حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

سيداتي سادتي، نحن نسبح في فضاء

مصر. محمود توفيق

ما يحكمش

نجلس أنا ومحمود الساعة الثالثة صباحا خارج مطعم فطير في شارع التحرير. تصل لأذناي كلمات صاحب المحل وجارته الست هدى الجالسان على الطاولة بجانبنا: "كفاية"؛ "أيمن نور". يقرر محمود أن نسألهما إن كان بإمكاننا الانضمام إليهما. بدأنا الحديث من أن كل شيء عائد إلى وضعه الطبيعي بعد الانتخابات، وانتهينا إلى أن شيئا ما يحدث، وإيدي على كتفك. أخبرناهما عن مظاهرة مساء هذا اليوم قبل أن نودعهما ونوقف سيارة أجرة.

ننزل من سيارة أجرة أخرى السادسة مساء في ميدان طلعت حرب، ومعنا علاء. نلاحظ عدم وجود أمن مرة أخرى. يسألني علاء: "مسيرة تاني؟"، إلا أن الحشد ينزل إلى الشارع من جراء نفسه قبل أن ننجح في العثور على من نكلمه من شباب التغيير. يتحول العشرات الواقفين على رصيف مدبولي إلى مئات في ميدان التحرير، ثم الألوف في شوارع وسط البلد. أبحث عن الست هدى أثناء مرورنا أمام المحل، إلا أنها تجدني قبل أن أجدها. تسلم بحرارة، وتتلفظ بكلمات لا أسمعها من ضجيج المظاهرة، ثم تختفي وسط الجموع.

يذكر المسح السكاني الصحي - مصر 2000، والصادر عن المجلس القومي للسكان بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، أن نسبة من هم فوق سن الثامنة عشرة الآن، أي في سن الممارسة السياسية، تبلغ 65.30%. إذا قبلنا تقدير سكان مصر يوم 30 يونيو 2005 بـ69,795,950 نسمة، وهو تقدير مبني على سلسلة من تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء--التي هي دائما أقل تقديرات عدد السكان، وبالتالي تعطي نسبة أكبر لعدد المشاركين في الانتخابات الأخيرة--نخرج بأن عدد من هم في سن الممارسة السياسية يبلغ 45,576,755 مصريا ومصرية.

تزعم وزارة الداخلية--ومؤخرا لجنة الانتخابات الرئاسية التي هتف المتظاهرون ببطلانها وبطلان رئيسها المستشار ممدوح مرعي--أن وصل إلى 31,826,284 ناخبا، أي بنسبة 68.8% ممن في سن الممارسة السياسية. إذا أخذنا من دفعوا بأنفسهم للتصويت مقياسا لتقدير حجم شعبية مبارك ونور بين المصريين، نجد أن أصوات مبارك الـ6,316,784 تعني أنه يحظى بتأييد 13,9% من المصريين كحد أقصى، بينما يؤيد نور 540,405 بنسبة 1.19% على الأقل. أي أنه بعدم أخذ التزوير الذي يتم دائما في صالح مبارك، فإن حجم شعبيته لا يزيد إلا 11.6 مرة على شعبية نور. يبقى أن نذكر أن نتائج الانتخابات الأخيرة المأخوذة عن الجزيرة تتعارض فيها الأرقام مع النسب.

واقعيا، ينخفض الفرق بين حجم شعبيتي مبارك ونور كثيرا في وجود تقديرات سكانية أخرى، وفي وجود عملية انتخابية أكثر سلامة وشفافية، وفي عدم وجود حالة الطوارئ. بعيدا عن نور ومصداقيته وما حوله من أسئلة تنفر عنه الكثير من طوائف المعارضة، يبدو الواقع أن حجم مؤيدي النظام في مصر ليس بالغ الكبر مقارنة بحجم معارضيه، وأن الغالبية الساحقة من المصريين، حوالي 84%، يقفون في الأعم معارضين للنظام والمعارضة معا، ثم معارضين للنظام فقط، ثم مؤيدين صامتين للنظام ومعارضين صامتين للمعارضة.

الأربعاء الماضي أدليت بصوتي في الانتخابات صباحا، وراقبتها في الضحى، ثم هتفت ببطلانها باقي النهار. بعد زيادة الاهتمام بالانتخابات في مصر، يمكن للمصريين أن ينشطوا في هذه الاتجاهات الثلاثة: حث الناخبين المسجلين على المشاركة في انتخابات مجلس الشعب القادمة التي تحل في نوفمبر ولن يكون بوسع غير المسجلين استخراج بطاقات، وسيضطرون للانتظار حتى انتخابات مجلس الشورى والمحليات التي تليها. إذا صح القيد التلقائي بدءا من مواليد 1982 الذين بلغوا الثامنة عشرة وقت انتخابات 2000 التشريعية، يصبح لدينا نحو الـ15% من الناخبين (6,820,137 شابة وشاب) بإمكانهم الإصرار على الانتخاب ببطاقات الرقم القومي. الاتجاه الثاني هو زيادة رقابة المجتمع المدني، ناهيك عن مندوبي مرشحي الأحزاب--رفض حزب الغد لقلة حكمته قبول تطوع غير أعضائه كي يصبحوا مندوبين عن أيمن نور في الانتخابات الأخيرة.--مطلوب أخيرا إصلاح النظام الانتخابي برمته بدءا من إشراف القضاة الجالسين فقط، مرورا بحالة الطوارئ والحريات، ونهاية ببديل يستخدم تقنيات أكثر حداثة.


لَقِّم المحتوى