حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"
أعمل حاليا على تطوير الموقع. بعض الصور قد لا تظهر بالأحجام المقصودة أو على الإطلاق.

بعد رامي، باقي المدونين المصريين

التقطت أول أعداد صحيفة الدستور اليوم من بائع صحف في شارع 26 يوليو.على الغلاف: "استعنا على الشقا بالله". في أعلى كل صفحة مادة من مواد الدستور المصري. معظمها غير مطبق، وكلها ذات صلة بمقالات الصفحة. مثلا صفحة 24: اللي ما يتكلمش يكتر همه. المادة 49: تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي، وتوفر وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك. أما الصفحة فهي ببساطة اقتباسات من مدونات مصرية: إنسان قديم: التماسات لمجلس الشعب. أفريكانو: حوار حول الأخبار. طي المتصل: حكاية من بعيد. لون ولف: عن الصدف السعيدة. حياة ديدو: تأملات طريق يومي. يا طالع النخلة: زحمة يا دنيا زحمة. تحت كل مدونة عنوانها. توقعوا سيلا من الزيارات!

أي من هاتان قطر؟

وجدت فرصة الأسبوع الفائت لأسيح في الدوحة، عاصمة أسرع اقتصادات العالم نموا (10% سنويا). الأحياء القديمة الباقية ذكرتي بكويت الثمانينيات. بعد خمس سنوات ستبدو الدوحة أشبه بدبي: مبان زجاجية ترتفع وإن لم تتلاصق؛ أسواق تقليدية تتحول إلى بازارات سياحية؛ مدارس ومرافق وملاعب تبنى، فكل شيء هنا يدور حول الألعاب الآسيوية 2006: المها أصبحت أوري. حريق في الفندق الأول ينقلني إلى الألمع. أسمع صرير حذائي الأخضر المطاطي المهترئ على رخام الأرضية بينما أمر بجانب فردين من البحرية الأمريكية. أحدهما مستند على عمود رخامي: ترى هل يخدمون على السفينة التي أراها أثناء تناولي الفطور؟ هما جنديان بالزي العسكري، وفيليب وتوني استعماريان من مرتدي الملابس الأنيقة. عملت في قطر لأسبوعين في مشروع اسمه سبورتس كنكشن. اسمه سبورتس كنكشن لأن أحدا في المجلس البريطاني لا يفكر إلا بالإنجليزية. المشروع وعشرات مثله جزء من "مبادرة تهدف إلى بناء تفاهم، وتعلم، واحترام متبادلين بين الشباب من مختلف الخلفيات الثقافية في المملكة المتحدة وبلاد أخرى". وتأويل هذا: بعد غزوة نيويورك في الحادي عشر، أصبح من الضروري بيع أماكن في الجامعات البريطانية لمن يصبحوا صفوة بلادهم بعد ثمانية أو عشر أعوام: صحافيون من مصر، وعلماء من مصر، ومدرسون من المغرب، وموسيقيون من إيران، وأديبات من الباكستان، وطلبة من تركيا، وممثل من فلسطين، ومتطوعون من إندونيسيا، ونساء من غانا، وأصدقاء من جنوب القوقاز... سبورتس كنكشن هو اسم آخر لبرنامج أعمل فيه منذ ما يزيد على عامين. يستخدم أحلام الجماعة الرياضة في تنمية مهارات القيادة والمواطنة لطلائع القادة--الذين افتتحت لهم مدونة اليوم--مستخدما أسلوب تيسير التعلم (لا يمكنني أن أعلمك شيئا، بل فقط أن أساعدك على أن تعلم نفسك). المفاهيم جيدة وتصنع السحر. إلا أنه في سبورتس كونكشن الأخير هذا، وجدت كل العداء في التفاصيل. لا علاقة لي بتفجير الدوحة. القواعد العشرة الذهبية: من على حائط المجلس البريطاني في الدوحةالقواعد العشرة الذهبية: من على حائط المجلس البريطاني في الدوحة

يا غبي! أين كنت حين تم توزيع العقول؟

لاحظت أثناء عملي اليوم أن الجمل العربية عادة ما تكون أقصر كثيرا من الإنجليزية، على عكس شكوى العرب من لسانهم. ثم وجدتني أحاول أن أشرح قواعد لغة أنا غير ملم بها. تصفحت بعدها منهكا أحدث التحريرات في ويكيبيديا العربية، ووجدت مقالين (مفروض أنهما بذرتان لمدخلات موسوعية). الأول عن "سنفور"، الذي هو، طبقا للموسوعة، "كائن حي خيالي، صغير الحجم، أزرق اللون، ويعيش في الغابة". تذكرت سنفور ذكي وهو يصرخ في سنفور غبي: أين كنت حين تم توزيع العقول! المقال الثاني عنوانه "تعريف"، ونصه: التعريف قد يكون بيان الملكيات الضرورية ، أَو بيان المكافئة بين التعبيرِ ومعنى ذلك التعبيرِ . حيث لايكون بين الاثنان اي تعارض. تذكرت عندها ليلة جلست فيها لأسمع مقاطع من كتاب العروض للأخفش: "ومن قال إن الشعر ما أريد به الشعر فجاء على هذا البناء فليس بشعر؛ قلت فغير الشعر لم يُرَد به غير الشعر فليس هو غير الشعر، لأنه لم يرد به غير الشعر، وليس هو شعرا لأنه لم يُرَد به شعر. فما هو؟" الأخفش هو سعيد بن مسعدة أبو الحسن الأخفش الأوسط البلخي ثم البصري النحوي. أخذ النحو عن سيبويه وصنف كتبا كثيرة: منها كتاب في معاني القرآن، وكتاب " الأوسط " في النحو، وغير ذلك. وله كتاب في العروض زاد فيه بحر الخبب على الخيل. سمي الأخفش لصغر عينيه، وضعف بصره. وكان أيضا أجلع، وهو الذي لا تنضم شفتاه على أسنانه. كان أولا يقال له الأخفش الصغير، بالنسبة إلى الأخفش الكبير أبي الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الهجري، شيخ سيبويه وأبي عبيدة. فلما ظهر علي بن سليمان ولقب بالأخفش أيضا صار سعيد بن مسعدة هو الأوسط، والهجري الأكبر، وعلي بن سليمان الأصغر. قال القاضي ابن خلكان: "وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل : سنة إحدى وعشرين ومائتين.

الأمير الصغير

بعد عقود من اليوم، سيرى الناس فؤاد حداد كأول من كتب باللغة التي ستتحدث بها يوما ما أمة عربية لا تزال في طور التشكيل--وإن كانت مختلفة عن القومية بالمفهوم الغربي. حداد نفسه من أول أفراد هذه الأمة الجديدة، فقد ولد في حي الضاهر بالقاهرة لأب بروتستانتي ولد بدوره فيما أصبح لاحقا لبنان، وأم مصرية من أصول سورية من الطائفة الكاثوليكية. تعجبت جدته منه طفلا مصرا على أن يجيبها بالعربية حين تحدثه بالفرنسية. واختار دينه إسلاما هو--في نظري--أقرب لدين الأغلبية الفقيرة منا. لغة حداد ليست الفصحى التي يجيدها بشكل لم أقرأ له إلا مثيلا أو اثنين. انتهيت من نسخ مخطوط لفؤاد حداد أعاد فيه قصة الأمير الصغير لأنطوان ديسانإكزوبيري في صيغة شعرية عربية. وجدتني أحافظ على قواعده اللغوية الخاصة التي لا أفهمها جيدا، وإن كنت أدرك أنها عن قصد: الهاء والتاء المربوطة؛ الألف والهمزة؛ الياء والألف المقصورة؛ الترقيم؛ ربط الكلمات وفصلها. إمسح دموعك يا أميرى الصغير فضفض لى عن نفسك بأحلى الكلام وقول لى ازاى الورده نبتت من بذره حملتها للكوكب رياح الليالى من مكان مجهول وفضلت واقف أمام المعجزة مذهول مستنى تتفتح على الدنيا، مستنى تصحى من المنام وهى الورده من يوم ما كانت فى بطن الأرض كانت قاعده تتزين وتختار لنفسها ألوان النظر وتوب الابتسام كانت بتحب الدلال والغندره والعجب تفرد ورقها وتهدل فى شعرها، وتعدل فى القسمه بين الرقه والأبّهه والفتنه من قلبها تجرى على الأكمام مش عايزه أكتر من تمام التمام

عد اللانهاية

طالعت اليوم صورتي، ثم الخرزات، وتذكرت ما كتبته منذ زمن بعيد عما حدث من أبعد: أثار فضولي معرفة أن الأعداد لا نهائية. كيف يمكن لأي أحد أن يتأكد من أنه لا يوجد عدد نهائي؟ كنت وقتها فرغت من الصف الأول، وكان زملائي ذوي السنين الستة يعدون حتى العشرة، بينما لم أكن أجد صعوبة في الوصول للمائة، بل حتى تخطيها. إذا كان أحدهم يستطيع القيام بالمهمة فلا بد أنه أنا. وهكذا ببساطة، أمضيت شطرا كبيرا من العطلة في العد: من الواحد وحتى الوصول إلى نتيجة، عدة ساعات كل يوم. كنت، مسلحا بمفهوم المراتب العددية ومهارتي في وضع العدد المنطوق على الورق، أدون العدد الذي أصل إليه قبل نومي حتى لا أبدأ من البداية كل صباح. وزاد من صعوبة المهمة أن الورقة كانت تختفي أحيانا، وخاصة عندما يكون العدد عليها كبيرا. عندها كان ينبغي إعادة الكرة. لاحظ أبي بعد فترة إخلاصي الشديد للعملية، ووجدته يوما عائدا من العمل حاملا شيئا فيه عدد من العصيان الخشبية بداخل كل منها تسع خرزات ملونة. شرح لي كيف أن هذا الشيء الذي دعاه "معدادا" يمكن أن يساعدني في الإسراع بعملية العد. كنت وقتها في مرتبة عشرات الألوف، مما جعل نطق الأعداد عملا مضنيا. وهكذا، أصبح من الممكن أن أعد 65,924 في أقل من ثانية، بالإضافة إلى أن العثور على المعداد كل صباح أضمن من العثور على الورقة. كل ما علي هو أن أضعه في مكان آمن وهادئ حتى لا يعبث به أحد. أصبحت المهمة أسهل كثيرا لدرجة أن الإمكانيات الجديدة أغرتني بالتخلي عن نطق العدد والاكتفاء بتحريك شفتاي مع كل خرزة. بل إن حتى التمتمة تضيع الوقت. أنهيت المراتب الستة للمعداد في غضون أسبوع خجلا من السهولة التي أصبحت الأمور تتم بها، حتى ظننت أنني محتال. بدا لي وقتها أن العدد تسعمائة وتسعة وتسعين ألفا وتسعمائة وتسعة وتسعين ضخم إلى أبعد حد. كنت أعرف أن هناك المليون، ولكني توقفت عن متابعة العد بنفس البساطة التي بها بدأت.

منظمة العفو الدولية

شمعة العفو

توفي منذ أيام بيتر بننسون، المحامي البريطاني، ومؤسس منظمة العفو الدولية. تنشط المنظمة للإفراج عن سجناء الرأي، وإلغاء عقوبة الإعدام، والتعذيب. ويعمل أعضائها--1.8 مليون فرد--في حالات في غير بلادهم. أولى علاقاتي مع المنظمة--التي لا يوجد لها تمثيل في مصر إلى اليوم--بدأت عندما التقطت مطوية لها من جناح أحد المكتبات في معرض الكتاب في الكويت، وسألت أبي عنها. كنت يومها في التاسعة. من ذات الجناح سرقت كتابا لا زلت أحتفظ به.

وأين هي قطر؟

قرص دواء من أيرلندا نبيذ من الأرجنتين مضيفات من شرق آسيا الطعام إيطالي المذاق هندية تجلس بجانبي والطائرة وجهتها قطر هذا حال السفر. فكيف حال البلد؟ كمعظم زوار الأعمال، لم أجد فرصة أن أرى منه إلا الفندق والطريق إليه من خلف زجاج الحافلة--التي لم تحفل إلا بي أنا والسائق الهندي الذي يناديني بـ"سير"، هو وطبقة الخدم الهنود والآسيويين كلها. رأيت أيضا من نافذة غرفتي بيوتا مسقوفة كلها بالقرميد. الفندق "عالمي"، وهذا معناه أن يحدثني العرب بالإنجليزية. النزلاء أوربيون وأمريكيون، والضيوف خليجيون، والعمال طبعا من باقي آسيا. الفندق "عالمي"، وهذا معن مخفف: الطعام الياباني يعده التايلانديون، والطعام الفرنسي يعده الأفريقيون. بدت القاهرة ليلة أمس مليئة بالحياة والإمكانيات. أعود كارها بعد أيام.

بَدَأَتْ موسيقاي ببيتهوفن

لودفج فان بيتهوفنلودفج فان بيتهوفن أنا أسمع بيتهوفنأنا أسمع بيتهوفن جلست ذات سبت منذ بضعة أعوام أعلى الصالة وصممت أذناي كي أشاهد تاسعة بيتهوفن بدون أن أسمعها، واستعضت عن السمع بما في ذاكرتي. لم أركز على أي تفاصيل، بل ثبت نظري على نقطة بين الفيولا والكمان. أدهشتني موجات تتحرك من اليسار النحيف إلى اليمين الغليظ في الوتريات، يقطعها أفراد يقفون معاكسين في النحاسيات والخشبيات هنا وهناك. واخترق صممي عازف الطبل الكبير وهو يستعيد طلقات المدافع التي لعبت الموسيقى في الليلة الأولى لعرض التاسعة كما أخبرني أبي طفلا. الحركة الثانية هي أول ما أحببت من موسيقى. أدهشت نفسي أكثر نازلا السلم إلى باب الخروج، ففي هذه التجربة لم أكن واعيا أن بيتهوفن فقد سمعه تماما قبل تمام تأليف الكورالية. كنت أحلم طفلا أنني أصم لأرى العالم أوضح، وأبعد.

بركة

على خلفية من موسيقى دِد كان دانس ومايكل ستيرنز، تمر أمامك مشاهد متقطعة وأخرى مسرّعة من فلم تتيه فيه لا تتابعه: كلنا نعبد السر ونعمل في عالم مليء بالأصوات، والألوان، والأشكال، والحركة. بدأ المشروع من كتاب لمارك ماجدسون، الذي تعاون مع رون فيلكه في تصويره بكاميرا من مقاس 70 ملمترا في أربع وعشرين بلدا على القارات الست. اضغط على الصورة لترى عرضا لبعض ما جاء بالفلم.

صوت الأذان مختلف في سيوة

[img_assist|nid=136|title=شالي سيوة|desc=الصورة لرندة الشريف|link=node|align=left|width=200|height=150][img_assist|nid=137|title=برج بابل|desc=بيتر بروجل الأكبر|link=node|align=left|width=200|height=151] ظل أهل سيوة يزرعون نخيل البلح، ثم صاروا يزرعون الزيتون أيضا: في سيوة اليوم 300,000 نخلة و70,000 زيتونة. يركب الرجال منهم الدراجات، أما النساء فتجلسن في عربات تجرها الحمير يقودها رجل او صبي. لم أر إلا أربع نساء راجلات، وواحدة سافرة الوجه حمراؤه كوجوه معظم الأمازيغ. عشرة من أحد عشر قبيلة تسكن أحد عشر قرية في سيوة من الأمازيغ، وهم يتحدثون العربية كلغة ثانية، على عكس القبيلة الحادية عشر العربية أو المستعربة. يبلغ أهل سيوة في مجموعهم 22,000 نسمة، منهم أصحاب بشرة أفريقية سوداء وأنف أفريقي أفطس، وشعر أفريقي أجعد. ولا يزال بإمكانك زيارة جبل دكرور، المسمى على اسم منطقة ووادي تكرور في السنجال التي لا بد أن قدم منها بعض أهل الواحة، وكل من اسمه دكروري. يقام في دكرور "احتفال السياحة" الذي يستمر أياما ثلاثة آخرها بدر الشهر القمري الذي يوافق أكتوبر، موسم حصاد البلح. خوفا من غارات العربان، تحصن أهل سيوة منذ القرن الثالث عشر الميلادي في عمارات ضخمة اسمها "شالي" (مدينة بالأمازيغية) بنوها من القورشيف، وهو "طين طفلي رملي صحراوي عالي الملوحة". لكل حصن من هؤلاء باب واحد يغلق عند المغيب ولا يفتح إلا مع فجر اليوم التالي. يجد المرء الآن ثلاث أطلال: شالي سيوة المؤسس عام 1203 والمهجور منذ الأمطار الغزيرة عام 1926، عدا البيوت القريبة من الأرض؛ وشالي أغورمي (القرية التي زار الإسكندر معبدها الشهير عام 331 قبل الميلاد. أقيم المعبد في القرن السابع قبل الميلاد)؛ وشالي "قارة" المهجور منذ ربع القرن فقط. قارة (أم الصغير) هي أبعد قرى سيوة وأصغرها، بل هي أقرب إلى حافة القَطَّارِة (أضخم المنخفضات الهوائية في العالم، وفيه ثالث أخفض نقطة في اليابس) والوحيدة التي تقع داخل المحمية الطبيعية، والتي لا يزيد سكانها ولا ينقصون عن ثلاثمائة وبضع نفس. لم تسجل أي شالي كأثر إلى الآن. يذكرني المشهد بلوحة بيتر بروجل الأكبر برج بابل. تحول السيويون إلى المسيحية مع نفي الروم الأقباط المونوفستيين إلى الصحراء. لم ينجح موسى بن نصير أو طارق بن زياد في غزو الواحة، ولم يتحول السيويون إلى الإسلام إلا بعد ذلك بقرون. أصبحت سيوة جزءا من الدولة المصرية لأول مرة عصر الأسرة المصرية السادسة والعشرين، وظلت تزورها جيوش محمد علي مرة بعد أخرى 1819-1829 إلى أن قصمت المقاومة السنوسية. دخلت مصنعا عسكريا تنسج فيه فتيات سيوة سجادا لا علاقة له بتراثهن، ويمكنك شرائه من أي مكان داخل مصر أو خارجها: حلقة أخرى في تنميط المصريين. لم يصل للواحة طريق أسفلتي إلا عام 1986 ليربطها بمطروح، ويتم الآن العمل على طريق سيوة/البحرية، الذي يختصر الرحلة من القاهرة مائتي كيلومترا. سيوة نصف منخفض يشترك مع واحة الجغبوب على الجانب الآخر من الحدود المصرية-الليبية في حوض واحد. يجد القادم من الشمال نفسه يهبط الهضبة إلى المنخفض بلا مقدمات، الذي هو أيضا منخفض من منخفضات، يعرف كل منها بالحِطِيَّة. على طريق العودة، رأيت هضبة مرمريكا (وتعريبها مريوط) التي تمتد شمال سيوة وجنوب الساحل الشمالي الغربي وقد تلقت هذا العام أمطارا كثيرة كست الاستبس بخضرة ذات كثافة لم يسبق أن شهدتها هناك.

فتحي سلامة

فتحي سلامة: صورة مسروقة من موقعهفتحي سلامة: صورة مسروقة من موقعه تفتقر الموسيقى العربية عموما--والمصرية خصوصا--إلى العمق. وهذه هي النقطة التي يتميز فيها فتحي سلامة، فهو يرتل موسيقاه طبقة فوق طبقة: من إيقاعات عدة والباص الغليظ الذي نفتقر إليه بشدة--والذي بدونه تتسطح موسقيانا--وصولا إلى تناغم بين الأصوات الواضحة وغير الواضحة لآلات العزف المنفرد في المقدمة، وهي عندنا فعلا بلا قاعدة تستند إليها. تابعت بعد انتصاف ليلة اليوم، جالسا على أرضية خشبية لغرفة عارية من الأثاث جوائز جرامي، التي حصل فيها ألبوم السنجالي يَسّو نْدُور "مصر" على جائزة أفضل ألبوم موسيقي من أفريقيا. شاركني فتحي سلامة الجلوس على خشب الغرفة، وانتظر معي وأصدقاء آخرين تآليفه التي غنى عليها يسو وهي تفوز بأكبر جائزة موسيقية. يغني يسو بلغة الولوف المنتشرين على ساحل غرب أفريقيا عن الإسلام وصوفية السنجال.

أزمة التحديث

هو بتاع الكشري اللي هنا فين؟ بعد المقهى الثقافي على اليمين. ماشي.
أكوام من التراب الذي يزال ليعود. وجوه تائهة. شرائط واسطوانات صوتية. أشياء تضيء وتصوِّت وتبرم كي تفرح العيال. تمضي الأيام بطيئة في سوق القاهرة للكتاب الذي أشارك فيه في جناح معرض فرانكفورت للكتاب. على خلفية اعتقال ثلاثة ناشطين لقيامهم بالترويج لمركز الدراسات الاشتراكية--الذي لا أستطيع الوصول إلى مدونته بدءا من اليوم، والذي صودرت منشوراته من جناح ميريت للنشر والمعلومات--؛ واعتقال أيمن نور رئيس حزب الغد وعضو الحركة المصرية من أجل التغيير، وأول من يحاول الحصول على أصوات ثلث مجلس الشعب لاتخاذ أول خطوة دستورية للترشح لرئاسة الجمهورية، ألغيت مظاهرة نظمتها الحركة غدا في المعرض. ترفض الحركة التجديد لمبارك رئيسا للجمهورية، وترفض توريث الحكم لجمال مبارك، وتدعو لتغيير الدستور ليسمح بانتخاب مباشر للرئيس ونائبه. ترفع الحركة شعار "كفاية"، وهي إلى الآن ظاهرة محدودة لها نشاط إلكتروني، وإن كانت تحاول إيجاد قاعدة أوسع من المؤيدين. يمكن في هذه الحركة تتبع نمطا بدأ عام 2000 في صربيا، حين لعبت حركة أوتبور--"مقاومة" بالصربية--دورا رئيسيا في الإطاحة بسلوبودان ميلوسوفيتش، وذلك بالمقاومة السلمية المبنية على أفكار جين شارب. في عام 2003 اتبعت جورجيا ذات النمط في ثورة الزهور التي أطاحت بدورها بإدوارد شفرنادزه. الاسم الشعبي للحركة هو كمارا--"كفاية" بالجورجية.--قتل اليوم رئيس وزراء جورجيا خنقا بالغاز--، ثم العام الماضي 2004 في أوكرانيا: الثورة البرتقالية التي قامت بها حركة بورا--"حان الوقت" بالأوكرانية، بالإضافة لحركات مثيلة في بلاروسيا (زبر)، وألبانيا ("مجافت"، أي كفاية بالألبانية). يدعم هذه الحركات في شرق أوروبا من خلال معهد العالم المفتوح الممول جورج سوروس--أحد أثرى أثرياء العالم، والشخص المثير للجدل. يعتمد سوروس في سعيه لتحديث العالم على تشجيع المجتمع المدني في بلاد عدة، وبرى أن فرض التحديث بالقوة العسكرية غير مجد، لذا فقد ساهم بـ15.5 مليون دولار في الحملة ضد بوش، التي يقول عنها أنها "مركز حياتي"، بالرغم من أنه شريك لبوش وابن لادن في مجموعة كارليل، التي تركز استثماراتها في الأسلحة. من الواضح أن الحركة المصرية من أجل التغيير متأثرة في خطابها ونشاطها بالحركات في أوروبا الشرقية. ينسب سوروس لنفسه أنه من أمرك تلك البلاد. في حال اهتمام سوروس بحالة مصر، ستكون البلد الأول خارج أوروبا. من المثير للاهتمام متابعة ردود فعل الحركة المصرية من أجل التغيير عند بدء معهد العالم المفتوح الاتصال بها، لا سيما أن كثيرا من الموقعين على البيان التأسيسي للحركة، وهم ممثلين للطيف السياسي المصري بأكمله، يرفضون في خطابهم الشخصي أي تأثير أجنبي، كما يرفضه خطاب الحركة المصرية ذاتها. وعلى كل، يدعم معهد المجتمع المفتوح منظمات غير حكومية كالمورد الثقافي. طلب بروجكت سينديكيت، وهو أحد أذرعة سوروس، مني العمل في ترجمة مقالاته للعربية، ولكنهم ظنوا أن عربيتي غير ملائمة. [img_assist|nid=130|title=أتبور|desc=|link=url,http://www.otpor.com|align=right|width=63|height=75] [img_assist|nid=131|title=بورا|desc=|link=url,http://kuchmizm.info/weblog|align=right|width=73|height=75] [img_assist|nid=132|title=زُبِر|desc=|link=url,http://www.zubr-belarus.com|align=right|width=75|height=75] [img_assist|nid=133|title=مجافت|desc=|link=url,http://www.mjaft.org|align=right|width=75|height=75] [img_assist|nid=134|title=كفاية|desc=|link=url,http://harakamasria.org|align=right|width=75|height=75]

إحنا

إليكم نص تعليق لي عن مقال لأحمد المغربي في صحيفة الحياة ليوم 13 يناير 2005:
يبدو أن الصحافيين العرب هم أيضا من أكثر الصحافيين تأخرا في ملاحقة المدونات التي تظهر بلغتهم. وصلت إلى هذا المقال من مدونة من سوريا، هذا البلد الذي يضرب به المثل في حصار إنترنت. لإفادة الجميع، استقر المدونون العرب على اصطلاح "مدونة" لما سماه الكاتب "بلوغرز"، وعلى "تدوينة" لما قد يسميه "بوست". يلوم الكاتب العرب لأنهم يغرقون "في الكلام الذي بات مكروراً عن «المعلومات بضربة ماوس» و«الياف الانترنت تزنر العالم» و«سيول المعلومات على الشبكة» و«المواقع المفتوحة اون لاين» وغيرها من الكليشيهات التي تعكس انبهاراً، شديد التخلف، امام المتغيرات بأكثر من الجرأة النقدية تجاهها"، بينما نراه يتحدث عن "ظاهرة «بلوغرز»" وهو يقصد ما نسميه نحن عادة التدوين. قد يرغب الكاتب، كلاحقة لمقاله هذا، أن يكتب عن مدوناتنا، وعن مسابقة لفضلى المدونات العربية التي بدأ التصويت عليها اليوم. كنت أدردش منذ ساعات مضت مع أحد أقدم المدونين بالعربية عن يوم يصبح فيه بإمكاننا تأجير أحد حسابات التدوين التي تسهل علينا التعامل مع اللغة العربية، وتعطينا إمكانيات أكبر. هل يستغني أحدكم عن مئة وخمسين دولارا سنويا؟
الطريف هو أنني كتبت التعليق، وملأت باقي الخانات (اسم، وعنوان بريد، وعنوان رسالة) في تلك النافذة الصغيرة المخصصة للتعليقات، ولكني لأول وهلة لم أر زر إرسال التعليق في أي مكان. لماذا يرغب أحدهم في إخفاء أهم عنصر في الصفحة بهذا الشكل؟ على كل، صحيفة الحياة من أكثر الصحف العربية احتراما وحِرَفِيَّة. أتابع أخبارها وأربط إليها بشكل دائم، وهذا ما جعلني أرد بالتعليق.

قراءة لمفهوم العروبة

مرة أخرى، أتابع نقاشا مثيرا للاهتمام على راء وميم، وأهم بالتعليق برأي، وأنتهي بتدوينة جديدة هنا. السؤال لا يزال اختيارا بين القوميتين المصرية والعربية. سأحاول القفز فوق القضية بتقديم تفسير قد يكون جديدا، وهو في رأيي أكثر ارتباطا بالواقع.

أبدأ بانتقاد الخطاب القومي العربي السائد منذ منتصف القرن الماضي، والقائم على أسطورة أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، موحدة اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا. يؤسس هذا الخطاب لنفسه خارج التاريخ محاولا استعادة صورة دولة عربية موحدة لم تحدث أبدا. ففي العصور التاريخية الثلاث التي حكمت الوطن العربي كله دولة موحدة (الراشدية، والأموية، والعباسية الأولى)، لم تكن الأغلبية عربية أو مسلمة. وإذا حددنا نفسنا أكثر بمصر، فالواقع أن الثقافة المصرية الحالية لم تكتمل عناصرها إلا في العصر الفاطمي، عندما ظهرت العامية المصرية، والموالد الإسلامية، والسيرة الهلالية القادمة مع موجة أخرى من المهاجرين العرب. أدرك أن التصنيفين سامي/حامي غير مقبولين علميا الآن. إذا أراد أحدهم أن يؤسس لقومية مصرية على أساس إثني (أكره كلمة عرقي)، فيجب عليه أن يسوق حججا يقبلها العلم المعاصر. سبق أن بينت أن المصريين القدماء--وهم من يحاول القوميون المصريون بلا داع إثبات أننا أبنائهم. من الواضح أننا مصريون--لم يظهروا من فراغ، وأنه أتى عليهم وقت كانوا يعيشون فيه حياة البداوة قبل أن تجف الهضاب ويهبطوا إلى الوادي، وأن حركة الاستقرار هذه مستمرة طوال التاريخ المصري: بدو يأتون من منطقة طاردة، ويهبطون أرض مصر، فيعيشون حول الوادي، ثم ينصهرون في أهلها.

أدرك أيضا أن ثنائية الجزيرة العربية الطاردة/مصر الحاضرة تقابلها ثنائية أخرى هي الجزيرة العربية/سورية الجغرافية، وثالثة هي الجزيرة العربية/بلاد الرافدين. والجزيرة ليست المنطقة الطاردة الوحيدة في العالم، فهناك الهضبة الإيرانية التي خرج منها الهندأوروبيون إلى ثلث العالم شمالا وجنوبا، وآسيا الوسطى التي خرجت منها موجات المجر، والهن، والتتر، والمغول، وأخيرا الترك. يقع مؤيدو القوميتين العربية والمصرية في خطأ واحد، فينظرون إلى القضية بعيون غربية. إن فكرة الشعب Das Volk هي فكرة أوربية لم تظهر إلا مؤخرا في العصر الرومانسي--القرن التاسع عشر-- بعد أن تخلصت دول أوربا الحديثة من الأقليات الثقافية والإثنية في حروب ومذابح صمت عنها التاريخ الرسمي مؤسسا لأساطيره الخاصة. اتسمت دول أوربا الغربية قبل الحرب الثانية بتناسق مفروض وحدود واضحة لكل دولة/أمة--تغيرت الظروف بعد الحرب بالوحدة الأوروبية واستقبال المهاجرين، وأصبحت أكثر سيولة، بينما لا نزال نحن نرغب في اتباع نموذج ينتمي للماضي--قارن مفهوم الشعب الغربي مع التعددية الثقافية والإثنية التي اتسم بها العالم العربي الذي تتراكب دياناته ولغاته وطوائفه وإثنياته في فسيفساء أكثر تنوعا بكثير--لا تزال ثلاث قرى خارج دمشق تتحدث السريانية؛ ولا يزال بعض السوريون يدينون بدين الإله أدونيس/تموز،؛ ولا تزال بعض العائلات في صعيد مصر تتحدث القبطية في المنزل؛ ولا يدرك الكثيرون أن الطوائف الدينية الإسلامية غير السنية تشكل أغلبيات في دول عدة، كالإباضية في عمان، والزيدية في اليمن، والإمامية في البحرين والعراق ولبنان؛ وأن بيننا إسماعيليون، وعلويون، وموحدون دروز، وإيزيديون، وشبك، وكاكائية، وصابئة مندائية، ويهود العالم العربي--ربانيين وقرائين--، وطوائف مسيحية شرقية: نسطورية ومونوفستية وأرثودوكسية، ووثنيون، ونوبيون، وآشوريون، وكرد، وأمازيغ، وغجر، وأرمن، وبلوش، وفارسيون، وأتراك، وجركس، وألبان، بل وأقلية إسرائيلية آخذة في التشكل.

خلاصة القول: الأمة/الدولة اختراع غربي ينتمي إلى الماضي، ولا ينطبق بالضرورة على باقي العالم. التفرقة بين المصرية الحضرية والعروبة البدوية ليست دقيقة بأي حال. لا يتفق معظم مؤيدي القومية المصرية مع ثقافة يصفونها بالوهابية/النفطية، التي تشكل الحياة الحديثة في دول النفط في الجزيرة صورتها النمطية. ويرجع هذا غالبا إلى جهل كبير بحياة وثقافة البداوة العربية، والتي أرى أنها لا تزال تعيش في سيناء وبادية فلسطين والشام. أؤمن أننا نعيش في عالم سياسي، وأن الحركة القومية المصرية في جزء منها رد على التطور الأخير في الجزيرة العربية. يبقى أن نذكر أن الدول المصرية المستقلة غالبا ما كانت تفرض أو تحاول فرض سلطة فعلية أو اسمية على الشام والجزيرة حظيت فيها الأقاليم، والدول/المدن، والوحدات القبلية المختلفة باستقلال إداري كالعادة، وهذه هي الوحدة السياسية الفضفاضة التي يمكن الحديث عنها تاريخيا.

أرى أن الأمة العربية تنتمي للمستقبل بدلا من الماضي، ولا تقتصر في تأسيسها لنفسها على عصر تاريخي معين، أو أسطورة لم توجد تاريخيا. الأمة العربية أصولها البعيدة أفرآسيوية واحدة، وهي حتى في هذه الوحدة ليست صماء كنموذج الشعب الغربي، فعلى أطراف العالم العربي جغرافيا--بل وفي قلبه جغرافيا وغير ذلك--يعيش معنا أناس من خلفيات مختلفة (يؤدي هذا الأصل المشترك إلى كيان سياسي يتعامل مع باقي العالم بشكل موحد). مرت على هذا الأصل فترات عديدة تركت كلها علاماتها إقليميا: الحضارات العربية القديمة والوسطى مثلا في الهلال الخصيب كالآشوريين، والبابليين، والكنعانيين، والآراميين، والنبطيين، والسريانيين (الذين أثرت لغتهم في العربية أكثر مما نتصور). ثم إن عرب الجزيرة كانت لهم لهجات وثقافات متعددة قبل أن يتم حصارها لصالح لغة وثقافة النخبة القرشية. وفي مصر، تشكل الحضارة المصرية القديمة، ثم البطلمية، والثقافة القبطية المهمشة الآن روافد هي الأخرى. وإن كان النعت بالعربية بدأ بالتخصيص لفئة أصغر، فإن دلالتها الآن تشمل معظم أو كل ما سبق، باعتبار أنها آخر الموجات حتى الآن وأقواها أثرا.

بإمكاننا أن نخلق حقائقنا بأن نتحدث عن "اللغات العربية" بدلا من "اللغات السامية"، خاصة أن العربية هي أقربها للسامية القديمة، وهي أكثرها انتشارا اليوم (يؤدي هذا الثراء المحلي إلى صيغة إدارية فضفاضة داخل الكيان السياسي الموحد. سمها فيدرالية). يبقى أن يقر من يرون أنفسهم ممثلين للصورة النمطية للفرد في البلاد العربية (الرجل المسلم السني المتحدث بالعربية الفصحى والمؤمن بالتاريخ الرسمي رغم سديميته) بوجود ثراء أكبر في المحيط العربي، وأن هذا الثراء هو عين الهوية العربية (يؤدي هذا الإقرار بحقوق باقي الأفراد إلى إيجاد صيغة جمعية للحكم في العالم العربي. سمها الديمقراطية).

علم الجمهورية المصرية

لا يعجبني علم جمهورية مصر العربية . إليكم تصميما جديدا. تصميم جديد لعلم مصرتصميم جديد لعلم مصر
Syndicate content