حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

طاقة

تركيز حرارة الشمس و مشروع الكريمات: بداية لبديل طاقة نظيفة

محطة رفع شمسية حرارية، المعادي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اختار المخترع الأمريكي فرانك شومن قرية المعادي جنوب القاهرة ليجرب فيها مشروع توليد الطاقة في محطة شمسية حرارية. اعتمدت المحطة على تقنية تركيز أشعة الشمس المنعكسة من على خمس مرايا قطعية مكافئة طول كل منها 204 أقدام و عرضها 13 قدما. تسمح آلية ميكانيكية بتوجيه المرايا لتتتبع الشمس طوال اليوم. استخدم الضوء والحرارة المنعكسين من على المرايا في توليد بخار يدير آلة قوتها 55 حصانا تضخ 6,000 جالون من الماء في الدقيقة. كان ذلك في العام صيف 1913.

فرانك شومن: مخترع أمريكي طور تقنيات تركيز حرارة الشمس.

فرانك شومن: مخترع أمريكي طور تقنيات تركيز حرارة الشمس.

متأثرا بالكفاءة المذهلة لاختراعه، أعد شومن خطة تغطي 20,250 ميل مربع بالمرايا لتوليد "270 مليون حصان سنويا، و هو كم يساوي كل الطاقة المولدة عن احتراق الوقود [الفحم حينها] المستخرج عام 1909". تمكن شومن من الحصول على 200,000 مارك تمويلا للمشروع من الرايخ الثاني، إلا أن الحرب حالت دون التنفيذ. خسرت ألمانيا مستعمراتها في أفريقيا مع خسارتها الحرب، و انهارت قيمة المارك. توفي شومن قبل نهاية الحرب، و اكتشف النفط في جنوب كاليفورنيا، و فنزويلا، و العراق، و إيران. كتب مرة: "شيء واحد أنا متأكد منه... و هو أن الجنس البشري سيتعين عليه في النهاية إما استغلال طاقة الشمس مباشرة، أو أن يعود للهمجية". اليوم تنفذ الحكومة المصرية ببطء مشروع الكريمات لتوليد الكهرباء بقدرة 150 ميجاواط، منها 30 ميجاواط من تركيز حرارة الشمس، والباقي بحرق الغاز الطبيعي أو المازوت كبديل. عام 1995، أجريت اثنتان من دراسات ما قبل الجدوى بناء على تقنيات الخندق القطعي المكافئي و البرج المركزي، تلتها إرسالية لسولار بايسيز عام 1996. اتفق على تنفيذ أول محطة شمسية حرارية بقدرة 150 ميجاواط، منها 30 ميجاواط مولدة من حقل شمسي بتقنية الخندق القطعي المكافئي. أعدت التصميمات المبدئية و ورقة مبدئية عن المشروع، و قسمت الخدمات الاستشارية على مرحلتين في 1998. في عام 2000 بدأت المرحلة الأولى بدراسة جدوى و تقرير مفصل عنها، تبعتها قائمة بأنسب المرشحين لبناء المشروع في 2001. بعد انخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي في 2002، أصدرت الحكومة قواعد جديدة لمشروعات الطاقة المستقلة لتخفف العبء على الخزانة العامة. كانت النتيجة أن يتم التمويل بالعملة المحلية أو الأجنبية، على أن تدفع الأقساط السنوية من عوائد تصدير المشروع. أجرى البنك الدولي دراسة في مايو 2003 ليرى مدى اهتمام المقاولين الدوليين في المشروع بالقواعد الجديدة. لم يجد البنك الدولي أي اهتمام. في يونيو 2003، اتفقت هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة مع البنك الدولي على أن تتبنى الحكومة المشروع، على أن يشارك القطاع الخاص في التشغيل و الصيانة بعقود مدتها خمس سنين. أعلنت المناقصة العامة في فبراير 2004، وتقدمت لها خمس و ثلاثون مؤسسة. كان متوقعا الشتاء الماضي أن ترسو المناقصة في منتصف 2006، و أن تبدأ المحطة العمل بنهاية 2008. الطاقة الشمسية الحرارية واحدة من أشكال الطاقة المتجددة التي وصلت بالتقنيات الحالية إلى تكلفة تنافس أنواع الطاقة التقليدية، حتى بإغفال التكاليف البيئية للوقود الأحفوري، والمشاكل العديدة للطاقة النووية. يمكن بحلول 2040 أن يولد العالم 5% من طاقته باستخدام تقنيات تركيز طاقة الشمس--حتى مع التضاعف المتوقع للطلب على الطاقة. التقنيات المستخدمة في محطات كهذه تعتمد تماما على ما بدأه شومن في مصر منذ ما يقارب القرن. تعتمد التقنية على تسخين سائل ناقل للحرارة--زيت حراري مخلق مثلا--إلى حوالي 400 درجة مئوية بإمرار السائل في انبوبة تجري في خط بؤرة الخندق القطعي المكافئي العاكس. يضخ السائل بعدها خلال سلسلة من المبادلات الحرارية لإنتاج بخار فائق الحرارة، الذي يستخدم بدوره في تدوير عنفة لتوليد الكهرباء، إما بمفرده أو في دائرة مركبة من البخار و الغاز. بكفاءة تحويلها إشعاع الشمس إلى كهرباء حول ال14%، و بكونها أفضل التقنيات الشمسية استخداما لمساحة الأرض، و أقلها استهلاكا للمواد، تعد تقنية تركيز حرارة الشمس مصر بتوليد 3,000 جيجاواط من محطات تبعد 50 كيلومترا من شبكة التوزيع الموحدة. للمقارنة، استهلاك مصر يراوح العشرين جيجاواط و هو ينمو بمعدل 7% سنويا.


متوسطات التعرض الشمسي السنوي في مصر

الطاقة النووية إجابة خاطئة

استجابة الحكومة لدعوة جمال مبارك لبرنامج سلمي للطاقة النووية، والترحيب الأمريكي بالخطة المصرية خطأ يكلف مصر فرصة سانحة لتحسين وضعها في سوق الطاقة بعد ذروة النفط. الطاقة النووية تظل خطرة، وملوثة، ومكلفة، وغير متجددة.

إن التكاليف الكاملة للطاقة النووية تجعلها غير كفء اقتصاديا. تبني المفاعلات على افتراض أن تكاليف إنشائها الباهظة، والتي تتطلب تركيزا هائلا لرأس المال (2,000 دولار/ك.واط في مفاعلات الماء الخفيف. أي 2-3 مليار دولار لمفاعل بطاقة 1,000 ميجاواط) ستعادلها التكلفة المنخفضة نسبيا لتشغيل المفاعل وصيانته لاحقا، وذلك بالمقارنة بتكاليف توليد الطاقة من الوقود الأحفوري (الفحم والنفط والغاز الطبيعي). إلا أن الخبرة تدل على خطأ هذا الافتراض، ناهيك عن التكاليف الباهظة للتعامل مع النفايات النووية، وتكاليف تفكيك المفاعلات، وصعوبة تقدير تكاليف حادث نووي واحد.

يزداد موقف الطاقة النووية سوءا إذا ما أخذنا كل البدائل في الحسبان. بالمقارنة بالطاقة النووية، فالطاقة المتجددة هي فعلا مورد غير محدود، ولا يرتبط بالضرورة بمركزية الإنتاج والتوزيع (المحطات الحرارية، والسدود العملاقة، والمفاعلات النووية، وشبكات التوزيع غير الفعالة). تتيح الطاقة المتجددة حلولا يسهل تطبيقها في المناطق النائية والمتخلفة، ولا تشكل أي تهديد بيئي أو أمني، ولا تركز السلطة في يد دولة تستعمل الطاقة كوسيلة للسيطرة.

قارن بطاقة الرياح مثلا، وهي أسرع مصادر الطاقة نموا في العالم. طاقة الرياح أرخص كثيرا من الطاقة النووية. يكلف الكيلوواط.ساعة 7 سنتات في المفاعل الجديد، و6-8 في طواحين الهواء في المناطق ضعيفة الهواء بالتقنيات الحالية، وهي تكلفة تنخفض بازدياد الكفاءة باثنين إلى ثلاثة في المئة سنويا، بينما تنخفض التكلفة إلى 4 سنت/كيلوواط.ساعة في ساحل الزعفرانة في صحراء مصر الشرقية. تبلغ سرعة الرياح في الزعفرانة 10-11 مترا في الثانية، مما يجعله أفضل موقع لتوليد الطاقة من الرياح في العالم.

إن زيادة عرض الطاقة النووية في سوق الطاقة تعني خصما من الاستثمار في حلول حقيقة للطلب المتزايد على الطاقة، كالطاقة النظيفة المتجددة، وزيادة كفاءة استهلاك الطاقة.

تتطلب الطاقة النووية دعما حكوميا غير منظور، من أراض مجانية، وتكاليف البناء، وتكاليف التشغيل والصيانة غير المتعلقة بالوقود. هناك أيضا تكاليف التأمين الهائلة. بذات الاستثمار، تولد الرياح كهرباء أكثر، وتوفر وظائف أكثر. يمكن لطاحونة هواء واحدة من الحجم الكبير أن تولد طاقة تكفي 5,000 منزلا. في السنين الأخيرة، أدخلت 6,000 ميجاواط سوق الطاقة الأوربي مولدة من الرياح، أي ما يوازي إنتاج مفاعلين أو ثلاثة كبار. بينما لم يبنى إلا مفاعل واحد في أوربا في الأعوام الستة الماضية، ولن يدخل المفاعل القادم طور التشغيل إلا بعد خمسة أعوام من الآن. أحدث مفاعل في أمريكا بني في العام 1978. بالإضافة، فإن الطاقة النووية ليست مصدرا متجددا، فهي تحتاج اليورانيوم النادر كوقود لمفاعلاتها. إذا استبدلنا كل الوقود الأحفوري المستخدم اليوم بالطاقة النووية، فإن العالم سينضب من اليورانيوم بعد أربع سنوات. الطاقة النووية ستظل مصدرا ثانويا.

بعد خمسين سنة من الفشل في ذيلها، وألوف من الضحايا، لا تقدم لنا الطاقة النووية أي حلول لمشاكلها الأساسية. هي استثمار سييء، وخطر على الجميع. الحكمة تقتضي أن نرفض الطاقة النووية لصالح الطاقات المتجددة، وزيادة كفاءة استهلاك الطاقة.

Syndicate content