حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

رأسمالية

النظام المصرفي: نعبي الشمس في قزايز!

كان رداء توجا و الحزام و الصندل الجيد مما يلبسه علية القوم في روما القديمة عندما كانت من كبريات حواضر العالم يكلف مشتريه أونصة واحدة من الذهب. اليوم، أي بعد ما يزيد على ألفي عام، تكلف حلة و حزام و حذاء جيد في واشنطن أو نيويورك، حاضرة عالم اليوم، تسعمائة دولار مثلا--يدفعها ألان جرينسبان من ماله الخاص، و هو كم من البنكنوت يمكن أن نشتري به وزنا من الذهب يبلغ أونصة واحدة . هل التضخم ضروري؟ ما هو البنكنوت، و لم ظهر، و كيف تغير؟

تاريخيا، و إلى اليوم في بعض الحالات، استعمل الناس المعادن النفيسة، خصوصا الذهب و الفضة، كمخازن للقيمة، بالإضافة لأشياء أخرى: القواقع؛ الزجاج الملون... و على الرغم من أن الذهب حقيقة لا قيمة له، فهو لا يشبع و لا يكسي، إلا أنه مقبول في العالم بأسره مخزنا أساسيا للقيمة، و بالتالي مقياسا لقيم الأشياء الأخرى، أي نقودا تشير إلى قيمة محتملة، و تسهل التجارة في السلع و الخدمات. إلا أن التصرف في الذهب و العملات الأخرى أمر مرهق، فالذهب معدن ثقيل و هو عرضة للسرقة، و بالتالي يتطلب اهتماما و حراسة تخصصت في توفيرها المصارف، و أتت معها درجة أخرى من تجريد القيمة هي النقود الورقية.

النقود الورقية في أصلها صكوك، و منها الكلمة اللاتينية التي أعدنا استيرادها "شيك". هي تعهد قانوني برد القيمة التي يحملها الصك ذهبا. صرنا نترك ذهبنا في المصارف التي تعطينا نقودا ورقية نتداولها فيما بيننا لأنها تشير إلى ذهب يشير إلى احتمال قيمة حقيقة في صورة سلع و خدمات نافعة. تداول الصكوك مبني تاريخيا على التزام قانوني بصرفها ذهبا من المصارف. أي مصرفي يحترم هدفه في تعظيم أرباحه سيدرك سريعا جدا أن بإمكانه خلق نقود ورقية--يتداولها الناس في صورة بنكنوت و شيكات ورقية--حتى لو لم يكن عنده غطاء ذهبي لها، فالخبرة توضح أن نسبة ضئيلة جدا من الناس سترغب في صرف نقودها ذهبا في ذات الوقت. كل ما عليه هو أن لا تتجاوز أضعاف النقود المخلوقة من لا شيء حدا معينا كي لا يشعر الناس بضعف الثقة في إمكان صرف أموالهم، و تنهار الثقة في المصرف. و هكذا، بدأت المصارف تعمل على خلق الائتمان من لا شيء. تصور نفسك تطلب قرضا من البنك لتمويل شراء سيارة أو عقار ما. كل ما على المصرف أن يقوم به هو أن يقيد في دفاتره أنه قد أضاف إلى حسابك كمية من المال دون أي يخصمها من أي مكان آخر، و هو بالتالي يخلق النقود من لا شيء. هذا أمر لا يقتصر على البنوك المركزية، بل يتعداها إلى كل البنوك التجارية و الاستثمارية.

دلت خبرة الائتمان أنه من الحكمة وجود حد ما من الأصول التي تغطي جزءا من القروض، و هو حد قدرته لجنة بازل ب10%. إذا كان رأس مال المصرف ألفا ، فإنه سيقرض عشرة آلاف مستخدما ذلك الغطاء. بعض البنوك و البلاد لا تلتزم بمعايير بازل تلك، و تقرض ثلاثين ألفا لكل ألف. لكن تعقيد الأمور يتعدى ذلك. من يقترضون النقود لا يصرفونها كلها أوراقا، بل يتركون أغلبها في حساباتهم أو يدخلون في تعاملات بدون بنكنوت--في ذات المصرف أو في مصارف أخرى، لا فارق. تعامل هذه التحويلات كأنها إيداعات جديدة مضمونة ضمان الألف الأولى، و بالتالي يستخدمها المصرف كغطاء لمزيد من الإقراض، و هكذا. نظريا، إذا التزمت المصارف بمعيار بازل--، يصير بإمكان النظام المصرفي أن يستخدمها لإقراض ما يقارب التسعين ألفا: حوالي تسعين مرة قدر رأس المال الذي يفترض أنه يساوي ذهبا مودعا في مكان ما. كل هذا غريب و لكنه لا يزال معقولا، إلا أنه ليس كل شيء، فهناك خطوة أخرى تحول المصارف التقليدية--بما فيها البنوك المركزية التقليدية--إلى البنوك الحديثة.

ورقة بنكنوت من فئة صفر دولار: إصدار بنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي. يصدر البنكنوت بلا أي غطاء حقيقي.

يصدر البنكنوت بلا أي غطاء حقيقي. الواقع أن بريطانيا بدأت في العام 1931 التخلي عن قاعدة الذهب (مقابلة البنكنوت بغطاء حقيقي من المعدن النفيس)، و هي نزعة أنهتها الولايات المتحدة بتخليها هي الأخرى عن أي غطاء حقيقي لنقودها في 1971. كان الغطاء الذهبي الجزئي الذي كان يوفر لعملاتها قدرا محدودا من الاستقرار--عشر استقرار، اذا اعتبرنا أن الغطاء الذهبي الكامل يساوي الاستقرار الكامل. أنا شخصيا لا أرى فائدة للذهب تدعو لاعتباره مخزنا للقيمة. كل عملات اليوم لا تغطيها إلا سلطة القانون و الشرطة، و كثير من دول العالم تجرم رفض قبول البنكنوت التي تصدره كوسيلة إبراء للذمة.و على الرغم من غرابة هذا الموقف بحد ذاته، فإن علاقة الدولة بالبنوك أغرب و أغرب.

الدولة نظام سيء، و لأنها نظام سيء فهي تخسر الأموال. تمول الحكومة عجز موازنتها بالاقتراض، فهي تصدر أذون الخزانة و تطرحها في السوق، على وعد أن ترد قيمتها حال الطلب. في الظروف الطبيعية، يفترض بالناس أن يشتروا أذون الخزانة ليقرضوا الحكومة، و يحصلوا على عائد قليل بالمقارنة بعائد الاستثمار المباشر، إلا أنه مضمون تماما كمدى ثقتنا بالحكومة، و من لا يثق في الحكومة؟ و لأن الحكومة لا تنتج أي إنتاج حقيقي، وبالتالي لا تستطيع الوفاء بديونها للناس، يوجد البنك المركزي لينقذ الحكومة. يشتري البنك المركزي كميات كبيرة من أذون الخزانة، و يسدد الثمن بنقود يخلقها من لا شيء، فالبنك المركزي صاحب احتكار طبع النقود بسلطة قانون الدولة. أي أن البنك المركزي يقرض الحكومة، التي هي مفوضة من الناس لإدارة شؤونهم و أموالهم العامة، و يحصل على ذلك فائدة. المحصلة هي أن هناك كيانا قانونيا أنشأته الدولة، يحصل فوائد على الأموال التي يقرضها لعين تلك الدولة. تمول الدولة القروض و الفوائد من حصيلتها من الضرائب التي تفرضها على الناس--بقوة القانون و الشرطة أيضا--و من موارد أخرى.

الأغرب من كل ما سبق هو أن النظام المصرفي يخلق الأموال التي تشكل أصل الدين، لكنه لا يخلق الأموال التي تشكل فوائد الدين. من أين يفترض أن تأتي تلك؟ نتيجة هذا هو أن أساس نظام الائتمان يعتمد على عدم استطاعة كل المدينين الوفاء بديونهم. فكم النقود الكلي لا يكفي لسداد أصل و فائدة الديون لكل الناس. تفليس البعض أمر حتمي. و في الديون طويلة الأجل--كالدين العام للحكومات و الرهون العقارية مثلا--، يتعدى إجمالي الفوائد أصل الدين بكثير. لن تزيد النقود لسداد بعض تلك الديون إلا بمزيد من الديون. نتيجة النظام المصرفي القائم على الائتمان و احتكار إصدار النقود هو أنه يسحب الثروة من الناس إلى المصرفيين، إما مباشرة من خلال تعامل الناس مع البنوك، أو عن طريق تمويل الناس للقروض التي تحصل حكوماتهم عليها من البنوك المركزية، أو من خلال زيادة البنك المركزي للمعروض من النقود من لا شيء، مما يخلق التضخم الذي نتصوره زيادة في الأسعار، في حين أن التضخم هو إثراء الأغنى على حساب الأفقر.

هذا هو نظامنا النقدي. إذا لم يكن هناك دين، لن تكون هناك نقود مارينر إس. إكلس -- رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي

Syndicate content