حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

دين

الحكومة لا شأن لها بالشريعة

أثار إعلان دار الإفتاء المصرية دراسة متكاملة تجرم كل من يمارس الفتوى دون الحصول على تصريح من "الجماعة العلمية الإسلامية" انتباهي إلى حقائق تمر عادة في النقاش كمسلمات دون أن ينظر فيها أطراف النقاش. تنص المادة الثانية من الدستور المصري على أن "...مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، أي أن مبادئ الشريعة الإسلامية تؤثر على مصر على مستوى تشريع مجلس الشعب و ليس على مستوى تنفيذ الحكومة أو قضاء المحاكم، فهؤلاء ينفذون القوانين و يحكمون قياسا عليها. هذه الحقيقة غائبة عن نظر من يرغبون أن تحكم الحكومة بالشريعة مباشرة أو أن يفصل القاضي بما في الشريعة. الشريعة جسم كبير من آراء المفتين التي تختلف و تتعاكس في الموضوع الواحد. يؤكد هذه الحقيقة حكم محكمة النقض، و هي المعنية بتفسير القانون:
النص فى المادة الثانية من الدستور على أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ليس واجب الإعمال بذاته، إنما هو دعوى للشارع بأن تكون هذه الشريعة المصدر الرئيسي فيما يضعه من قوانين ومن ثم فإن المناط في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية استجابة الشارع لدعوته في إفراغ مبادئها السمحاء في نصوص القوانين التي يلزم القضاء بإعمال أحكامها بدءاً من التاريخ الذي تحدده السلطة الشرعية لسريانها، و القول بغير ذلك يؤدى إلى الخلط بين التزام القضاء بتطبيق القانون الوضعي و بين اشتراع القواعد القانونية التي تتأبى مع حدود ولايته، و يؤكد هذا النظر أنه لما كان الدستور المصري قد حدد السلطات الدستورية و أوضح اختصاص كل منها أو كان الفصل بين السلطات هو قوام النظام الدستوري مما لازمه أنه لا يجوز لإحداها أن تجاوز ما قرره الدستور باعتباره القانون الأسمى [محكمة النقض الدوائر المدنية الطعن رقم 108 س ق 57 م ف 41 تاريخ الجلسة 8 / 1 / 1990]
كما أفاد حكم سابق للمحكمة الدستورية العليا نفس المعنى:
لو أراد المشرع الدستوري جعل مبادئ الشريعة الإسلامية من بين القواعد المدرجة في الدستور على وجه التحديد أو قصد أن يجرى أعمال تلك المبادئ بواسطة المحاكم التي تتولى تطبيق التشريعات دون ما حاجة إلى إفراغها في نصوص تشريعية محددة مستوفاة للإجراءات التي عينها الدستور لما أوعز النص إلى ذلك. [المحكمة الدستورية العليا الطعن رقم 47 – لسنة 4ق الجلسة 21 / 12 / 1985 - مكتب فني 3]
مفتي الديار المصرية موظف في وزارة العدل، أي أنه تابع للسلطة التنفيذية التي يفترض أن تتقيد حصرا بالقوانين الصادرة عن السلطة التشريعية. إذا كانت هناك حاجة إلى منصب مفت رسمي في الدولة ليفيد برأيه في صياغة القوانين إن طلب منه مجلس الشعب ذلك (هنا قد يحاج البعض أن النظر و الفتيا مباحة و مطلوبة من الناس كلهم، و يمارسها المجلس مباشرة باعتبار أن لا وصي عليه)، فإن الأمر يقتضي أن يكون المفتي تابعا لمجلس الشعب و ليس للحكومة، و بالتالي قد يعينه مجلس الشعب أو ينتخبه الشعب بالاقتراع المباشر، لأن الشعب هو مصدر السلطات كلها. المطلوب إذن ليس أن تنظم الحكومة حق الفتيا طبقا لضوابط تراها هي، بل أن تمتنع الحكومة عن تغليب آراء فقيه على فقيه، و تلتزم بتطبق القانون و حسب.

افرحوا وابتهجوا

بعد بيتهوفن، تعلمت أولى أغنياتي في سن الرابعة عندما كنت أذهب إلى مدرسة راهبات عراقيات، عدا أنني لم أدرك وقتها أن هؤلاء كن راهبات، وأن في الأغنية مضمون ديني مسيحي–وهي ليست كذلك تماما–وأنني أقلية مسلمة. لا أظنني كنت مسلما في تلك السن المبكرة أيضا، فذلك هو الوقت الذي كنت أعرف فيه أن المسلمين يسكنون الكويت، والمسيحيين إنجلترا، بمن فيهم خالتي وأولادها. أما مصر فقد كانت بلدا عجيبا كل شيء فيه يظهر بظلال الأبيض والأسود كما تعرضها أفلام التلفاز: “تعال يا عمرو شوف مصر!”، كانت أمي لا تمر عليها فرصة من تلك الفرص إلا وتناديني. لم أكن أجد أيضا فرقا كبيرا بين أولئك الممثلين وبين عائلتي الكبيرة التي أراها في الصور، بل كان هناك دائما بعض التداخل. وفي الوقت الذي أتيح لي فيه أن أحادث فتاة اسمها ماريان من دون أن تبدو كالخارجة من قصص روبنهود، كان تركيزي قد انتقل من نية دراسة فقه الشافعي إلى محاولة الإجابة عن أسئلة مثل: ترى كيف يبدو إسلام البشر الذين يعتقدون بصلاحه لكل زمان ومكان لسكان كواكب أخرى هم موجودون حتما في مجرتنا بحساب الاحتمالات؟ ماذا تعني لهم كل النصوص عن العلاقة بين الذكور والإناث، أو بين الأجيال أو المجتمعات وهم لا بد مختلفون عن ذلك كله تمام الاختلاف؟ كنت مصابا بطلقة بندقية هوائية في ذراعي الأيمن عندما دلفت مسجدا في خريف عامي الحادي عشر لأصلي، وظللت أعود خمس مرات أسبوعا كاملا متيحا كل الفرص لأهل ذلك المسجد أن يعيدوا ترتيب عقلي قبل أن أقرر أنني لم أعد طفلا وتبدأ المشاكل. حاولت صادقا أن أعطيهم الفرصة، إلا أنهم لم يعرفوا أي الكلام يختارون، فخلعت عني الحلة الرياضية الخضراء التي ارتديتها كي لا أبدو مختلفا، وارتضيت لنفسي موقف الأقلية. كنت دائما ما أمل من قراءة الكتاب المقدس بمجرد وصولي سفر العدد، واعتدت في المرات القليلة الأولى لقرائتي إياه أن أقفز من العدد إلى أناجيل العهد الجديد قبل أن يصيبني الملل ثانية في الرسائل، إلا أنني بين الملل والملل حفظت الجزء الأكبر من الموعظة على الجبل:
فلمّا رأى يَسوعُ الجُموعَ صَعِدَ إلى الجبَلِ وجلَسَ. فَدنا إلَيهِ تلاميذُهُ، 2فأخَذَ يُعلَّمُهُم قالَ: “3هنيئًا. للمساكينِ في الرٌّوحِ، لأنَّ لهُم مَلكوتَ السَّماواتِ. 4هنيئًا للمَحزونينَ، لأنَّهُم يُعزَّونَ. 5هنيئًا للوُدَعاءِ، لأنَّهُم يَرِثونَ الأرضَ. 6هنيئًا للجِياعِ والعِطاشِ إلى الحقَّ، لأنَّهُم يُشبَعونَ. 7هنيئًا للرُحَماءِ، لأنَّهُم يُرحمونَ. 8هنيئًا لأنقياءِ القُلوبِ، لأنَّهُم يُشاهِدونَ الله. 9هنيئًا لِصانِعي السَّلامِ، لأنَّهُم أبناءَ الله يُدْعَونَ. 10هنيئًا للمُضطَهَدينَ مِنْ أجلِ الحقَّ، لأنَّ لهُم مَلكوتَ السَّماواتِ. 11هنيئًا لكُم إذا عَيَّروكُم واَضطَهَدوكُم وقالوا علَيكُمْ كَذِبًا كُلَ كَلِمةِ سوءٍ مِنْ أجلي. 12اَفرَحوا واَبتَهِجوا، لأنَّ أَجرَكُم في السَّماواتِ عظيمٌ. هكذا اَضطَهَدوا الأنبياءَ قبلَكُم.
هو رجل: رجل باسم القلب دائما إلا في لحظة أو اثنتان. يسوع عندي أيضا صلب، ومات على الصليب، ولم يقم بعدها، فلا قيامة من الموت إلا فيما تمنينا من جراء ضعفنا. لم أخبر مالكا فجر ذلك اليوم أننا نختار الإيمان لأننا لم نتحصل بعد على إرادة القوة كي لا نتمنى الحياة بعد الحياة. هنيئا للمحزونين لأنهم يعزون.
Syndicate content