حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

سيناء

دِير الَّدرْب لَو دَارت

عباس باشاعباس باشا صحارىسفاريصحارىسفاري على مبعدة مائتي مترا شمال نقطة على طريق القاهرة-السويس الحالي، بنى عباس باشا الأول (1813-1854) بن طوسون بن محمد على الكبير قصرا ليعيش فيه بعيدا عن حياة المدينة، أو في طريقه إلى سيناء، حيث كان يهوى السير في الدروب. بحثت في كتاب تاريخ الصف الثالث الإعدادي عن معلومات، لكني لم أجد سوى أنه تلى جده وسبق عمه سعيد باشا في الولاية. أما كتب التاريخ التي كتبت بتكليف من فروع ابراهيم باشا من الأسرة العلوية، فلا تذكر إلا أنه قوض إعمار الدولة التي بناها محمد علي: أغلق المدارس، وأبطل المصانع، وسحب الامتيازات من الأوربيين، وأنقص الجيش إلى تسعة آلاف، ونشر العيون في البلاد ضد سعيد؛ إلا أن عباس أنشأ كذلك أول خط سكك حديدية في مصر، وأعتق الفلاحين، وبدأ إصلاح مقام السيدة زينب. كان شديد الانطوائية، وأيضا شديد الشغف بالفروسية، حتى أن مخطوطاته التي تأصل للخيول العربية لا تزال من المراجع الهامة. لا تزال العباسية الثكنة العسكرية التي أنشأها. ذهبت الأسبوع الماضي مع أصدقاء من صحارىسفاري للمشي في إقليم الجبال العليا بسيناء. توقعت أن أقابل مدونة هناك، وحدث. ثم اكتشفت أنني أسير بجانب أخرى، وأنني أعرفها من قبل، بل وأن ثالثة خططت للمجيء ولم تستطع. بدأنا من مكتب سفريات الملقى في كاترينة، وصعدنا ثم درنا حول رَاس جْبَال حتى وصلنا إلى الْقَلْتِ الأزرق. المنطقة كلها (بل ومصر من وادي النيل وشرق ذلك) نظام معقد من الوديان يصب فيه الأعلى في الأخفض، أو كما يقول العرب، يَكُّتُ فيها الماء. تذوب الثلوج من قمم الجبال العالية وتكت المياه فوق وتحت سطح الأرض حتى تصل إلى قمع كبير وسط الجبال لا تجف منه المياه شديدة البرودة طوال العام. هذا القمع هو القلت الأزرق. صعودا من هناك، مررنا بفرش اِمْ سِلاَّ. الفرش هو الأرض المفتوحة الحصباء. توقفنا برهة لنبني شيئا بالحجر كما اعتاد أن يفعل المارة. القلت الأزرقالقلت الأزرق نزولا إلى القلت الأزرقنزولا إلى القلت الأزرق فرش اِمْ سِلاَّفرش اِمْ سِلاَّ تذهب القصص إلى أن الأطباء نصحوا عباس المريض بالدرن بالعيش في مكان مرتفع جيد الهواء. وكما كان مع البيمارستان، أمر الأطباء بوضع قطعة من الكبد على قمة كل رأس من رؤوس الجبال. فسدت آخر القطع فوق جبل طينية، ثاني أعلى قمم مصر (2383 مترا)، والذي صار يعرف من يومها بجبل عباس بسبب القصر الذي أسسه الوالي هناك ولم يعش ليراه. اغتيل عباس باشا في قصره ببنها 14 يوليو 1854 على يد اثنين من عبيده. المشرف من القصر الخرب يرى تحته بلدة الملقى، وأمامه سماء مفتوحة، وبينهما قمم جبال أبو محشور، وموسى (الذي يؤمه الزوار صاعدين الطريق الذي أنشأه عباس أيضا)، وبينها وديان الشيخ، والدير، وشْرِيجْ، والأربعين، الذي يقود إلى جبل كاترين، أعلى قمم مصر، وخلفها وحولها كلها الكثير. وادي زواتينوادي زواتين وادي زواتينوادي زواتين قصر جبل عباس باشا: الصورة لرندة الشريفقصر جبل عباس باشا: الصورة لرندة الشريف حط الليل علينا فوق قمة الجبل، فتحسسنا طريقنا نزولا إلى وادي زواتين، الذي بتنا فيه في جنينة تحت كروم وأشجار تفاح وعين الجمل، وبالقرب منا زيتونات عتيقة جدا عمرت المئات من الأعوام. سمعت أن زواتين هذا الوادي التي أعطته اسمه فريدة لدرجة أنها تشكل نوعا أحيائيا بذاتها. ترى هل هكذا تبدو فلسطين؟ في وسط أغسطس، أمضينا ليلة في مصر في فرش الرمانة وصلت فيها درجة الحرارة إلى الخمس درجات فوق الصفر.
Syndicate content