حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

الإسكندرية

محمد من طق حنك

Digressing: to turn aside especially from the main subject of attention or course of argument.
...لكن دعونا لا نشرد هذه المرة. التدوينة ليست عن الموقع، بل عن صاحبه. محمد من الجيل الأول للمدونين الذين عرفتهم، وبدأت معهم: ألف، ورامي، وإيهاث، وعمر العربي، وابن عبد العزيز، ورحاب، وحمكشة، وأفريكانو، والست نعامة. هو أيضا أول من رتبت معه لقاء من المدونين الذين لم أعرفهم قبلا. أذكر ألف يغلق الباب بعد أن غادر محمد وصديقه، ويلتفت لي ليقول أنه لم يتوقع أن يكون أصغر منه سنا. ما يميز محمدا عن أي مدون آخر عرفته، وعن كثير ممن يكتبون ويتكلمون في ما يكتب ويتكلم، هو أنه يعيش في الشأن العام. بالنسبة لمحمد، الصحف هي فعلا أخبار الجيران، وضحايا الحوادث هم أفراد في العائلة، ومصيبة البعيد تمسنا كلنا: في مصر كثيرا، لكن أيضا في لبنان، والبحرين، والعراق، وسوريا، وغيرها من البلدان العربية. وبالرغم من أنني لم أزره في بيته، إلا أنني أتخيل أرشيفا هائلا من الصحف والقصاصات، والعديد من الروايات--لدى محمد أيضا بعض المشروعات للكتابة الأدبية لم يأت على ذكرها أمامي أبدا، إلا أنها تظهر في تدويناته عن موضوعات أخرى غير الشأن العام.

زيارة القارب آنا

كتب أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي الشاطبي البلنسي سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، بعد وصوله إبحارا إلى ثغر الإسكندرية وما مر به من أهوال موج وريح ومطر ما لم يعاينه المسلمون والروم فيما سلف من أعمارهم أنه
في آخر الساعة الخامسة منه كان إرساؤنا بمرسى البلد، ونزولنا أثر ذلك، والله المستعان فيما بقي بمنه. فكانت إقامتنا على متن البحر ثلاثين يوما، ونزلنا في الحادي والثلاثين، لأن ركوبنا إياه كان يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر شوال، ونزولنا عنه في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة، وبموافقة السادس والعشرين من مارس، والحمد لله على ما من به من التيسير والتسهيل، وهو سبحانه المسؤول بتتميم النعمة علينا ببلوغ الغرض من المقصود، وتعجيل الإياب الوطن على خير وعافية، انه المنعم بذلك لا رب سواه. وكان نزولنا بها بفندق يعرف بفندق الصفار بمقربة من الصبانة.
ظن ابن جبير أن ما رآه في البحر هو غاية الفزع لأي رحالة، إلى أن وصل رجال الجمارك:
فمن أول ما شاهدنا فيها يوم نزولنا أن طلع أمناء المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه. فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين واحدا واحدا، وكتبت أسماؤهم وصفاتهم وأسماء بلادهم، وسئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناض ليؤدي زكاة ذلك كله دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل. وكان أكثرهم تشخصين لأداء الفريضة لم يستصحبوا سوى زاد لطريقهم، فألزموا أداء زكاة ذلك دون أن يسأل أحال عليه الحول أم لا. واستنزل أحمد بن حسان منا ليسأل عن أنباء المغرب وسلع المركب. فطيف به مرقبا على السلطان أولا ثم على القاضي ثم على أهل الديوان ثم على جماعة من حاشية السلطان. وفي كل يستفهم ثم يقيد قوله. فخلي سبيله، وأمر المسلمون بتنزيل أسبابهم وما فضل من أزودتهم، وعلى ساحل البحر أعوان يتوكلون بهم وبحمل جيمع ما أنزلوه الديوان. فاستدعوا واحدا وأحضر ما لكل واحد من الأسباب، والديوان قد غص بالز . فوقع التفتيش لجميع الأسباب، ما دق منها وماجل، واختلط بعضها ببعض، أدخلت الأيدي أوساطهم بحثا عما عسى أن يكون فيها. ثم استحلفوا بعد ذلك هل عندهم غير ما وجدوا لهم أم لا. وفي أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس لاختلاط الأيدي وتكاثر الزحام، ثم أطلقوا بعد موقف من الذل والخزي عظيم، نسأل الله أن يعظم الأجر بذلك. وهذه لا محالة من الأمور الملبس فيها على السلطان الكبير المعروف بصلاح الدين، ولوعلم بذلك على ما يؤثر عنه من العدل وإيثار الرفق لأزال ذلك، وكفى الله المؤمنين تلك الخطة الشاقة واستؤدوا الزكاة على أجمل الوجوه. وما لقينا ببلاد هذا الرجل ما يلم به قبيح لبعض الذكر سوى هذه الأحدوثة التي هي من نتائج عمال الدواوين. شيء مماثل مر به بحارة قارب جرينبيس آنا: القارب صغير ومسطح من أسفل، فهو مصمم للملاحة النهرية، لذا تقاذفته أمواج المتوسط في كل الاتجاهات. كان علينا قبل أن يصل القارب أن نستصدر دستة كاملة من التصاريح، نصفها من الأمن: شرطة المسطحات المائية، وأمن الدولة، والأمن العام، والعلاقات العامة بالداخلية التي حولتنا للعلاقات الدولية بالداخلية، والمخابرات الحربية، وحرس الحدود، وهيئة الموانئ، ومصلحة النقل النهري--اكتشفنا في النقل النهري أننا افترضنا مخطئين صلاحية فرعي رشيد ودمياط للملاحة. الواقع أن مصلحة النقل النهري لا تعرف شيئا عن النهر شمال القاهرة، فهذا نطاق وزارة الري التي أفادتنا أن فرع دمياط به جسور ارتفاعها متر واحد، وأن الغاطس الملاحي في بعض فرع رشيد يبلغ الثلاثين سنتيمترا--ووزارة الري، ووزارة الثقافة...
فرانك إشر: على متن القارب آنافرانك إشر: على متن القارب آنا اكتشفنا بعد أسابيع من العمل على استخراج تلك التصاريح، وبينما كان القارب في ميناء الإسكندرية أن الجمارك ترغب في تحصيل ثلاثمائة ألف دولار تأمينا لدخول المركب، وعندما تجاوزنا هذا العائق، ظهر لنا ثلاث تصريحات جديدة: واحد من أمن الدولة وخاص بالراديو على متن القارب (لا يسمح بالراديوعلى القوارب داخل مصر)، وآخر من وزارة الاتصالات لنفس الغرض، وثالث من هيئة تنشيط السياحة. نعم، هيئة تنشيط السياحة. كان نتيجة ذلك أنحبس بحارة القارب في الميناء الصناعي--لا يوجد في الإسكندرية كلها مكان واحد لرسو القوارب كي يزورها الجمهور-- وأن حملنا معرضنا برا نحو القاهرة، ثم عودا للإسكندرية، وانتهاء بفوة. على هامش بناء علاقات مع المجتمع المدني في مصر، وتنبيه الإعلام والدولة إلى درجة ما بنية جرينبيس العمل في مصر، يروج المعرض لخطر تغير المناخ ولكن أيضا للدور الذي يمكن للموارد المصرية أن تلعبه في التحول من الاقتصاد الحالي القائم على النفط إلى آخر طاقته أقل تهديدا لنظام الأرض. يقدر الكثير من خبراء الطاقة أن العالم وصل في وقت ما الأعوام القليلة الماضية إلى ذروة النفط: سيظل سعر النفط في ارتفاع مهما اكتشف من حقول جديدة له. بالإضافة إلى كونه موردا غير متجدد (أعلنت السعودية بعد إعصار كاترينا أنها غير قادرة على زيادة إنتاجها لتعوض نقص إنتاج نفط خليج المكسيك)، فإن الطلب المتزايد على الطاقة سيضمن ارتفاع سعر طاقة النفط طوال الوقت أطلق في مصر تقرير عن نوع من أنواع الطاقة المتجدد يعد بتوليد 5% من احتياج العالم من الطاقة بحلول 2040. يبدأ في مصر سنة 2008 تشغيل واحد من مصانع الطاقة التي تعتمد تقنية الطاقة الشمسية المركزة، وهو واحد من عشرة مصانع في العالم تحت الإنشاء. يحتاج العالم إلى إنتاج 5,000 ميجاواط من هذه الطاقة كي تعمل وفورات الحجم الكبير على إيصال سعر الطاقة الشمسية المركزة إلى سعر طاقة النفط، وعندها تحدث نقلة فكرية، ويبدأ الناس في الاستفسار عن سبب استعمالهم طاقة الوقود الأحفوري بالرغم من أن تكلفته الحقيقية مرتفعة للغاية. شكلت فوة لي أول تجربة لا يمكن لأحد إلا أن يصفها "بالعمل على أرض الواقع". يعيش في مدينة فوة 63,000 نسمة في مدينة تشتهر بالسجاد التقليدي والكليم اللذان يعانيان حاليا من كثرة البدائل. في البلد أيضا فابريقة للطرابيش أنشأها محمد علي، و360 مسجدا وأثرا إسلاميا يضعانها في المرتبة الثالثة من عدد الآثار الإسلامية بعد القاهرة ورشيد. إضافة إلى تلك الألوف يسكن باقي نواحي مركز فوة 60,000 آخرين، ويزرعون غالبا الأرز والقطن في 19,000 فدان، إلا أنهم يعانون بين تسويقها، وحريق قشها، ومكافحة آفاتها. منعت وزارة الزراعة المبيدات القديمة وأحلوا محلها مبيدات جديدة لا تعمل بذات الكفاءة. ذكر لي عماد الناشط في مركز الأرض لحقوق الإنسان، والذي يملك أرضا في صحراء برج العرب أن المزارعين يريدون "تحقيق المعادلة الصعبة بين البيئة والإنتاج". أهل فوة عموما هم أكثر من رأيت في الجولة حماسا للموضوع، فكلمات مثل البيوجاز والتصحر والآفات تمثل لهم خبرة يومية، وهم أيضا من لم يحاولوا تخفيف وقع أن بلدهم، وجزء كبير من دلتا مصر سيغمرها البحر في حياة أولادهم أو أحفادهم. لم يفق هؤلاء اهتماما إلا ساعي وزارة الري القزم الذي يحيه الجميع صفعا على قفاه. ما أن عرف الرجل أننا من "السلام الأخضر" حتى لمعت عيناه وبدأ في حديث طويل عن نشاط المنظمة في تركيا لنزع السلاح النووي، وفي سفارة الحيتان في كوريا ضد صيدها، وفي الأمازون ضد تدمير الغابات القديمة. هو الموظف الحكومي الوحيد الذي قابلته والذي يعرف أي شيء عن جرينبيس. في الطريق من مركز شباب مطوبس حيث سكنا إلى نادي عائلات فوة حيث كان معرضنا رأيت لافتات لمرشح الإخوان المسلمين في الانتخابات القادمة، وأخرى تعلن أنه "مش كفاية"، ولم يكن في وسعي إلا أن أفكر في يوتوبيا مصرية. انتهت جولة الطاقة المسالمة، وأولى زيارات جرينبيس إلى مصر بقرار باستمرار العمل في البلد.

أنا أنتمي

هذا عنوان ورشة عمل نظمها المجلس البريطاني في الإسكندرية يومي الثاني والثالث من أكتوبر الجاري. جمعت الورشة التي تركز على الأدب كاتبتين ومجموعة معظمها من الشابات بين عمرى17 و25 عاما، وناقشت قصصا قصيرة كتبتها الفتيات استجابة لإعلان في الصحف. يدور موضوع القصص حول هويات الفتيات في عالم اليوم. أما الورشة فتشكل جزءا من خطة عريضة تدعى "نحو مستقبل أفضل معا". تستهدف الخطة من خلال عدة برامج بدأها المجلس البريطاني بعد غزوة نيويورك في الحادي عشر مجموعات تؤثر على مستقبل بلاد الشرق: شباب الفنانين، والأدباء، والعلماء، والصحافيين، والطلائع حتى سن العشرين. شعار المرحلة هو: "أنا أحب العالم!" أولى الكاتبتان هي ميرال الطحاوي، المصرية التي ولدت لعائلة بدوية من عرب الشرقية، وعانت بعد موت أبيها انقادات ألف أب هم رجال عشيرتها، إلى أن أتمت دراساتها العليا في العربية، وبدأت تُنشر وتُترجم لها الروايات. تعود معرفتي بالطحاوي إلى علاقاتها الجيدة مع مؤسسات ألمانية أعمل معها: معرض فرانكفورت للكتاب ومعهد جوته، وتلك في ظني هي كل العلاقات الجيدة التي تتمتع بها. لا زلت أذكرها تشير بيدها لمن هي أعلم منها وأقدر على التعبير: "قهوة!" أما الكاتبة الأخرى فهي برناردين إفاريستو. قدمت برناردين نفسها إليَّ على أنها من لندن: "ولدت وأعيش وأموت في لندن." ثم عرفت أثناء قيامي بالترجمة في الورشة أن والدها هاجر من نيجيريا إلى المملكة المتحدة، حيث تزوج أمها الإنجليزية البيضاء البروتستانتية ذات الأصول الأيرلندية الكاثوليكية، ضد رغبة عائلة الأم، بمن فيهم زوج خالتها المهاجر اليهودي الألماني الهارب من النازي، وجدتها التي أحبت أحفادها السود، وإن لم تقبلهم حتى ماتت. في روايتها لارا، تتبعت إفاريستو أصولها عبر ثلاث قارات وسبعة أجيال: من نيجيريا إلى البرازيل، حيث استعبد أجدادها حتى تمكنوا من العودة إلى الوطن، وفي الجزيرة البريطانية بكل ما استقبلته من تأثيرات وافدة. تكتب برناردين روايات مسرحية مسجوعة كالشعر. وهي تحرص على إضافة عنصر أفريقي في جميع أعمالها. يحس المرء في تعامله مع برناردين بالخشونة التي وجدتها في النيجيريين، وبفخر السود "المضاد" بأنفسهم عندما يعيشون في عالم أبيض. وجدت برناردين تطلب من المشاركات قليلات الحيلة اتباع قواعد غربية في الأعم. فلكي تصبح قصصهن شيقة، لا بد من التشخيص، والوصف، والتصاعد من "تجهيز المشهد"، إلى "ذروة المشكلة"، ثم الحل في النهاية. لا أعتقد أن هذا التحديد ينطبق على أساطير الشرق العربي القديم مثلا، فأحداثها تتسم بالدائرية بدلا من الخطية. ولا يزال بإمكان المرء أن يرى تلك الدائرية في أساطير اليونان القدامى: بروميثيوس الذي ما يلبث النسر إيثون أن يأكل قلبه حتى ينبت له قلب جديد، أو سيزيف الذي حكم عليه بدفع حجر أعلى التل ليتدحرج من جديد، إلى الأبد.
Syndicate content