تداعيات
ست درجات بيني و بين الحكمة
تسمح لي حمى الحصبة الألمانية أن أظل لفترة ممتدة في منطقة الشفق، ذلك المكان بين الوعي و اللاوعي، حيث لا يسيطر المخ الأيسر كثيرا على الأيمن--أو العكس في حالتي، بما أني من الأقلية العسراء--فيصبح أسهل حينها التفكير و الإدراك إحاطيا. و هو شرط لا شك أن قراءة رسائل حكمة الموحدين الدروز تتطلبه.
كتبها في القاهرة منذ ألف عام العقل الكلي حمزة بن علي، "قائم الزمان و ولي الفضل و الإحسان"، "مسيح الأزمان، محلل معاقد الملل، و ناسخ الأديان، و قاتل الإبليس والشيطان، و مهلك العجل و الشيصبان..."، "مهدم القبلتين، و مبيد الشريعتين، و مضحد الشهادتين". أين أنا من هذا!
الحق أن أيا منا ليس يبعد كثيرا عن كل منا. فلا بد أن ست درجات من التباعد تفصلني عن كل الناس. مثلا: أنا أعرف هيكل، و هيكل يعرف نهرو، و نهرو يعرف غاندي، و غاندي يعرف باراماهانسا يوجاناندا، و باراماهانسا يوجاناندا يعرف المهافاتار باباجي شخصيا. باباجي، الذي يعيش منذ مئات عديدة من الأعوام في جبال الهيمالايا مع صفوة من الرفاق--منهم مؤخرا اثنان أمريكان، هو تماما كحمزة، الذي دخل دور الستر مع احتجاب الحاكم بأمر الله. فالاثنان يعملان على مستوى استراتيجي بعيد عن الأضواء التي تدوم للحظات على أي حال، فلا يكاد الكثير يسمعون عنهما سماعهم عن بوذا أو يسوع مثلا رغم أن أعمالهما يقولون أنها ظاهرة لمن ينظرون.
غاندي
باراماهانسا يوجاناندا
باباجي
الاثنان يذكراني بسيدنا الخضر: الرجل الصالح الذي يظهر وقت الحاجة، و تختلط صورته بصورة القديس جورج الذي يصرع التنين. بل إن الأخبار تقول أنهما يقتسمان نجدة أهل الشرق، فيتلاقيان دوريا في شط العرب ليقررا من فيهما يجول البر و من يمخر البحر ذلك العام، قبل أن يسيرا سويا إلى الحج في مكة.
قد أكون مررت بالخضر ذات مغيب مكروب في رمضان أمام السيدة نفيسة، و قد نكون أفطرنا سويا على ثمرتي موز كانتا في حقيبتي، إلا أنني لم أسأله، و لا أظنه ينبغي لي. هل كانت تلك درجة واحدة بدلا من الدرجات الست؟ كان باباجي، الشاب دائما، كثير الشبه بلاهيري ماهاسايا، تلميذه الذي عمل معه على بعث طريقة الكريا يوجا التي تسرع من تطور الإنسان الروحي بهدف إعتاقه من قانون شقاء العالم. يمازحني البعض أن هناك شبها واضحا أيضا بيني و بين باباجي، لكني أعتقد أن ست درجات بيني و بين القداسة تكفي فعلا.
سقارة
"أنا بقى لي خمسة و ثلاثين سنة باحاول أنزل هنا، وأنا دارس للمصريات. انت حظك كويس إنك جيت معي."
وجه لي عبد الغفار شديد الكلام ونحن صعود من أسفل البئر الجنوبي في مجمع سقارة، ثلاثين مترا تحت الأرض. كنا قد أمضينا النهار كله نصور في مواقع مصرية قديمة. زيارة المصريات مع من يفهم ما حوله تضفي معان عميقة كثيرة على آثار المصريين.
عبد الغفار شديد وحسام غربية في المقبرة الجنوبية بسقارة
خذ مثلا الأبواب التي تدلف منها داخلا خارجا. هل تعرف أنها تجريد للمنظر الطبيعي بالخارج؟ وهل تعلم أن تقاليد العمارة المصرية القديمة--ككل شيء في تلك الحضارة--استمرت آلاف السنين في تجريد مستمر دون أن تفقد رمزيتها؟ في نظر المصري، كل بيت هو رمز للمأوى الأول الذي عاش فيه جدوده: بابه هو السماء التي ترتحل فيها عين حورس بين الشرق والغرب، جانبي الباب. الأرض هي العتب الذي يقف عليه، وسقفه درع الحيوان الذي احتمى تحته المصري الأول. دائما تجد الرمز والطقس: في الخبز والنبيذ؛ في البذر والحصد؛ في الحرب والصيد. كلها طقوس حياة.
شرح لي شديد، وهو أيضا أستاذ في تاريخ الفن، أنه يرى مصر في العالم الآخر ممثلة بأكملها في مجمع سقارة الذي بناه إمحتب: المجمع، وهو أقدم صرح تذكاري مبني بالحجر في التاريخ، له خمسة عشر برجا بأربعة عشر بابا مزيفا تحميه من عماء العالم الخارجي، وباب وحيد للدخول في الركن الجنوبي الشرقي. المقبرتين الشمالية والجنوبية ترمزان للمقابر الملكية في أبيدوس وفي الدلتا، مركزي عبادة الملك. الفناء الجنوبي بين المقبرتين والناحية الشرقية هو مصر في عالم الأحياء، بينما يرمز الحائط الغربي لعالم الأموات. الطبقات الاجتماعية الست في مصر(الفلاحين، والحرفيين، والموظفين، وموظفي البلاط، والعائلة الملكية، ثم الملك) تمثلها مصاطب الهرم المدرج الذي يصعد بقمته، أي زوسر نفسه المدفون في المقبرة أسفل الهرم، نحو السماء.
حالة المقبرة الشمالية تحت الهرم لا تسمح بالزيارة، أما الجنوبية فعهدة مفتش في الآثار مختومة بالشمع. بغرض الزيارة، كسر الختم وفتح الجنود الباب، ولم نذكر نحن الزوار في المحضر الرسمي، إلا أن ذلك كله لم يمنع من سرقة المقبرة كاملة حتى جدرانها. الجدران كانت مغطاة بشقفات من الخزف الواحدة في حجم الإصبعين يغطيها طلاء زجاجي من أزرق الفيروز، وفي ظهرها عروة. تخيط كل ستة من هؤلاء في ثقوب مقابلة في الجدار بأمعاء الحيوانات. أو أن هذا ما كان قبل أن تمتد إليه الأيدي.
سقارة كلها مدينة أموات منف: أطول عاصمة في تاريخ مصر منذ أسسها مينا الموحد--وحتى 1300 قبل المسيح عندما نقلت العاصمة جنوبا إلى طيبة--وأكبر حواضر العالم وقت كمالها، حين كانت مركز عبادة بتاح، وظلت ثاني أكبر مدن مصر من بعد الإسكندرية حتى بنيت الفسطاط. يعمم جمال حمدان أن مصر الموحدة استقرت بعد حركة بندول العاصمة ذلك في موضع تفرع النيل حيث حكمت الدولة لألف وثمانمائة عام قبل أن تنتقل العاصمة رسميا إلى طيبة--وإن ظلت البلد تدار من منف لتطرف طيبة--قبل أن تتنقل في الدولة الحديثة بين حواضر الدلتا في الشمال، لتحكم مصر من الإسكندرية حوالي الألف عام لتعود نهاية في محيط منف.
تذكرت هذا كله عندما احتفل الكثيرون بنقل تمثال رمسيس، فتمشية لطيفة من سقارة إلى المريوطية تمر ببلدة صغيرة اسمها ميت رهينة. سكانها لا بد يتجاوزون الثلاثين ألفا الذين سكنوا منف، وبيوتهم تغطي نصف معبد هائل مجد فيه بتاح لألوف السنوات، بينما يغرق النصف الثاني من المعبد في بركة من الصرف. اتنشل تمثال رمسيس من هذا المعبد، ولا تزال المياه تذيب قاعدته والجزء الأسفل من قدميه.
عندما تنظر إلى آثار المصريين، لا ترى المعابد والمسلات والأهرامات عارية إلا من لون صفار الرمال والحجر، فهذا فقط فعل الزمن.
عن إلغاء العمل وغرضنا من الحياة
العمل يحرر: العبارة على بوابة معتقل النازي في تريسنشتات، ألمانيا
لا ينبغي على أحد أن يعمل، أبدا.
العمل هو تقريبا مصدر كل الشقاء في العالم. فمعظم ألوان الشر التي تستطيع أن تسميها سببها عالم مصمم للعمل. كي ينتهي الشقاء، لا بد أن نتوقف عن العمل.
لا يعني هذا أن نتوقف عن الفعل. بل المعنى هو خلق طريقة جديدة للحياة أساسها اللعب؛ أو بكلمات أخرى، ثورة لعبية. "باللعب" أعني أيضا الاحتفال، والإبداع، والابتهاج، والمعايشة، بل وربما الفن. في اللعب ما يتعدى لعب الأطفال، بالرغم من أهمية هذا الأخير. أنادي بمغامرة جماعية في الفرح العام وفي الحماس المشترك بيننا بحرية. اللعب ليس سلبيا. لا شك أننا كلنا نحتاج وقتا للكسل والتراخي أكثر مما نستمتع به الآن، بغض النظر عن دخولنا أو وظائفنا، إلا أنه بمجرد تحررنا من التعب الذي تجلبه الوظائف، فإن كلنا تقريبا سنرغب في الفعل: أبلوموف وستاخانوف وجهان لعملة واحدة.
--بوب بلاك، على جريمة الفكر
أنهيت مؤخرا عاما سبعيا بدأ في قطر وأمضيته بدون عمل مدر لأي دخل. إجابتي النمطية لمن يسألني عن عملي هي أنني اخترت الترجمة لأنها الأقرب لحلمي أن أكون عاطلا محترفا: "البطالة السعيدة هي الشيء الذي أجيد القيام به بامتياز، فلا أفضل من القراءة والكتابة والموسيقى والسفر والناس، وهم غرضنا من الحياة في النهاية، صح؟" أضيف بعدها عادة أن العمل مستقلا من على حاسوبي المحمول هو أفضل الحلول الممكنة إلى الآن: بدون مواعيد ثابتة، ولا ذات المكاتب كل يوم؛ بدون ربطات عنق أو مديرين يسخمون على المرء بما لم يطلبه.
للمفارقة، فهذا هو أيضا العام الذي تطوعت فيه أكثر من أي وقت مضى. يبدو أحيانا أنه من الأسهل كثيرا أن نفصل بين العمل وبين مصلحتنا المباشرة. مضى وقت طويل منذ أن أجبت على سؤال "أين ترى نفسك بعد خمس سنوات من الآن؟"
بعد صعود اليسار في العالم أخيرا، أتطلع إلى أخبار أول مايو القادم.
افرحوا وابتهجوا
بعد بيتهوفن، تعلمت أولى أغنياتي في سن الرابعة عندما كنت أذهب إلى مدرسة راهبات عراقيات، عدا أنني لم أدرك وقتها أن هؤلاء كن راهبات، وأن في الأغنية مضمون ديني مسيحي–وهي ليست كذلك تماما–وأنني أقلية مسلمة. لا أظنني كنت مسلما في تلك السن المبكرة أيضا، فذلك هو الوقت الذي كنت أعرف فيه أن المسلمين يسكنون الكويت، والمسيحيين إنجلترا، بمن فيهم خالتي وأولادها. أما مصر فقد كانت بلدا عجيبا كل شيء فيه يظهر بظلال الأبيض والأسود كما تعرضها أفلام التلفاز: “تعال يا عمرو شوف مصر!”، كانت أمي لا تمر عليها فرصة من تلك الفرص إلا وتناديني. لم أكن أجد أيضا فرقا كبيرا بين أولئك الممثلين وبين عائلتي الكبيرة التي أراها في الصور، بل كان هناك دائما بعض التداخل.
وفي الوقت الذي أتيح لي فيه أن أحادث فتاة اسمها ماريان من دون أن تبدو كالخارجة من قصص روبنهود، كان تركيزي قد انتقل من نية دراسة فقه الشافعي إلى محاولة الإجابة عن أسئلة مثل: ترى كيف يبدو إسلام البشر الذين يعتقدون بصلاحه لكل زمان ومكان لسكان كواكب أخرى هم موجودون حتما في مجرتنا بحساب الاحتمالات؟ ماذا تعني لهم كل النصوص عن العلاقة بين الذكور والإناث، أو بين الأجيال أو المجتمعات وهم لا بد مختلفون عن ذلك كله تمام الاختلاف؟ كنت مصابا بطلقة بندقية هوائية في ذراعي الأيمن عندما دلفت مسجدا في خريف عامي الحادي عشر لأصلي، وظللت أعود خمس مرات أسبوعا كاملا متيحا كل الفرص لأهل ذلك المسجد أن يعيدوا ترتيب عقلي قبل أن أقرر أنني لم أعد طفلا وتبدأ المشاكل. حاولت صادقا أن أعطيهم الفرصة، إلا أنهم لم يعرفوا أي الكلام يختارون، فخلعت عني الحلة الرياضية الخضراء التي ارتديتها كي لا أبدو مختلفا، وارتضيت لنفسي موقف الأقلية.
كنت دائما ما أمل من قراءة الكتاب المقدس بمجرد وصولي سفر العدد، واعتدت في المرات القليلة الأولى لقرائتي إياه أن أقفز من العدد إلى أناجيل العهد الجديد قبل أن يصيبني الملل ثانية في الرسائل، إلا أنني بين الملل والملل حفظت الجزء الأكبر من الموعظة على الجبل:
فلمّا رأى يَسوعُ الجُموعَ صَعِدَ إلى الجبَلِ وجلَسَ. فَدنا إلَيهِ تلاميذُهُ، 2فأخَذَ يُعلَّمُهُم قالَ: “3هنيئًا. للمساكينِ في الرٌّوحِ، لأنَّ لهُم مَلكوتَ السَّماواتِ. 4هنيئًا للمَحزونينَ، لأنَّهُم يُعزَّونَ. 5هنيئًا للوُدَعاءِ، لأنَّهُم يَرِثونَ الأرضَ. 6هنيئًا للجِياعِ والعِطاشِ إلى الحقَّ، لأنَّهُم يُشبَعونَ. 7هنيئًا للرُحَماءِ، لأنَّهُم يُرحمونَ. 8هنيئًا لأنقياءِ القُلوبِ، لأنَّهُم يُشاهِدونَ الله. 9هنيئًا لِصانِعي السَّلامِ، لأنَّهُم أبناءَ الله يُدْعَونَ. 10هنيئًا للمُضطَهَدينَ مِنْ أجلِ الحقَّ، لأنَّ لهُم مَلكوتَ السَّماواتِ. 11هنيئًا لكُم إذا عَيَّروكُم واَضطَهَدوكُم وقالوا علَيكُمْ كَذِبًا كُلَ كَلِمةِ سوءٍ مِنْ أجلي. 12اَفرَحوا واَبتَهِجوا، لأنَّ أَجرَكُم في السَّماواتِ عظيمٌ. هكذا اَضطَهَدوا الأنبياءَ قبلَكُم.
هو رجل: رجل باسم القلب دائما إلا في لحظة أو اثنتان. يسوع عندي أيضا صلب، ومات على الصليب، ولم يقم بعدها، فلا قيامة من الموت إلا فيما تمنينا من جراء ضعفنا. لم أخبر مالكا فجر ذلك اليوم أننا نختار الإيمان لأننا لم نتحصل بعد على إرادة القوة كي لا نتمنى الحياة بعد الحياة.
هنيئا للمحزونين لأنهم يعزون.
عن الربيع العربي حدثوني
ربيع 2003. كانت بغداد قد سقطت أو تكاد. أمضيت عطلة شم النسيم ثلاثة أيام في غرفة مغلقة بفندق في القاهرة مع ست رجال اجتمعوا ليفكروا في إطار لقانون إعلام العراق الجديد واستراتيجية مرافقة. طلبني مايك فاولر قبلها بأيام ليسألني أن أدون محضر الجلسات، وألخص النقاشات الجارية. كنت قد عملت مع فاولر سابقا في دورة لتدريب الصحافيين المصريين (وهم مساكين فعلا بلا أي معرفة بأصول الكتابة الصحافية) عقدت في معهد الأهرام الإقليمي للصحافة. وافقت طامعا في الخبرة؛ كارها الظروف؛ غير مبال بالمال.



بالإضافة إلى فاولر، وهو المحامي الصحافي أستاذ قانون الإعلام في الجامعة الأمريكية بالقاهرة وقتها، تألفت مجموعة العمل من أمريكي آخر، وبريطاني، وروسي، ولاجئين عراقيين: الأول فرنسي، والثاني بريطاني: الأمريكي جورج بابايانيس هو مدير تطوير الإعلام في إنترنيوز، وهي منظمة غير حكومية أمريكية تسعى "لإتاحة المعلومات للجميع"؛ العسكري البريطاني ابن العسكري البريطاني الذي عمل في السويس سايمون هايزلوك المفوض الإعلامي للبوسنة والهرسك سابقا، والعراق حاليا؛ فلاديمير إنتن، الأستاذ المساعد في القانون في جامعة موسكو، والذي ساهم في وضع الإطار القانوني لخصخصة الإعلام الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وهو من الناس الذين يجدون صعوبة اجتماعية في خلع ربطة العنق؛ علي شابو، من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية؛ حميد الكفائي، الذي عمل قبل أن يعود إلى العراق في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية.
بَدَأَتْ موسيقاي ببيتهوفن
جلست ذات سبت منذ بضعة أعوام أعلى الصالة وصممت أذناي كي أشاهد تاسعة بيتهوفن بدون أن أسمعها، واستعضت عن السمع بما في ذاكرتي. لم أركز على أي تفاصيل، بل ثبت نظري على نقطة بين الفيولا والكمان. أدهشتني موجات تتحرك من اليسار النحيف إلى اليمين الغليظ في الوتريات، يقطعها أفراد يقفون معاكسين في النحاسيات والخشبيات هنا وهناك. واخترق صممي عازف الطبل الكبير وهو يستعيد طلقات المدافع التي لعبت الموسيقى في الليلة الأولى لعرض التاسعة كما أخبرني أبي طفلا. الحركة الثانية هي أول ما أحببت من موسيقى.
أدهشت نفسي أكثر نازلا السلم إلى باب الخروج، ففي هذه التجربة لم أكن واعيا أن بيتهوفن فقد سمعه تماما قبل تمام تأليف الكورالية. كنت أحلم طفلا أنني أصم لأرى العالم أوضح، وأبعد.
أزمة التحديث
هو بتاع الكشري اللي هنا فين؟
بعد المقهى الثقافي على اليمين.
ماشي.
أكوام من التراب الذي يزال ليعود. وجوه تائهة. شرائط واسطوانات صوتية. أشياء تضيء وتصوِّت وتبرم كي تفرح العيال. تمضي الأيام بطيئة في سوق القاهرة للكتاب الذي أشارك فيه في جناح معرض فرانكفورت للكتاب.
على خلفية اعتقال ثلاثة ناشطين لقيامهم بالترويج لمركز الدراسات الاشتراكية--الذي لا أستطيع الوصول إلى مدونته بدءا من اليوم، والذي صودرت منشوراته من جناح ميريت للنشر والمعلومات--؛ واعتقال أيمن نور رئيس حزب الغد وعضو الحركة المصرية من أجل التغيير، وأول من يحاول الحصول على أصوات ثلث مجلس الشعب لاتخاذ أول خطوة دستورية للترشح لرئاسة الجمهورية، ألغيت مظاهرة نظمتها الحركة غدا في المعرض. ترفض الحركة التجديد لمبارك رئيسا للجمهورية، وترفض توريث الحكم لجمال مبارك، وتدعو لتغيير الدستور ليسمح بانتخاب مباشر للرئيس ونائبه. ترفع الحركة شعار "كفاية"، وهي إلى الآن ظاهرة محدودة لها نشاط إلكتروني، وإن كانت تحاول إيجاد قاعدة أوسع من المؤيدين.
يمكن في هذه الحركة تتبع نمطا بدأ عام 2000 في صربيا، حين لعبت حركة أوتبور--"مقاومة" بالصربية--دورا رئيسيا في الإطاحة بسلوبودان ميلوسوفيتش، وذلك بالمقاومة السلمية المبنية على أفكار جين شارب.
في عام 2003 اتبعت جورجيا ذات النمط في ثورة الزهور التي أطاحت بدورها بإدوارد شفرنادزه. الاسم الشعبي للحركة هو كمارا--"كفاية" بالجورجية.--قتل اليوم رئيس وزراء جورجيا خنقا بالغاز--، ثم العام الماضي 2004 في أوكرانيا: الثورة البرتقالية التي قامت بها حركة بورا--"حان الوقت" بالأوكرانية، بالإضافة لحركات مثيلة في بلاروسيا (زبر)، وألبانيا ("مجافت"، أي كفاية بالألبانية).
يدعم هذه الحركات في شرق أوروبا من خلال معهد العالم المفتوح الممول جورج سوروس--أحد أثرى أثرياء العالم، والشخص المثير للجدل. يعتمد سوروس في سعيه لتحديث العالم على تشجيع المجتمع المدني في بلاد عدة، وبرى أن فرض التحديث بالقوة العسكرية غير مجد، لذا فقد ساهم بـ15.5 مليون دولار في الحملة ضد بوش، التي يقول عنها أنها "مركز حياتي"، بالرغم من أنه شريك لبوش وابن لادن في مجموعة كارليل، التي تركز استثماراتها في الأسلحة.
من الواضح أن الحركة المصرية من أجل التغيير متأثرة في خطابها ونشاطها بالحركات في أوروبا الشرقية. ينسب سوروس لنفسه أنه من أمرك تلك البلاد. في حال اهتمام سوروس بحالة مصر، ستكون البلد الأول خارج أوروبا. من المثير للاهتمام متابعة ردود فعل الحركة المصرية من أجل التغيير عند بدء معهد العالم المفتوح الاتصال بها، لا سيما أن كثيرا من الموقعين على البيان التأسيسي للحركة، وهم ممثلين للطيف السياسي المصري بأكمله، يرفضون في خطابهم الشخصي أي تأثير أجنبي، كما يرفضه خطاب الحركة المصرية ذاتها. وعلى كل، يدعم معهد المجتمع المفتوح منظمات غير حكومية كالمورد الثقافي. طلب بروجكت سينديكيت، وهو أحد أذرعة سوروس، مني العمل في ترجمة مقالاته للعربية، ولكنهم ظنوا أن عربيتي غير ملائمة.
هل أبدأ من هنا؟
وضعت أمامي زجاجة البراندي نصف الممتلئة—نصف الفارغة كي لا أفقد المعنى—وسبعا وثلاثين قرص دواء زهري اللون. لا أعرف نوع الدواء حقا، ولكن لا بد أنه في عمر فتاة مراهقة الآن، فقد مر وقت طويل منذ أن بيعت عبوة المائة قرص لأي دواء بخمسة عشر قرشا.
هل هذا ما أريده فعلا؟ لا يتوقع الجميع من شخص على وشك أن ينهي حياته أن يفكر في حلول لمشاكل المحرومين في العالم.


























أحدث التعليقات
منذ يوم واحد 17 ساعة
منذ يوم واحد 17 ساعة
منذ يومين 21 ساعة
منذ 3 أيام ساعة واحدة
منذ 3 أيام 17 ساعة
منذ أسبوع واحد يوم واحد
منذ أسبوع واحد 4 أيام
منذ 3 أسابيع 20 ساعة
منذ 3 أسابيع 21 ساعة
منذ 4 أسابيع 5 أيام