يزيد إلى بضعة آلاف. جلسنا المتخلفون من أجل التغيير وخامسنا في أحد مطاعم وسط البلد، واتققنا على أن كل شيء سياسة، وأن بإمكاننا في أغلب الأحيان أن نمارس المزيد من الضغط. قبل أن أغفو كتبت بريدا إلى بهية لأخبرها عن هيكل. تحدث هيكل عن كفاية وحركات المعارضة التي يختلف البعض في عددها أو شعبيتها. كل هذا، في رأيه، "غير مهم". يقول عن نفسه أنه متابع جيد لإنترنت والمدونات. هناك مثلا واحدة اسمها بهية، وهو يحرص على قراءة كل ما تكتبه، ويرى أنها أقيم من كل كتابات الصحافيين المصريين.

دِير الَّدرْب لَو دَارت

عباس باشاعباس باشا صحارىسفاريصحارىسفاري على مبعدة مائتي مترا شمال نقطة على طريق القاهرة-السويس الحالي، بنى عباس باشا الأول (1813-1854) بن طوسون بن محمد على الكبير قصرا ليعيش فيه بعيدا عن حياة المدينة، أو في طريقه إلى سيناء، حيث كان يهوى السير في الدروب. بحثت في كتاب تاريخ الصف الثالث الإعدادي عن معلومات، لكني لم أجد سوى أنه تلى جده وسبق عمه سعيد باشا في الولاية. أما كتب التاريخ التي كتبت بتكليف من فروع ابراهيم باشا من الأسرة العلوية، فلا تذكر إلا أنه قوض إعمار الدولة التي بناها محمد علي: أغلق المدارس، وأبطل المصانع، وسحب الامتيازات من الأوربيين، وأنقص الجيش إلى تسعة آلاف، ونشر العيون في البلاد ضد سعيد؛ إلا أن عباس أنشأ كذلك أول خط سكك حديدية في مصر، وأعتق الفلاحين، وبدأ إصلاح مقام السيدة زينب. كان شديد الانطوائية، وأيضا شديد الشغف بالفروسية، حتى أن مخطوطاته التي تأصل للخيول العربية لا تزال من المراجع الهامة. لا تزال العباسية الثكنة العسكرية التي أنشأها. ذهبت الأسبوع الماضي مع أصدقاء من صحارىسفاري للمشي في إقليم الجبال العليا بسيناء. توقعت أن أقابل مدونة هناك، وحدث. ثم اكتشفت أنني أسير بجانب أخرى، وأنني أعرفها من قبل، بل وأن ثالثة خططت للمجيء ولم تستطع. بدأنا من مكتب سفريات الملقى في كاترينة، وصعدنا ثم درنا حول رَاس جْبَال حتى وصلنا إلى الْقَلْتِ الأزرق. المنطقة كلها (بل ومصر من وادي النيل وشرق ذلك) نظام معقد من الوديان يصب فيه الأعلى في الأخفض، أو كما يقول العرب، يَكُّتُ فيها الماء. تذوب الثلوج من قمم الجبال العالية وتكت المياه فوق وتحت سطح الأرض حتى تصل إلى قمع كبير وسط الجبال لا تجف منه المياه شديدة البرودة طوال العام. هذا القمع هو القلت الأزرق. صعودا من هناك، مررنا بفرش اِمْ سِلاَّ. الفرش هو الأرض المفتوحة الحصباء. توقفنا برهة لنبني شيئا بالحجر كما اعتاد أن يفعل المارة. القلت الأزرقالقلت الأزرق نزولا إلى القلت الأزرقنزولا إلى القلت الأزرق فرش اِمْ سِلاَّفرش اِمْ سِلاَّ تذهب القصص إلى أن الأطباء نصحوا عباس المريض بالدرن بالعيش في مكان مرتفع جيد الهواء. وكما كان مع البيمارستان، أمر الأطباء بوضع قطعة من الكبد على قمة كل رأس من رؤوس الجبال. فسدت آخر القطع فوق جبل طينية، ثاني أعلى قمم مصر (2383 مترا)، والذي صار يعرف من يومها بجبل عباس بسبب القصر الذي أسسه الوالي هناك ولم يعش ليراه. اغتيل عباس باشا في قصره ببنها 14 يوليو 1854 على يد اثنين من عبيده. المشرف من القصر الخرب يرى تحته بلدة الملقى، وأمامه سماء مفتوحة، وبينهما قمم جبال أبو محشور، وموسى (الذي يؤمه الزوار صاعدين الطريق الذي أنشأه عباس أيضا)، وبينها وديان الشيخ، والدير، وشْرِيجْ، والأربعين، الذي يقود إلى جبل كاترين، أعلى قمم مصر، وخلفها وحولها كلها الكثير. وادي زواتينوادي زواتين وادي زواتينوادي زواتين قصر جبل عباس باشا: الصورة لرندة الشريفقصر جبل عباس باشا: الصورة لرندة الشريف حط الليل علينا فوق قمة الجبل، فتحسسنا طريقنا نزولا إلى وادي زواتين، الذي بتنا فيه في جنينة تحت كروم وأشجار تفاح وعين الجمل، وبالقرب منا زيتونات عتيقة جدا عمرت المئات من الأعوام. سمعت أن زواتين هذا الوادي التي أعطته اسمه فريدة لدرجة أنها تشكل نوعا أحيائيا بذاتها. ترى هل هكذا تبدو فلسطين؟ في وسط أغسطس، أمضينا ليلة في مصر في فرش الرمانة وصلت فيها درجة الحرارة إلى الخمس درجات فوق الصفر.

أهل الشرق وأهل الغرب، يفك عنك كل كرب

بعد زيارة لعرض مستوحى من الزار في مكان أحمد المغربي، أتيحت لي الفرصة أن أرى شيئا أقرب للحقيقة. قابلنا محمد "حَنَّصْ" أبو طالب--لأنه أسمر كالشيء المحمص--في أحد الشوارع القريبة من الباطنية، ورافقنا إلى الغرفة التي يقام فيها زار الليلة في الدرب الأحمر. الليلة حارة رطبة، والغرفة زرقاء على جدرانها وسادات وصُفَّات. تتعلق على الجدران وترتكن عليها أدوات موسيقية: طنبورة، ودهلة، ومزاهر، وصاجات، ومنقور، وغيرها. المنقور حزام به الكثير من قرون الماعز وأظفارها، يلبسه الرجل على وسطه، ويهزه في إيقاع صوته مزيج بين هدير أمواج البحر وخبط الأغصان المعلقة التي يحركها الهواء. بإمكان لاعبه المتمرس إصدار درجتين من الأصوات--ما تقابلان نقرة شديدة أو عادية على الطبول--بل وثلاثيات أيضا. تتدلى من السقف مروحة تهتز لتبقي على الإيقاع عندما تسكت الطبول. السيدات يعرفن بعضهن جيدا، ويمزحن عن عدم جدوى الأطباء: أساور الذهب تغطي نصف الذراعين، والنقود التي تجيب تبخير الكوديا في بداية الطقس ليست بالقليلة. الكوديا أو الشيخة ذات حضور طاغ. تفصل بين كل دورين بمديح النبي وآل بيته، وتراقب رد فعل النساء. كل دور من هؤلاء لها روح معينة تقوم كل سيدة بالرقص عند سماع دورها، بينما تحيط الباقيات بها خاصة إن كانت سمينة كي لا تسقط، وهؤلاء السمينات بالذات يجدن الرقص العنيف. يعرض الجميع الماء والحلوى في ذلك الجو الخانق. حتى باحثة علوم الإناسة الأوربية شديدة التمصر تقدم لنا العنب: "مغسول في بيتنا". أكدت لي الزيارات السابقة أن غالبية المصريات يغطين شعورهن، وإن لم يكن محجبات. فالطبيعي في تجمع كالزار هو أن تخلع النساء غطيان الرأس (في وجود رجال أقارب وأجانب)، وأن لا يمانعن في تقبيل الجميع تحية.
Syndicate content