حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

سيداتي سادتي، نحن نسبح في فضاء

ملكية فكرية

حالة نقل أخرى في كتاب قاض مصري عن المدونات

بعد بيان الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن "تعدي القاضي عبد الفتاح مراد" على الشبكة بنقل ما يزيد على خمسين صفحة من تقريرها خصم عنيد: الإنترنت و الحكومات العربية و منظمات حقوقية أخرى متضامنة معه، كتب القاضي إلى جمال عيد، المدير التنفيذي للشبكة، و اعتبر "تقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان - كوثيقة نعتز بها ونفخر بالإشارة اليها- من الوثائق التى ينطبق عليها نص المادة (141/ اولا ، ثانياً) باعتباره وثائق رسمية وتقارير لجان إدارية وأخبار للوقائع الجارية فى المجتمع العربى صادرة من شبكة عربية معترف بها ولا تشملها الحماية طبقا للمادة 141 التى سيلى ذكرها من قانون الملكية القكرية رقم 82 لسنة 2002..."، إلا أن هذا ليس كل شيء، فالنقل يشمل المدونات كما شمل تقرير الشبكة.

الصفحات من 196-214 من الكتاب منقولة في مجملها هي أيضا عن دليل التدوين على بلوجر الذي نشرته بنت مصرية في مايو 2006، مع تقديم بعض الأجزاء و تأخير أجزاء أخرى، و تغيير قليل في العبارات حتى لا يتطابق النصان تماما، بدون أي إشارة على الإطلاق للمصدر هذه المرة.

ما يثبت أن تشابه النصين ليس صدفة أو توارد خواطر هي عبارة من نوع "انتظر عدة أيام ليتم ادراج مدونتك، وبعدها يا فندم ستظهر اى تدوينة جديدة لك فى مجمع المدونات المصرية" تظهر في دليل بنت مصرية و في صفحة 215 من الكتاب، بالإضافة إلى صورة تظهر ذات الكاتشا (أسلوب للتأكد أن من يجري عملية ما على وب إنسان و ليس آلة). الرمز الظاهر في الكاتشا يولد عشوائيا و لا يتكرر مرتين في بلايين المرات أو يزيد.

القضية ليست قضية ملكية فكرية، فالعصر الذي نعيشه تحظى فيه الملكية الفكرية بحماية قانونية زائدة عن اللازم لدرجة تقيد الإبداع كثيرا--تخيل مثلا أين ستصبح الثقافة المصرية اليوم إذا ما احتكر أحد المصريين القدماء القالب الغنائي للموال، أو إذا سجل أحدهم السيرة الهلالية باسمه و نشرها في كتاب في بدايات العصر العثماني، و منع إنشادها إلا بحصوله على المعلوم نسبة من الإيراد. حقوق الملكية الفكرية أيضا تمنع العلم و الدواء عن الأكثر فقرا في عالم الشركات متعددة الأبعاد الذي نعيشه اليوم، و الذي سيمنع عنهم إطعام أنفسهم قريبا بتسجيل حقوق ملكية للأنواع الأحيائية المهندسة جينيا.

القضية هي أن هناك تعارضا واضحا بين تحذير المؤلف الشديد من النقل عن مؤلفه، و الذي يستعين فيه بأصول البحث العلمي و مبادئ الأخلاق و الشرائع السماوية و الأرضية، و ما يروج له في متن الكتاب نفسه أن على المدونين تحري الدقة العلمية و الأمانة بالإشارة إلى المصادر التي يأخذون عنها، و يشير في معرض ذلك إلى دليل منهجية بحث علمي ألفه بنفسه من ناحية، و بين النقل غير الأمين الذي مارسه المؤلف في ذات الكتاب عن مصادر أخرى. بالإمكان التغاضي عن ذلك النقل إن كان الناقل صحافيا مثلا، فالمعايير الصحافية المصرية ليست دقيقة بما هو كاف، و النقل وارد أيضا في المؤلفات حتى الجامعية منها، إلا أن الناقل في هذه الحالة رئيس محكمة عليا، أي أن بالإضافة لإشرافه على الانتخابات التي تقرر الكثير في حياة المصريين، فإن لا راد لقضاءه على الأرض. و هنا الخطورة، أن يطالب الناس الالتزام بقواعد بينما لا يلتفت هو إليها.


عرض لكتاب قاض مصري عن المدونات: صفر من عشرة

"...و يجب على من يرغب في الرجوع إلى مؤلفاتنا أن يقوم بوضع الفقرة التي رجع إليها بين قوسين و أن يشير صراحة إلى اسم المؤلف و اسم المرجع و لا يزيد الاقتباس عن سطرين على الأكثر طبقا للمواصفات القياسية المصرية و الدولية المنشورة في كتابنا (أصول البحث العلمي و كتابة الأبحاث و الرسائل و المؤلفات). و نحن نحذر من إتيان مثل هذه الجرائم من غيرهم على أبحاثنا مستقبلا مع حفظ كافة الحقوق القانونية الجنائية و التأديبية و المدنية.

"كما أن الاعتداء على حقوق الغير يخالف الأديان السماوية و سوف يعاقب مرتكبه العقاب الشديد من الله سبحانه و تعالى كما يتعارض هذا الفعل غير الأخلاقي مع الأخلاق النبيلة التي يجب أن يتحلى بها الإنسان و العلماء."

[القاضي المستشار الدكتور عبد الفتاح مراد--من صفحة "تحذير و تنبيه" في أول و آخر الكتاب.]

نشر القاضي المستشار الدكتور عبد الفتاح مراد، و هو رئيس محكمة استئناف الإسكندرية، و الحاصل على دكتوراة في القانون العام المقارن مع مرتبة الشرف الأولى، و الأستاذ المحاضر بالجامعات، مجلدا أسماه "الأصول العلمية و القانونية للمدونات على شبكة الإنترنت". الناشر غير مذكور، مما يشير إلى أنه قد يكون مطبوعا على نفقته و بمعرفته، راسلت الدكتور على عنوان البريد الإلكتروني المذكور على مدونته و أيضا على غلاف المجلد سائلا إن كان يمانع أن أعرض للكتاب، فأجابني "اشكرك على تعليقك ، وردا على استفسارك بخصوص مؤلفنا فارسلت لك خطة بحث المؤلف لإطلاع ويمكننى ارسال نسخة بالبريد اليك او يمكنك شراء النسخة وسعرها 100 جنية من الموزعن المعتمدين او من معرض الكتاب ."

المجلد يضم 804 صفحات من القطع الكبير، يبدأ و ينتهي بتحذير المعتدين على المؤلفات العلمية من نقل أجزاء منه، تليه آيات من القرآن و حديث، و إهداء إلى العراق أرض المعلقات و الدواوين و التدوين، ثم قصيدتي بغداد يا قلعة الأسود لمحمد حسن اسماعيل، و بغداد لأحمد رامي. يلي ذلك كله و يسبق المقدمة قسم الكتاب الذي يقسم فيه القارئ بالله العظيم "أن نسخة هذا الكتاب التي في يدي هي نسخة مشروعة و غير مصورة و ليس فيها أي اعتداء على حق المؤلف و ذلك لأن الاعتداء على حق المؤلف يتعارض مع الأديان السماوية و القانون و الأخلاق النبيلة..."، ثم مؤلفات الكاتب الكثيرة من الموسوعات و الكتب و البرامج التي تتناول موضوعات الحوسبة و موضوعات قانونية أخرى.

يبدأ باب الكتاب الأول بمحاولة تعريف المدونات. يقترح المؤلف إطلاق اسم المعلقات على المدونات، لما له من أساس في التراث العربي، و لسبب آخر يتعلق بشبه لا أراه بين معلقات الشعر العربي و برمجيات التدوين. يرى المؤلف أيضا شبها بين برمجيات المدونات و حدائق بابل المعلقة.

الباب الثاني يبين "الحكم الشرعي للمدونات في الأديان السماوية"، رغم أنه لم يتطرق إلا لرأيه فيما يرى الإسلام دون باقي الديانات في المدونات، و الإعلانات التجارية، و نقل الشائعات و الأخبار في المدونات، بالإضافة إلى "الحكم الشرعي و ضوابط نشر الصور و الوسائط المتعددة على المدونات و شبكة الإنترنت"، و "الحكم الشرعي لقضاء ساعات طويلة أمام المدونات و الإنترنت".

يخصص الكتاب الباب الثالث لنشأة المدونات في مصر و العالم، و الرابع للأسباب النفسية و الاجتماعية و الاقتصادية لنشأة المدونات، و الخامس للطبيعة الفنية و القانونية للمدونات، الذي يعرض فيه ضمن ما يعرض لاستخدام المدونات في تسهيل الأنشطة الإرهابية غير المشروعة، و السادس للاستخدامات الفنية المختلفة للمدونات، في السياسة و التجارة و لأغراض اجتماعية أخرى.

يخصص الكتاب صفحات عديدة عن منهجية البحث الأكاديمي الذي يجب أن يلتزم به المدونون كأصل علمي، مع أن المدونة تشكل نظام إدارة محتوى غير ملائم على الإطلاق ﻷي نشر علمي، بينما يفوت الكتاب أن يذكر أي معايير صحافية يمكن للمدونين و الصحافيين المصريين كذلك الاسترشاد بها عند كتابة التقرير الصحافي--يجدر بنا هنا أن نذكر أن التدوينات التي تشكل ممارسة للصحافة الشعبية قليلة جدا بين المدونات، ناهيك عن ما يطلبه الكتاب من بحث في المراجع العلمية و المكتبات للحصول على مصادر للتدوينات--أتخيل الآن المدون المحترم عمرو عزت و هو يقلب في بطاقات فهارس مكتبة مبارك أملا في العثور عن مراجع موثقة لتدوينته عن الست حمدية التيتي.

يضيف الكتاب قائمة موسعة بالتصنيف العشري الذي تستخدمه المكتبات، و هو عموما يشدد على أهمية الحفاظ على الآداب في المدونة، سواء من صاحبها أو من المعلقين على ما يكتبه، و هو لهذا يقترح قائمة بالموضوعات التي يمكن عمل مدونات فيها تكون مفيدة و مثمرة و في حدود القانون.

الكتاب أيضا، رغم ذكره لما يرتكبه أو يمكن أن يرتكبه المدونون من أنشطة مجرمة (تكدير السلم العام؛ إرهاب؛ ازدراء أديان؛ إهانة رؤساء و ملوك دول أجنبية، و ممثليهم في مصر، و موظفين عموميين؛ تشويه صورة الوطن) لا يذكر أمثلة موثقة باستثناء حالة عبد الكريم نبيل سليمان، و في هذه الحالة لم يتطرق إلى اختطاف عبد الكريم من منزله في نوفمبر 2005 و احتجازه لأيام بدون إجراء قانوني، أو ما جرى معه من إساءة استغلال النيابة لسلطتها بتكرار حبسه الاحتياطي قبل توجيه اتهام له على ذمة التحقيق، و كأن وجوده خارج الحبس يمثل خطرا وشيكا و حالا على غيره يستوجب تحديد إقامته.

يسرد الكتاب أمثلة لجرائم يسأل عنها المدونون، و يأخذ موقفا سلبيا من موضوع المسائلة عن محتوى على وب مخرن في خادوم يقع خارج النطاق القانوني لمصر، فهو يرى أن "الاختصاص بهذه الجرائم طبقا للقانون المصري نفاذا لحكم المادة 217 إجراءات جنائية يكون بالمكان الذي وقعت فيه الجريمة أو الذي يقيم فيه المتهم أو الذي يقبض عليه فيه". بذات المنطق، يمكن محاكمة الصحافي المقيم في مصر و الذي ينشر في جريدة تصدر خارجها، أو محاكمة المتظاهرين المصرين في الدنمارك لأنهم يقمعون حرية التعبير بالتعريف الدنماركي، أو محاكمة متحدث لقناة فضائية من شوارع مصر لأنه يرى ما لا يعجب قاض أو مشرع في تونس مثلا.

يؤخذ على الكتاب أنه لا يتعرض أبدا، مع خبرة مؤلفه القانونية، إلى أساليب تدعيم الحريات على إنترتت، مقابل تفصيل ما يجرمه القانون المصري، و ذكره لبنود عديدة من قانون العقوبات 58/1937 تتعلق بالقذف و السب و إفشاء الأسرار، و جرائم الصحف، و إهانة الموظفين، و قانون سلطة الصحافة 148/1980، و قانون تنظيم الصحافة 96/1996، و قانون حماية الملكية الفكرية 82/2002، وقانون الاتصالات 10/2003، و قانون التوقيع الإلكتروني 15/2004، و في توقع اللجوء للقضاء المستعجل، و القضاء العادي، و الدعوى المدنية و الجنائية، وتشجيعه برامج منع إنترنت (صفحة 497). بالمقارنة، لم يذكر الكتاب مدى قانونية ما يجري من التحريات الشرطية عن متهمين محتملين على إنترنت بدون إذن من نيابة أو محكمة مستقلة، أو الحاجة إلى قضاة أصحاب معرفة تقنية كافية بتقنيات وب.

بالإضافة، يذكر الكتاب أمثلة كثيرة لجرائم لا علاقة لها بالنشر على المدونات، كجرائم التجسس الإلكتروني، و الإرهاب الإلكتروني و الجرائم المنظمة، و الجرائم الاقتصادية و غسيل الأموال، و تزوير البيانات في قواعد البيانات على إنترنت. المدونات مجرد تقنية للنشر على وب لا ترهب، و لا تتجسس، و لا تغسل.

يوفر الكتاب أيضا نموذجا لصيغة "صحيفة جنح مباشرة عن واقعة سب و قذف بطريق النشر بشبكة الإنترنت على مدونة إلكترونية" (صفحة 607)، فيها وصف لاحتيال أحدهم على ابنة آخر للحصول على صورتها و تركيبها على صورة فاضحة و نشرها على مدونته، و نموذجا آخرا لصيغة "دعوى تعويض على إدارة مدونة إلكترونية نشرت أخبار أثرت على صالح التحقيقات و مراكز من يتناولهم التحقيق" (صفحة 611)، و صيغة "دعوى تعويض عن الأضرار التي أصابت أحد المتهمين بسبب النشر في مدونة إلكترونية عن تحقيقات جنائية على خلاف أحكام القانون طبقا لنص المادة 163 من القانون المدني" (صفحة 613). أورد الكتاب أيضا أحكاما قضائية متعلقة بالمدونات في مصر ترجع إلى عام 2002، و هي في الواقع أحكام في النشر على وب، و لا علاقة لها بتقنية المدونات

ما يقلقني في الكتاب هو هذا الربط بين المدونات و أنواع من الجرائم التي لا علاقة لها بتقنية المدونات، كالتجسس الإلكتروني و غسيل الأموال مثلا، بل و توفير نماذج لصيغ صحف دعوى على تهم غير موجودة في تاريخ المدونات المصرية. الكتاب الذي يدعي الاقتصار في تناوله على المدونات يتجاوزها في موضوعات عديدة إلى جرائم كاختراق الشبكات و نشر الفيروسات و ما إلى ذلك، و هو أمر يحمل المدونات و من يكتبون فيها ما لا صلة لهم به.

كان يجب على القاضي المستشار الدكتور المعلق عبد الفتاح مراد، رئيس محكمة استئناف الإسكندرية و أشياء أخرى كثيرة، أن لا يتعرض لاقتراح ميثاق شرف للمدونين و لا لمحاولة تنظيم من يدونون، أو لاقتراح قوانين خاصة يحكم بها المحتوى على وب. كان يجب أيضا أن لا يركز كثيرا على ذكر الملكية الفكرية و أخلاقيات و منهجية البحث العلمي القويم، فعشرات الصفحات من الكتاب عن حريات إنترنت في العالم العربي تبدو لي شبيهة جدا جدا جدا في مضمونها و ترتيب محتواها بتقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن الإنترنت و الحكومات العربية--لا يشير الكاتب إلى التقرير كمرجع في متنه كما يشير إلى المراجع التي ألفها هو--و هو الأمر الذي لفت انتباهي فقط ﻷن من هذه الأرقام و التقديرات ما استقاها باحثو التقرير مني مباشرة. النقل غير الصريح عن التقرير يأتي في عشرات الصفحات:

  • الصفحات 476-493 منقولة عن الفصل الذي يعرض لمصر في تقرير الشبكة العربية، مع تغيير بدايات بعض الفقرات كل حين، و إهمال بعض الأسماء المثيرة للجدل هنا و هناك كوائل عباس، و هالة المصري، و جمال مبارك، و أيضا أسماء الشركات الهادفة للربح مثل TEData. المحتوى ذاته يظهر، و إن بتشابه أقل مع المصدر الأصلي، في موضع آخر من الكتاب (صفحات 70-76).
  • الصفحات 77-86 عن تونس هي ذاتها نفس محتوى تقرير الشبكة العربية، مع قلب معنى بعض الفقرات. فمثلا، يأتي في الأصل أن "للوهلة الأولى تبدو تونس دولة عربية عصرية، تطبق مبادئ الليبرالية و الاقتصاد الحر و تعطي المرأة الكثير من الحريات والحقوق... و لكن تحت هذا السطح البراق تختفي حقيقة نظام حديدي...". يحول الكتاب هذا النص إلى "تعتبر تونس دولة عربية عصرية، تطبق مبادئ الليبرالية و الاقتصاد الحر و تعطي المرأة الكثير من الحقوق، وإن يرى البعض أن تنفيذ ذلك على أرض الواقع ليس مثاليا."
  • الأمر ذاته يتكرر في فصول عن حريات إنترنت في بلاد أخرى: السعودية (صفحات 88-95 من الكتاب)، و الإمارات (صفحات 96-102)، و الأردن (صفحات 103-110)، و لبنان (صفحات 111-115)، و قطر (صفحات 116-121)، و عمان (صفحات 122-127)، و اليمن (صفحات 128-132)، و العراق (صفحات 134-142)، و البحرين (صفحات 143-152).

لَقِّم المحتوى