أدب
اسحق عظيموف
"العنف آخر ما يلجأ إليه غير ذي الكفاءة" -- سالفور هاردن، عمدة ترمينوس
في العام 12,068 إمبراطوري، تنبأ الرياضياتي هاري سلدون بسقوط الإمبراطورية المجَرِّية مستخدما علم التاريخ النفسي، وهو العلم الإحصائي الذي يجمع بين التاريخ، وعلم النفس، والذي يتنبأ بشكل تام (تقريبا) بسلوك أعداد ضخمة جدا من البشر، كالكوادريليونات مثلا من سكان الإمبراطورية، على شرط أن تظل هذه الجموع جاهلة بنتائج تحليل التاريخ النفسي.
تتألف الإمبراطورية المجرية من 25 مليون عالما مأهولة كلها بسكان من الأرض، على الرغم أن أحدا لا يتذكر أصلا واحدا لكل هؤلاء. عاصمة الإمبراطورية هو الكوكب-المدينة ترانتور، الذي يقع بسكانه البالغين خمس وأربعين مليارا يعيشون تحت سقف واحد مساحته 194 مليون كيلومترا مربعا بالقرب من مركز المجرة. تذكر الموسوعة المجرية أن "...استحالة الإدارة الكفء... في ظل القيادة غير الملهمة للأباطرة الأواخر شكلت عاملا كبيرا ساهم في سقوط الإمبراطورية." احتاج ترانتور لإبقائه على قيد الحياة لإمدادات زراعية من عشرين كوكبا تنقلها عشرات ألوف السفن في أسطول أكبر من أي قوة بحرية بنيت في الإمبراطورية. "أدى اعتماده في الطعام على العوالم الخارجية، بل وفي كل احتياجاته، إلى سهولة غزو ترانتور بالحصار. وفي الألفية الأخيرة من حياة الإمبراطورية، رسخت الثورات الرتيبة والعديدة إدراك الأباطرة لهذه الحقيقة، واحدا تلو الآخر، فأصبحت السياسة الإمبراطورية لا تتعدى حماية الأوردة العنقية لترانتور..." (الموسوعة المجرية)
انتهت حسابات سلدون إلى أن الإمبراطورية إلى زوال في غضون ثلاثمائة عام، يفصل بينها وبين نشأة الإمبراطورية الثانية ثلاثون ألف عام من الفوضى. بهدف تقليص فترة الفوضى إلى ألفية واحدة، أنشأ سلدون منأى تقنيا في ركن نائ من المجرة على كوكب ترمينوس، ودعاه المؤسسة. مهمة المؤسسة هي الحفاظ على المعرفة من الانهيار لتقليل الفترة التي تسبق نشأة الإمبراطورية الثانية، ولهذا الغرض دونت الموسوعة المجرية. يتنبأ سلدون أيضا ببعض اللحظات في حياة المؤسسة، تعرف لاحقا "بكوارث سلدون"، يتعين فيها اتخاذ بعض القرارات التي تؤدي إلى قيام الإمبراطورية الثانية.
بعد أن تابعت أخيرا فلم سيد الخواتم: عودة الملك، ذكرت نفسي أنني أحتاج إلى العودة للقراءة. شكل اسحق عظيموف في مراهقتي، وأظنه لا يزال، الصورة التي أرى عليها المؤلف، وأعادت كتاباته وكارل ساجان نفسي المتضخمة إلى حجمها بالمقارنة مع التنوع المذهل للعالم خارجي. إن عظيموف، وهو المنصب أميرا لكتاب الخيال العلمي، بملحمته المؤسسة، ورواياته، وقصصه القصيرة، ومقالاته التي تبسط العلوم، ودراساته في التاريخ، وتفسيره للكتاب المقدس، وسيره الذاتية التي أنهى آخرها على فراش الموت، ومؤلفات أخرى تملأ تصنيف ديوي العشري الكبير باستثناء الفلسفة، تستحق الوقت. يمزج عظيموف كتاباته غير الخيالية بخبرات من حياته الخاصة، فهو لا يطرح عليك فكرا، وإنما يقدم نفسه التي يعتد بها كثيرا. على الرغم من أني لم أقرأ له غير خفة الكيان التي لا تحتمل، إلا أن شيئا مماثلا يقوم به ميلان كونديرا.
مساء الخير يا أستاذ نجيب
حسبت الأيام بعد قرائتي لما نشره حمكشة في مدونته، فوجدت أن سنينا خمسة قد مرت منذ أن رأيت نجيب محفوظ.
اعتدت انتظار مقدمه إلى فندق شبرد الأحد من كل أسبوع في السابعة والنصف مساء. يهبط الدرجتين واحدة تلو الأخرى، متأبطا ذراع الدكتور زكي سالم، فيسلم على دستة الحضور في ندوته الصغيرة، ثم يلتفت إلى داينا--الأمريكية الصغيرة كالطفلة، النحيفة ذات الحلقان الثمانية، والشعر القصير جدا، والتي تتحدث العربية بلكنة--وإليَّ--أنا الحدث المصري النحيف أيضا، ذو الحقيبة والشعر الطويل المجدول، والذي يسمع الناس عربيته كأنها بلكنة.
تمد داينا يدها مصافحة؛ مبتسمة؛ خجلة لدرجة الاحمرار، وتتمتم. ثم يجيء دوري:
"مساء الخير يا أستاذ نجيب".
يرد بحرارة طبيعية: "أهلا وسهلا"، ثم يلتفت إلى زكي سالم ويسأله بصوته الأجش، وهو لا يزال ممسكا يدي: "مين ده؟"
يصرخ زكي في أذن الأستاذ اليسرى، وهي الوحيدة التي تعمل: "ده عمرو غربية يا نجيب بك."
"آه. أهلا وسهلا."
كل أسبوع.
ثم يجلس في مكانه، والجميع أمامه عبر الطاولة، أو على يساره، إلا نحن الاثنين طبعا، في الناحية الصماء على يمينه مباشرة.
لا تطيق عينا الأستاذ المصابيح الكهربية، فنجلس في ضوء الشموع، أو في الظلام إلا قليلا. وبسبب ضعف بصره وسمعه، فهو يحضر إلى الندوة ليعرف من أصدقائه ما يجري في الدنيا، فتكون النتيجة أن يتبارون هم على المقعد بجانب الأذن اليسرى: الزائر لإسرائيل المفصول علي سالم، والروائي نعيم صبري، والأهرامجي المخفي رضا هلال، والوفدي التائب المهندس محمد الكفراوي، وآخر يتميز غيظا من تقريظ الجميع لكتاباته وله شخصيا، والطبيبة النفسية سعاد، ومدرس العربية الشاب أحمد سعيد الذي يكبرني بعشر سنين أنا الطالب وقتها.
بسبب يده التي أعاد تدريبها على الكتابة بعد الطعنة كما فعل طفلا منذ ما يزيد على الثمانين عاما، تخرج كتابات محفوظ الأخيرة مركزة إلى أكبر حد. وبسبب العزلة التي تفرضها عليه الحواس، فإنه يستقي مادتها من الأحلام.
إن ما لم أقرأه لمحفوظ أكثر بكثير مما قرأت، فأنا عادة لا أفهم الأدب. ولكني عرفت الأستاذ على مر عام كامل منحازا دائما إلى الفقراء؛ قويا جدا في قناعاته؛ مبتسما في أدب ليخبرك أنه يفهم ما تقول، وإن كان لا يوافقك لأنه يعرف أكثر.
أنا أنتمي
هذا عنوان ورشة عمل نظمها المجلس البريطاني في الإسكندرية يومي الثاني والثالث من أكتوبر الجاري. جمعت الورشة التي تركز على الأدب كاتبتين ومجموعة معظمها من الشابات بين عمرى17 و25 عاما، وناقشت قصصا قصيرة كتبتها الفتيات استجابة لإعلان في الصحف. يدور موضوع القصص حول هويات الفتيات في عالم اليوم. أما الورشة فتشكل جزءا من خطة عريضة تدعى "نحو مستقبل أفضل معا". تستهدف الخطة من خلال عدة برامج بدأها المجلس البريطاني بعد غزوة نيويورك في الحادي عشر مجموعات تؤثر على مستقبل بلاد الشرق: شباب الفنانين، والأدباء، والعلماء، والصحافيين، والطلائع حتى سن العشرين. شعار المرحلة هو: "أنا أحب العالم!"
أولى الكاتبتان هي ميرال الطحاوي، المصرية التي ولدت لعائلة بدوية من عرب الشرقية، وعانت بعد موت أبيها انقادات ألف أب هم رجال عشيرتها، إلى أن أتمت دراساتها العليا في العربية، وبدأت تُنشر وتُترجم لها الروايات. تعود معرفتي بالطحاوي إلى علاقاتها الجيدة مع مؤسسات ألمانية أعمل معها: معرض فرانكفورت للكتاب ومعهد جوته، وتلك في ظني هي كل العلاقات الجيدة التي تتمتع بها. لا زلت أذكرها تشير بيدها لمن هي أعلم منها وأقدر على التعبير: "قهوة!"
أما الكاتبة الأخرى فهي برناردين إفاريستو. قدمت برناردين نفسها إليَّ على أنها من لندن: "ولدت وأعيش وأموت في لندن." ثم عرفت أثناء قيامي بالترجمة في الورشة أن والدها هاجر من نيجيريا إلى المملكة المتحدة، حيث تزوج أمها الإنجليزية البيضاء البروتستانتية ذات الأصول الأيرلندية الكاثوليكية، ضد رغبة عائلة الأم، بمن فيهم زوج خالتها المهاجر اليهودي الألماني الهارب من النازي، وجدتها التي أحبت أحفادها السود، وإن لم تقبلهم حتى ماتت.
في روايتها لارا، تتبعت إفاريستو أصولها عبر ثلاث قارات وسبعة أجيال: من نيجيريا إلى البرازيل، حيث استعبد أجدادها حتى تمكنوا من العودة إلى الوطن، وفي الجزيرة البريطانية بكل ما استقبلته من تأثيرات وافدة. تكتب برناردين روايات مسرحية مسجوعة كالشعر. وهي تحرص على إضافة عنصر أفريقي في جميع أعمالها. يحس المرء في تعامله مع برناردين بالخشونة التي وجدتها في النيجيريين، وبفخر السود "المضاد" بأنفسهم عندما يعيشون في عالم أبيض.
وجدت برناردين تطلب من المشاركات قليلات الحيلة اتباع قواعد غربية في الأعم. فلكي تصبح قصصهن شيقة، لا بد من التشخيص، والوصف، والتصاعد من "تجهيز المشهد"، إلى "ذروة المشكلة"، ثم الحل في النهاية. لا أعتقد أن هذا التحديد ينطبق على أساطير الشرق العربي القديم مثلا، فأحداثها تتسم بالدائرية بدلا من الخطية. ولا يزال بإمكان المرء أن يرى تلك الدائرية في أساطير اليونان القدامى: بروميثيوس الذي ما يلبث النسر إيثون أن يأكل قلبه حتى ينبت له قلب جديد، أو سيزيف الذي حكم عليه بدفع حجر أعلى التل ليتدحرج من جديد، إلى الأبد.












أحدث التعليقات
منذ أسبوع واحد 3 أيام
منذ أسبوعين 5 ساعات
منذ 5 أسابيع 6 أيام
منذ 9 أسابيع 6 أيام
منذ 9 أسابيع 6 أيام
منذ 10 أسابيع يومين
منذ 12 أسبوعا 3 أيام
منذ 13 أسبوعا 6 ساعات
منذ 18 أسبوعا 4 أيام
منذ 18 أسبوعا 4 أيام