حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

سيداتي سادتي، نحن نسبح في فضاء

وجوه

الحركة بركة

وصل وائل خليل مؤتمر كفاية الأخير، ولمحني أجلس في الخلف. سحب كرسيا، وجلس بجواري. نظر حوله لثوان، وتنهد في أسف، ثم قال لي: "عاوزين نجيب التايهة بقى يا غربية".

بدأنا نفكر في حملات يجب أن تركز الحركة عليها وعليها فقط، حتى لو ظهرت على السطح أزمات كالعبارة أو أنفلونزا الطيور. يجب أن يكون بالإمكان إحراز مكاسب في هذه الحملات، وأن لا نركز على أهداف فوق الطاقة كـ"لا للتمديد ولا للتوريث". كنت أفكر في حملات ثلاث: البطالة، والفساد، والحريات، بينما فضل وائل أن يركز، باعتباره اشتراكيا، على قضايا كالإسكان، والخصخصة.

انطباعي أن "باعتباري اشتراكيا" هي أكثر ما يبدأ به وائل حديثه، وهو القادر فعلا على الحديث، فهو دائما يخرج من المظاهرة ليقابل اعتراض الناس الأولي، ويسمح لهم بالكلام إلى أن يصلوا بأنفسهم إلى ما يريد أن يقوله. أتخيل طبعا أن وائل هو قلب كل المفاوضات في سجن المحكوم الآن.

وائل خليل

أعرفه، عن طريق علاء، منذ حوالي العام، بالضبط منذ ليلة كنس السيدة. الأغرب أنني أعرف علاء نفسه منذ ما يزيد عن ذلك بقليل، ففي أسبوع من العام الماضي يماثل الذي قبض فيه على علاء، دلفت مقهى صغيرا في المهندسين غرب القاهرة. المقهى الحديث الطابع، وإن لم يكن الصوت فيه عاليا جدا، يوفر اتصالا لاسلكيا بإنترنت، وهذا هو تقريبا الشيء الوحيد الجيد في المقاهي الحديثة في القاهرة. تعرفت على طاولتي بمجرد أن لمحت علاء، وشعره، وحاسوبه المحمول. طبعا. كان ذلك وقت يمكنك أن تجمع فيه كل المدونين المصريين في غرفة واحدة. وعندها، في تلك المقابلة الأولى للمدونين--التقليد الآن في مصر أن نسمي كل اجتماع للمدونين "اجتماع المدونين الأول"--، كنا لا نزال نعلق على الأخبار. في غضون أسابيع قليلة من ذلك الحين، سنصبح نحن الأخبار.


قضاء وقهر

مالك
مالك. الصورة للراهب الزرواني، تحت رخصة العامة المبدعين.

الرابعة والنصف مساء الثلاثاء، يقول لنا مالك أنه يشعر بالمسئولية عن اعتقال شرقاوي، صاحب صوت حر، لأن مالكا أيقظه كي يبيت مكانه، فكانت النتيجة أن اعتقل شرقاوي. مالك من الإسكندرية، وقد صارت له ليال أربعة يبيتها في الاعتصام.

الخامسة والنصف مساء الثلاثاء، لا أنتبه لكل التحذيرات التي تصب علي بأن صبر الأمن قارب على النفاذ. أتذكر نصيحة/شبه-أمر هاني عنان بأن لا أطيل المكوث في الاعتصام تلك الليلة، وأنوي الذهاب من الحادية عشرة مساء إلى ما بعد منتصف الليل بقليل، كي أستعد للسفر في الصباح التالي.

السادسة والنصف مساء الثلاثاء، يصلني خبر اعتقال كمال خليل، وابراهيم الصحاري، ومالك.

وجهت لدفعتي المعتقلين تهم متنوعة، تبدأ من إشغال الطريق، مرورا بالاعتداء على موظفين عمومين أثناء تأدية وظائفهم، انتهاء بإهانة رئيس الجمهورية، وأمر بحبس الجميع خمسة عشر يوما على ذمة التحقيق، وهم حاليا في طرة. عددهم كبير، وهو شيء مطمئن لهم، وعلى حسب رسالة منهم، فإن حالتهم عموما لا بأس بها. يجري الآن البحث عن الدفعة الثالثة من الذين اعتقلوا أمس.


"قبيلة غربية"

أثناء اكتشافي لآخرين يحملون اسم غربية من غزة، ومن الخليل والقدس، وحكايات عن أولياء مغاربة وجدود لنا من إشبيلية، لفت محمد انتباهي وانتباه أخي إلى مدونة سامي بن غربية. كتبت لسامي من فوري، ووصلني الرد:

أنا يا أخي كما تعلم تونسي من مدينة بنزرت الواقعة في أقصى الشمال التونسي، مدينة بحرية جميلة جدا. تعتبر عائلة بن غربية أو بالغربية من أعرق العائلات في مدينة بنزرت و بالتحديد من حي القصيبة ، بكسر الصاد. و هو الحي الشهير الذي يحيط بالميناء القديم لمدينة بنزرت. أنا الآن لاجئ سياسي بهولندا بعد أن فررت من تونس سنة 1998. أنشط مند 5 أعوام على الأنترنت و أدير مع ثلة من أصدقائي موقعين تونسيين معارضين للنظام التونسي.

الموقعان هما نواة، ويزي (كفاية باللهجة التونسية). يزي هي مظاهرة إلكترونية تنادي "بن علي فُك!"؛ أطلقت مع القمة العالمية لمجتمع المعلومات في أكتوبر الماضي، ومنعت في تونس بعد إطلاقها بثماني عشرة ساعة، وهو طبقا لسامي، رقم قياسي جاءت معه تغطية إعلامية واسعة. يشرف سامي أيضا على مدونة الجمعية التونسية للنهوض والدفاع عن فضاء شبكة المعلومات.


رنوة من لبنان إلى غزة

قابلت رنوة يحيى أول ما كان على الشاطئ في سيناء. لفت نظرها كتاب أقرأه يحكي سيرة "كمال جنبلاط: الرجل والأسطورة"، من منشورات دار النهار. شرحت لها كيف أنني مضروب بلبنان وتاريخه المعاصر، وأخذت أحكي عن هروبي إلى هناك لثلاثة أيام من أجل حفل لروجر ووترز (موسيقاه وبنك فلويد من أفضل ما أفقه فيه في هذه الدنيا)، ولكن أيضا لأسير في الشوف صعودا من الساحل وحتى دير القمر وبيت الدين، وعن لعبة ألعبها في كل مدينة جديدة: اشتريت خريطة لبيروت، وقدمت من صيدا إلى الكولة، ثم تهت عمدا كي أصل إلى المتحف الوطني عن طريق الحمراء:

"من فضلك، كيف أصل إلى كورنيش بيير الجميل؟"
"دعني أرى. أنا وصلت هنا البارحة، لكنك إذا سرت في هذا الشارع حتى ميدان العدلية، وانحرفت يسارا عنده، تجد كورنيش الجميل"
"يسلموا"
روجر ووترز في بيروت

المتحف نفسه دفعني إلى أن أسميه "المتحف المصري في بيروت"، فمعظم المعروض إما مصري جاء بالتجارة، أو كنعاني متأثر بالمصرية. في مكتب صديق لي سألني المدير عن رأيي في لبنان، ودعا أن يسامحني الله عندما أجبت أنها جميلة، وجديدة. نصف بنايات بيروت إما جديدة بناها الحريري بالديون، وإما تعود لعقود، أو نصفها الذي بقي من الحرب بعد أن احتمل الصواريخ.


أبو خليل لطفي

شارع شبرا رقم 2

أذكره في الثمانينيات في الكويت كأكبر عجوز من أصدقاء أبي، وفي التسعينيات في مصر، وقد صار أصغر مما كان. ولد في حي القلعة عام 1920، أي أنه أصغر من جدي الذي كان صديقه أيضا.

أما لوحته شارع شبرا رقم 2، التي لم أعرف أنها له إلا بعد سنين، فقد نظرت إليها مرات كثيرة أوقات العصر، حين ينام الجميع. كنت أتسلق طاولة الطعام السوداء ضعيفة الأرجل، وأتحسس ضربات فرشاته، ثم أحاول تقليدها لاحقا في كراساتي، بلا جدوى.

اليوم أنشأت له صفحة على ويكيبيديا العربية.


كشفت راسي واتجهت

يا ام العواجز
يا بنت بنت النبي
شاكي لكي همي
في يوم أربع حزين
في يوم أربع يتيم
ستاشر ربيع تان
ولادك انداسوا
بناتك اتلمسوا
في قاهرة مولاي
ح نقيد لكم شمعة
يا سعدي من دمعة
ترجع لنا رابعة
تطلق صراخ الشعب
أول طريقي صعب
أرجع في يوم أربع
أكنس عليكو الباب
يا ست يا طاهرة
دول ظالمين أحباب
يعود لهم في عينهم وعافيتهم
يا رب
قادر يا كريم


شكرا علاء على الفكرة


عزيزي الأستاذ تشومسكي... عزيزي عمرو غربية...

"حقوق الملكية ليست كباقي الحقوق، على العكس مما يزعم ماديسون وجزء كبير من النظرية السياسية الحديثة. حقي في التعبير الحر لا يتعارض مع حقك في التعبير الحر. أما أن أمتلك شيئا، فهذا يتعارض مع امتلاكك له: أنت لا تملك الشيء، لأن أنا أملكه. لذا، فإن حق الملكية يختلف كثيرا عن حق حرية التعبير. غالبا ما تصور حقوق الملكية بشكل مضلل جدا، فالملكية ليست حقا. إذا أردنا أن نعقل الأمر، قد يمكن للمرء أن يحاج أن هناك حق للملكية، لكنه حق مختلف جدا عن باقي الحقوق".--نعوم تشومسكي

ما يجري بين المدونين والدستور ذكرني بمقال ترجمته لينشر في صحيفة القاهرة الأسبوعية. المقال أصله الإنجليزي نشرته الجارديان لنعوم تشومسكي (الذي يدون في زينت). ظننت أنها فرصة جيدة كي أعبر عن تقديري للرجل الذي أحترمه كثيرا، فكتبت أستأذنه في النشر بأثر رجعي (فوجئت بنشر المقال التي أرسلتها كعرض لما يمكن أن أضيفه، ولم أتلق من الصحيفة ردا أو شكرا إلى اليوم). أجابني الأستاذ أنه لا يمانع، إلا أن القرار راجع للجارديان، والمسئولية واقعة على القاهرة، وأنه سعيد بخطابي. هكذا.


حق العودة

بهجت أبو غربية
لا زلت أذكر الاسم الكامل لصديقي السوري الأصهب ابن الصوفية ونحن في الثامنة من العمر: محمد وَرَع بن عبد الحميد بن عبد القادر بن صالح بن الشيخ حسن بن الشيخ حسين بن جمال الدين أغا تاتاري--أصر دائما أنها: "كانت طاطاري فجعلوها تاتاري". لم أكن أعرف اسم سلفي السابع، أو السادس، أو حتى الرابع. انتظرت شتائا وربيعا وصيفا حتى نعود إلى مصر في العطلة لأسأل جدتي. لا أعرف إلى اليوم اسم جدي السابع، وأي نوع من الناس كانوا جدودي ومن أين أتى صاحب اسم العائلة: البعض يقول من فلسطين. زادت حيرتي عندما عرفت أن حتى اسم العائلة قد اختصر في القرن الماضي.

ولد بهجت عليان أبو غربية في خان يونس عام 1916، قبل مولد جدي حسين غربية ببضعة أشهر، وأمضى معظم حياته في القدس حيث تكسب من العمل معلما، وصحافيا، وناشرا، وبذل في العمل مناضلا ما دعا أن يعرف اليوم "بشيخ المناضلين الفلسطينيين". شارك في انتفاضة فلسطين 1933، وفي ثورة 1936-1939، وفي حرب 1947-1948 كقائد في "جيش الجهاد المقدس"، وخاض معركة القسطل حيث استشهد عبد القادر الحسيني، وجرح واعتقل مرات عديدة.

انضم إلى حزب البعث العربي الاشتراكي في الأردن عام 1948، وشارك في تأسيس فرع الحزب في رام الله 1952، وأصبح عضوا في القيادة القطرية الأردنية 1949-1959، ثم اختفى لعامين ضمن القيادة القطرية السرية للحزب. هو عضو في المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ تأسيسها إلى 1991 حين استقال اعتراضا على اعتراف المنظمة بالقرار 242، ومن وقتها، صار يشدد على عدم جدوى المفاوضات، ويشجع المقاومة العربية بكل صورها، بدءا من خارج فلسطين. الاستعمار الصهيوني، في نظر أبو غربية، مشكلة بدأت منذ مئة عام، وسيحلها الازدياد الطبيعي للسكان في غضون مئة عام أخرى، أي ذات الوقت الذي عاشه الاستعمار الصليبي منذ قرون. لم يكن أبو غربية يتوقع أن يتراجع الانتداب البريطاني بعد ثورة 1936-1939. في نظره، المستقبل العربي يبعث على التفاؤل والأمل.


الأرشمندريت عطا الله حنا

الأرشمندريت الأب الدكتور عطا الله حنا

عربي من الجليل. ولد عام 1965. درس اللاهوت في جامعة تسالونيكي في اليونان، وعاد كاهنا في كنيسة القيامة، ثم رسم أرشمندريت وناطقا رسميا باسم الكنيسة الأرثوذكسية في القدس والأراضي المقدسة، وهو أيضا أمين سر المجلس المختلط الإكليريكي العلماني لبطركية الروم الأرثوذكس بالقدس.

درس التربية الدينية المسيحية في مدرسة مارمتري في القدس، والمدرسة الأرثوذكسية في الرملة، وفي الكلية العربية للتربية في حيفا، ثم كأستاذ لتاريخ الكنسية والحضارة العربية والتربية. أسس حركات للشبيبة، ووضع منهجا مدرسيا موحدا للمسيحية، وألف ونشر، وأشرف على إذاعة، وعمل على التقريب بين الكنائس، وبين المسيحيين والمسلمين في الشرق. شارك في لجنة القدس، وفي المؤتمر الإسلامي. سافر وتحدث عن ظلم إسرائيل.

اعتقلوه في مركز تحقيق المسكوبيه--الاسم الذي أطلقه المقدسيون على طلائع القادمين من موسكو، فأهم صفاتهم أنهم روس، وليس أنهم يهود--في 22 أغسطس 2002 بعد أن أيد المقاومة الفلسطينية بكل صورها، وهو أول رجل دين مسيحي يؤخذ من أمام كنيسته، وهو إلى اليوم ممنوع من مغادرة القدس.


لَقِّم المحتوى