حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

صحافة

سلامة الأفراد مسؤولية المجتمع

من يعذب شخصا أو يأمر بإيذائه لا يرى غالبا أنه يقوم بأسوأ الأمور، فهو بإيذاء فرد في رأيه يحمي المجتمع ككل، و ما يقوم به هو أخف الضررين: عندما تسيء معاملة شخص عابر، أو أحد المشتبه فيهم، أو أحد السياسيين فإنك تحفظ الأمن، أو تعيد المسروقات، أو تبقي على الاستقرار.

عندما كانت محررة موقع التعذيب في مصر تبدأ العمل، اقترحت عليها أن يكون شعار الموقع "سلامة الأفراد مسؤولية المجتمع". المنطق كالتالي: الأفراد ضعاف في مواجهة آلات القمع، و الأفراد المحتجزون هم من أقل الفئات قدرة على المبادرة للتأثير في مسار حياتهم. يحتاج هؤلاء و كل الأفراد في العموم لتضامن واسع من المجتمع غرضه حماية سلامتهم الجسدية على الأقل حتى يقدرون على الأخذ بزمام حياتهم.

حققت حركة حقوق الإنسان في مصر مؤخرا نجاحات في بعض القضايا بسبب تحالف بين النشطاء الحقوقيين و نشطاء الصحافة الشعبية و بعض قنوات الإعلام و الصحف الخاصة. هناك أفراد--أبرزهم وائل عباس و حسام الحملاوي و مينا ذكري--صاروا يمثلون وسيطا بين مدونين آخرين يقومون فعلا بتغطية مباشرة من موقع الحدث و بين الإعلام الكبير. أصبح بإمكان هؤلاء، و تيار الصحافة الشعبية مجملا، التأثير على أولويات ما ينشر في الصحف و القنوات. كان من نتيجة هذا التحالف أننا نرى الآن تراجعا في خطاب النظام فيما يتعلق بالتعذيب، فهو الآن موجود بعد أن كان منكرا، إلا أنه لا يزال "ظاهرة فردية". يا ترى ما عدد أفراد الأمن العام؟ و ما هي نسبة الحالات الفردية هذه؟

إلا أن تلك المكاسب كان أمامها خسائر أزعم أنها فادحة. فأثناء العام الماضي اشتركنا في التعريض بأفراد تعاملنا معهم بشكل قد لا نرضاه على أنفسنا، و الأهم أنهم هم لا يرضون عنه. عماد الكبير مثلا، بالرغم من فرحته بحكم القضاء لاحقا بسجن إسلام نبيه، لم يوافق بداية على نشر قصته في الصحف، و لم تهتم الصحف و لا المدونات حينها لموافقته من عدمها. من الممكن أن أقارن تعاملنا مع عماد الكبير بمنطق ممارس التعذيب: هناك مصلحة عليا أكبر من عماد. هذه المصلحة نعرفها نحن أكثر من عماد، و لهذا فإن جرى لعماد مزيد من الضرر في سبيل القضية فلا مانع، و قد لا يجري. أنا هنا طبعا أفترض حسن نية جميع النشطاء ضد التعذيب.

أعتقد أنه تم إنجاز الكثير في العام السابق، و جزء كبير من هذا يعود لمجهود النشطاء و المدونين المذكورين، و هو أمر يدعو للفخر. ترسخ الآن في وعي الرأي العام المصري أن التعذيب و إساءة المعاملة يحدثان كثيرا في البلد. يكون من المفيد الآن أن ننظر قدما و أن لا نعيد تكرار أخطاء ما مضى.

شيء من هذا القبيل قد يكون في دور الحدوث فعلا. فمؤخرا حاول وائل عباس التفكير في الضحية. الفلم الأخير الذي نشره وائل يصور إجبار رجل إمرأة على خلع ملابسها أمام الكاميرا و في حضور آخرين، فلم ينشر إلا صورة ثابتة و تسجيلا صوتيا. أحب أن أعرف إن كان دافع وائل هو حماية المرأة لأنها أنثى، و إن كان دافعه سيختلف حال كان الضحية رجلا يجبر على التعري خلاف إرادته.

على أي حال، أداء وائل هذه المرة كان أفضل كثيرا من قناة المحور فيما يتعلق بالتركيز على الضحية؛ فقد عرضت القناة الفلم للملايين مظهرا وجه الفتاة و ملابسها الداخلية الزرقاء، لكن حفاظا على حياء المشاهدين أخفى تفاصيل صدرها--لاحظ أن الضحية لا تهم هنا. المجتمع أهم من الأفراد، تماما عكس "سلامة الأفراد مسؤولية المجتمع". كنت أود أن يلحظ وائل، أو محامي حقوق الإنسان محسن بهنسي--الذي حضر معي في تحقيقات النيابة--هذا بينما يسائلهم المذيع عن مسؤولية المدونات.

الضرر هنا ليس فقط نفسيا و مجتمعيا كالضرر الذي عاناه عماد جراء التعريض به. هناك أيضا خطر على سلامة هذه المرأة، و بالذات لأنها أنثى. فنحن في مجتمع لا يغسل فيه الشرفَ إلا الدم.

أرى أن حركة الصحافة الشعبية حققت مكاسب جيدة، و يتعين عليها الآن التفكير في المزيد، و من هذا المزيد أخلاقيات ما ننشر. استطاع صحافي حديث في جريدة الفجر اسمه كمال مراد أن يعثر على عماد الكبير ممارسا بذلك نوعا من الصحافة يسمى الصحافة الاستقصائية، إلا أنه لم يفكر في تبعات نشر قصته على عماد. كمال مراد غير نقابي، أي لا فرق كبير بينه و بين أي مدون يريد القيام بذات الشيء. من الأفضل أن نحاول العثور على ضحايا التعذيب و أن يعمل النشطاء معهم بدلا من أن نعرض بهم.

كسرت عين عماد؟

كم أخبار تعذيب و إساءة معاملة المصرين التي خرجت علينا الأسبوعين الماضيين يعني عندي شيئا هاما: أن باستطاعة عدد قليل من الأفراد، إذا توافرت الظروف، أن يركزوا اهتمام الرأي العام على قضية بعينها. ما قام به مدونون مثل ماك، و وائل عباس، و محمد الشرقاوي، و حسام الحملاوي، و عمر الهادي، و مالك مصطفى، و علاء عبد الفتاح، ثم عبد المنعم محمود، و نوارة نجم، و مراقب مصري و آخرون كمحرر موقع التعذيب في مصر هم أنهم، ببساطة، أعادوا تشكيل وعي آلاف عديدة من المصريين بقوة تسمح لهم أن يتوقفوا الآن إن أرادوا، فالقضية حاليا تتحرك بالقصور الذاتي إلى حد ما.

الأخبار عن آخر حالات التعذيب حتى الوفاة و الصور المنشورة على الوعي المصري--و أنا لا أعرف إن كانت الحال دائما كذلك أم أننا لم نكن نسمع أو نرى-- أعادت إلي ما مر بذهني وقت نشر فيديو عماد الكبير على المدونات: بينما تظهر كل فترة دعوة ممن يرغبون في تهميش خطاب بعينه أو مفردات بعينها في المدونات--أو الصحافة أو السينما أو حتى غرف الجلوس و المقاهي--، نادرا ما وجدت أحدا يلقي بالا إلى ما ينشر عن ضحايا التعذيب و سوء المعاملة. فبالإضافة إلى المجهود الذي ينبغي عليهم القيام به في محاولة لإعادة بعض من التوازن إلى حياتهم هم و من معهم، فإن على هؤلاء الضحايا التعامل مع إعلام و رأي عام يفرض عليهم ضغطا كبيرا جدا. أذكر أنني رأيت فيديو عماد الكبير قبل أن يتم نشره على المدونات، و أنني طلبت أن يخفى الوجه كإجراء أدنى قبل النشر في محاولة للحفاظ على ما تبقى من الرجل، و أنني تطوعت للقيام بالمهمة، على الرغم من جهلي الكامل بأدوات تحرير الفيديو، قبل أن أنشغل في أمور أخرى، للأسف.

لم نفكر كثيرا، مدونين--و بالأولى الصحافيين، باعتبارهم محترفين، أو يفترض-- أو حتى متلقين عن أخلاقيات نشرنا صورا و أصواتا لرجل يهان--في نظره قبل أن يكون في نظرنا نحن. عادة لن تنشر الصحف التي أحترمها الصور الأخيرة على الوعي المصري لمحمد ممدوح عبد العزيز لأنه:

و لكي أسجل موقفا، فإن الأمر لا يتعلق هنا بحماية مشاعر المتلقين من الصدمة، بل بحق الضحية نفسه. أرغب أنا أن أعيش في عالم إذا حدثت فيه مآس كهذه أن لا يخجل أي من الضحايا من الحديث عنها بالتفصيل، و بالتالي لن أمانع مثلا في أن أنشر صوري أنا، أو أن أسأل محمد الشرقاوي، و هو صديقي الذي مر بتجربة شبيهة بتجربة عماد الكبير، و واجهها و تحدث عنها، إدراكا منه أن لا يد له في كل ما يجري في موقف و حالة عقلية لا يقدر الكل على الوصول إليها، إن كان يمانع أن أنشر صوره. بل إن العالم الذي أتمناه لا يحوي قيودا على التعبير من أي نوع، بما فيها قيود القانون الدولي المعيب في رأيي. و مع ذلك، فأنا مدرك أن غيري يرغب في عالم مختلف تماما، و أنه لا يحق لي أن أفرض عليه ما لا يرغب. لا شك أن كثيرا من الناس لن يرغبوا في نشر صورهم أ و صور أطفالهم و هم ضحايا حوادث أو جرائم.

قد يحاج البعض أنه لولا أن نشرت المدونات صور عماد الكبير لم يكن لكمال مراد الصحافي في الفجر أن يعثر عليه--و ما حدث بعد ذلك و أخلاقياته أمر آخر. هل وافق عماد على وضع اسمه و صورته معا؟ هل كان له الخيار؟--قد لا يبالي البعض باعتبار أن الغاية، و هي في حالتنا بيان ممارسات الشرطة، قد تبرر وجود ضحايا، أو أن من منع نشر الفيديو ظنا منه أنه يحمي خصوصية عماد واهم لأن أحدا آخرا لا بد أن ينشر ذات الصور في عالم مليئ بالشبكات كعالم اليوم. هذا قرار ينبغي على كل واحد منا أن يأخذه بنفسه. ما هي أخلاقيات الصحافة؟ متى نتوقف عن نشر الصور أو التفاصيل على الملأ؟ هل ساعدنا الشرطة فعلا أن يكسروا عين عماد؟

بغض النظر عن ما كان. أعتقد أن بعد وصول وعينا بقضية التعذيب في مصر إلى ما هو عليه الآن، صار من الممكن أن يركز النشطاء على وجوه أخرى غير وجوه الضحايا.

صهيوني أرتدي المساحيق

اتهام وفد منظمة السلام الأخضر بترويج الصهيونية واستقطاب الشواذ في الاسكندريةاتهام وفد منظمة السلام الأخضر بترويج الصهيونية واستقطاب الشواذ في الاسكندرية أثناء جلوسي منذ يومين في مكتب خدمة العملاء بالمصرف، استأذنت عميلة أخرى بالدخول لتسألني، “إنت بتقرا جرايد إيه؟ وإيه اللي بيمشيك في مظاهرات كفاية؟ وإيه رأيك في الدستور وصوت الأمة؟ ابقى سلم لي على إبراهيم عيسى! قل له أنا الست اللي بتسجل كل حلقاته”. بداية من مارس الماضي، نشرت لي الدستور بضعة تدوينات، ثم جاءت التغطية الصحافية لمظاهرة السيدة زينب ومظاهرات الأربعاء التي استمرت بضعة أسابيع، وتبعها أو عاصرها تناول الصحف العربية للمدونين المصريين وأنا منهم، ثم مقابلات صحافية ولإذاعات غير عربية مع اعتقال عبد الكريم، وبعدها جائزة دويتشة فيلله التي نقلت نتائجها مدونات كثيرة، بالإضافة إلى ما يكتبه المدونون عن بعضهم البعض. وصلتني مؤخرا رسالة من واحدة مصرية تلفت انتباهي إلى ذكري في صحيفة أخرى كجزء من تطوعي مع جرينبيس من عدد النبأ 2005.12.11، الصفحة الرابعة، باب “كلام الشارع”

إحنا

إليكم نص تعليق لي عن مقال لأحمد المغربي في صحيفة الحياة ليوم 13 يناير 2005:
يبدو أن الصحافيين العرب هم أيضا من أكثر الصحافيين تأخرا في ملاحقة المدونات التي تظهر بلغتهم. وصلت إلى هذا المقال من مدونة من سوريا، هذا البلد الذي يضرب به المثل في حصار إنترنت. لإفادة الجميع، استقر المدونون العرب على اصطلاح "مدونة" لما سماه الكاتب "بلوغرز"، وعلى "تدوينة" لما قد يسميه "بوست". يلوم الكاتب العرب لأنهم يغرقون "في الكلام الذي بات مكروراً عن «المعلومات بضربة ماوس» و«الياف الانترنت تزنر العالم» و«سيول المعلومات على الشبكة» و«المواقع المفتوحة اون لاين» وغيرها من الكليشيهات التي تعكس انبهاراً، شديد التخلف، امام المتغيرات بأكثر من الجرأة النقدية تجاهها"، بينما نراه يتحدث عن "ظاهرة «بلوغرز»" وهو يقصد ما نسميه نحن عادة التدوين. قد يرغب الكاتب، كلاحقة لمقاله هذا، أن يكتب عن مدوناتنا، وعن مسابقة لفضلى المدونات العربية التي بدأ التصويت عليها اليوم. كنت أدردش منذ ساعات مضت مع أحد أقدم المدونين بالعربية عن يوم يصبح فيه بإمكاننا تأجير أحد حسابات التدوين التي تسهل علينا التعامل مع اللغة العربية، وتعطينا إمكانيات أكبر. هل يستغني أحدكم عن مئة وخمسين دولارا سنويا؟
الطريف هو أنني كتبت التعليق، وملأت باقي الخانات (اسم، وعنوان بريد، وعنوان رسالة) في تلك النافذة الصغيرة المخصصة للتعليقات، ولكني لأول وهلة لم أر زر إرسال التعليق في أي مكان. لماذا يرغب أحدهم في إخفاء أهم عنصر في الصفحة بهذا الشكل؟ على كل، صحيفة الحياة من أكثر الصحف العربية احتراما وحِرَفِيَّة. أتابع أخبارها وأربط إليها بشكل دائم، وهذا ما جعلني أرد بالتعليق.
Syndicate content