حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"
أعمل حاليا على تطوير الموقع. بعض الصور قد لا تظهر بالأحجام المقصودة أو على الإطلاق.

أهل الشرق وأهل الغرب، يفك عنك كل كرب

بعد زيارة لعرض مستوحى من الزار في مكان أحمد المغربي، أتيحت لي الفرصة أن أرى شيئا أقرب للحقيقة. قابلنا محمد "حَنَّصْ" أبو طالب--لأنه أسمر كالشيء المحمص--في أحد الشوارع القريبة من الباطنية، ورافقنا إلى الغرفة التي يقام فيها زار الليلة في الدرب الأحمر. الليلة حارة رطبة، والغرفة زرقاء على جدرانها وسادات وصُفَّات. تتعلق على الجدران وترتكن عليها أدوات موسيقية: طنبورة، ودهلة، ومزاهر، وصاجات، ومنقور، وغيرها. المنقور حزام به الكثير من قرون الماعز وأظفارها، يلبسه الرجل على وسطه، ويهزه في إيقاع صوته مزيج بين هدير أمواج البحر وخبط الأغصان المعلقة التي يحركها الهواء. بإمكان لاعبه المتمرس إصدار درجتين من الأصوات--ما تقابلان نقرة شديدة أو عادية على الطبول--بل وثلاثيات أيضا. تتدلى من السقف مروحة تهتز لتبقي على الإيقاع عندما تسكت الطبول. السيدات يعرفن بعضهن جيدا، ويمزحن عن عدم جدوى الأطباء: أساور الذهب تغطي نصف الذراعين، والنقود التي تجيب تبخير الكوديا في بداية الطقس ليست بالقليلة. الكوديا أو الشيخة ذات حضور طاغ. تفصل بين كل دورين بمديح النبي وآل بيته، وتراقب رد فعل النساء. كل دور من هؤلاء لها روح معينة تقوم كل سيدة بالرقص عند سماع دورها، بينما تحيط الباقيات بها خاصة إن كانت سمينة كي لا تسقط، وهؤلاء السمينات بالذات يجدن الرقص العنيف. يعرض الجميع الماء والحلوى في ذلك الجو الخانق. حتى باحثة علوم الإناسة الأوربية شديدة التمصر تقدم لنا العنب: "مغسول في بيتنا". أكدت لي الزيارات السابقة أن غالبية المصريات يغطين شعورهن، وإن لم يكن محجبات. فالطبيعي في تجمع كالزار هو أن تخلع النساء غطيان الرأس (في وجود رجال أقارب وأجانب)، وأن لا يمانعن في تقبيل الجميع تحية.

في حافلات بريطانيا، اجلس ناحية اليسار

رسالة نصية قصيرة توقظني من نومي. تعلمني نورا يونس أن قنبلة انفجرت في شرم الشيخ، ثلاث قنابل، وأنها تتحضر للذهاب إلى هناك للمساعدة في تغطية الحادث. اليوم يوم الثورة. ترحل هي في السادسة، وأنا في الثامنة. أفكر في الطائرة أن الضيافة وتوقيتات شغل الركاب بالوجبات والمرطبات المقدمة هي الأسلوب الأجدى لمقاومة الخوف من الأماكن المغلقة، والقيود التي يعانيها مئات الركاب. وصلتني تذكرة السفر بالبريد الإلكتروني، وبناء على توقيت وصولها إلى هيثرو، اشتريت تذكرة حافلة تصل مبنى الركاب ذاته بعد ساعتين (استغرقها الأمر أكثر من ذلك في الواقع). تأخذني الحافلة إلى لِسْتِرْ، لأنتظر حافلة أخرى لساعتين أخريين أصل بها إلى لَفْبَرَهْ. دفعت ثمن التذكرة عبر إنترنت، وطبعتها من منزلي. وسط كل هذه الحقول لم أملك إلا أن أفكر في دوائر المحاصيل التي قد توجد على الطريق، وفي السبب الذي يجعلها أشهر في بريطانيا من أي مكان آخر. لم أملك أيضا إلا الابتسام وأنا أراقب الأبقار السعيدة التي تعبر الطريق من حقل إلى آخر على جسور علوية مخصصة لها. طرق السفر في بريطانيا ثلاث درجات: تعود الطرق أ إلى وقت كانت تطرقها الحافلات التي تجرها الخيول بين المدن والبلدات، وهي لا تختلف عن الطرق ب إلا في الكم الذي تتلقاه من مرور، بينما تتميز عنها الطرق م بحد سرعة أعلى (يصل إلى سبعين ميلا)، وبحارات ثلاث في كل اتجاه، بالإضافة إلى حارة إضافية للتوقف الطارئ، وتقاطعات حرة مع كل الطرق، ومحاور علوية تمر بالمدن والبلدات. يصف دليل المتشعبطين في المجرة المحاور العلوية بأنها "أدوات تسمح لبعض الناس بالقيادة من النقطة أ إلى النقطة ب بسرعة جدا، بينما يسرع البعض الآخر جدا من النقطة ب إلى النقطة أ. يحار الناس القاطنين في النقطة ج، وهي نقطة تقع مباشرة في الوسط، في ما الرائع في النقطة أ الذي يجعل عديدا من ناس النقطة ب راغبين بشدة في الذهاب إليها، وما الرائع في النقطة ب الذي يجعل عديدا من ناس النقطة أ راغبين في الذهاب إليها. وغالبا ما يتمنون أن يقرر الناس نهائيا المكان الذي يرغبون في التواجد فيه." ساعدتني خرائط جوجل في تحديد الطريق من محطة الحافلة وسط لفبره إلى الجامعة حيث أعمل لمدة أسبوع، وحصلت على إرشادات من نوع: "...ثم تابع السير 0.1 ميلا وخذ يمينا عند الميدان، وتابع السير بعدها 0.6 ميلا في هذا الطريق، ثم خذ يسارا...". طبعت أيضا خريطة تبين الطريق من باب الجامعة إلى محل إقامتي في مركز المؤتمرات. وصلت كالمتوقع في السابعة والنصف، موعد العشاء. لللاحقة ""بَرَهْ" في اسم البلد مرادفات كثيرة في لغات أخرى تعني في أصلها البرج، أي المكان الحصين المرتفع: كانتربري جنوب إنجلترا، وإدنبره في اسكتلندا، وستراسبور في فرنسا، وهامبورج في ألمانيا، وبرج العرب على ساحل مرمريكا. شكلت الأراضي المحيطة بتلك الأبراج مساحة إدارية محلية يمكن للمواطن فيها الإلمام بكل نواحي العمل العام، وأمكن لبعضها أن تمثل في البرلمان الإنجليزي. فمثلا، باستثناء مدينة لندن ومدينة وستمنستر، فإن باقي أحياء لندن الكبرى هي أبراج. وبينما تتجمع الوحدات في الحضر لتكون مدنا، فإنها في الريف تشكل مقاطعات الواحد منها يسمى شاير ينفذ القانون فيها "شَايَرْ رِيفِي" أو شِرِفْ (وقد تستخدم كَوْنْتِي التي يحكمها كونت أو إيْرلْ للدلالة على ذات الشيء أو بالتقريب). توجد أيضا بعض السلطات الأحادية التي لا تقع داخل أي وحدة أكبر، باستثناء إنجلترا نفسها. هذا أحد التقسيمات الإدارية للبلد.

آكلو البطاطا

أكلو البطاطا: لفنسنت فانجوخأكلو البطاطا: لفنسنت فانجوخ خطاب من فنست فانجوخ إلى ثيو فانجوخ
عزيزي ثيو أحر وأطيب أمنياتي لك بالصحة وراحة البال في يوم ميلادك. كنت وددت لو أرسلك إليك لوحة آكلي البطاطا في هذا اليوم. لكن على الرغم من أن العمل فيها يسير بشكل جيد، فإنه لم ينتهي تماما إلى الآن. مع أن اللوحة الحقيقية سيتم إنجازها في وقت قصير بالمقارنة بغيرها، وفي الأغلب عملا من الذاكرة، إلا أن دراسات رسم الرئوس والأيدي أخذت شتاء بأكمله. أما عن الأيام القليلة التي رسمت اللوحة فيها - فقد كانت معركة ضارية. لكني خضتها ممتلئا بحماس عظيم، وعلى الرغم من خوفي في بعض الأوقات أن اللوحة لن تكتمل أبدا. الرسم هو أيضا عملية خلق. عندما ينسج النساجون ذلك الثوب الذي أعتقد أنهم يدعونه تشيفيوت، أو أقمشة التارتان الاسكتلندية عديدة الألوان المثيرة للاهتمام، فإنهم يحاولون، كما تعلم، أن يضعوا ألوانا غريبة مكسورة ورماديات على التشفيوت - وأكثر الألوان حيوية لتوازن بعضها البعض في القماش المخطط عديد الألوان - لذا، فبدلا من أن يكون القماش خليطا بغير انتظام، فإن التأثير الكلي للنقش يبدو متجانسا من البعد. إن رماديا منسوجا من خيوط حمراء، وزرقاء، وصفراء، وبيضاء متسخة، وسوداء - أزرق يكسره خيط أخضر وبرتقالي، أو أحمر، أو أصفر - ليس كمثل الألوان الخالصة. إنه أكثر نبضا بالحياة، والألوان الأساسية تبدو بجانبها قاسية؛ باردة؛ غير ذات حياة. إلا أن نساج، بل هو مصمم، ذاك النمط أو تركيبة الألوان تلك لا يجد سهولة دوما في تقدير عدد الخيوط واتجاهها - الأمر ليس أسهل من نسج ضربات الفرشاة في كل متجانس. إذا رأيت أول دراساتي الملونة بعد وصولي هنا في نويدن بجانب القماشة التي أعمل عليها الآن، أعتقد أنك ستتفق معي أن الموضوع يزداد حيوية قليلا فيما يتعلق بالألوان. أشعر أنك أيضا ستنظر في تحليل الألوان في في يوم من الأيام. فلخبير في الفن وناقد له، يبدو لي أن على المرء التأكد من الأرض التي يقف عليها؛ أن يملأه إيمان راسخ - من أجل المتعة على الأقل، وليقيم الدليل على رأيه كذلك. يجب على المرء أيضا أن يكون قادرا بكلمات قليلة على الشرح للآخرين الذين يلجأوون أحيانا إلى معلومات شخص مثلك زيادة قليلة في ما يعرفوه عن الفن. لدي الآن ما أقوله عن بورتييه. أنا بالطبع لا أتجاهل رأيه الخاص، بالإضافة إلى أني أقدر قوله أنه لا يسحب شيئا مما قال. أنا لا أمانع أيضا أنه لم يعرض تلك الدراسات الأولى. ولكن - إذا كان راغبا أن أرسل له لوحات، فشرطي الوحيد هو أن يعرضها. أما بالنسبة لآكلي البطاطا - فهي لوحة ستقيم بالمال جيدا - هذا أمر أنا واثق منه. لكنها تظهر أفضل ما تكون على حائط مغطى بورق لونه من لون الذرة الناضجة. على كل، لا ينبغي لأحد أن يرى اللوحة إلا بهذا الشكل، فهي لن تظهر بالشكل الأفضل أمام خلفية غامقة، خاصة أمام خلفية لا تعكس الكثير من الضوء. ذلك أنها لمحة في منظر داخلي بالغ الإظلام. هي في الحقيقة مثبتة داخل إطار ذهبي، ذلك أن ضوء المدفأة والمنعكس عن الحوائط البيضاء سيكون أقرب للمشاهد--فهي خارج اللوحة... مرة أخرى، يجب تظهر بإطار ذهبي غامق أو نحاسي. أرجو أن تأخذ هذا الأمر في الاعتبار إذا أردت أن يراها الناس كما ينبغي. إن ربطها بدرجة من درجات الذهبي يعطي سطوعا لمناطق لا تتوقعه فيها، وفي ذات الوقت، يعادل التعريق الذي قد يظهر إن وضعتها أمام خلفية غامقة أو سوداء. رسمت الظلال باللون الأزرق، والذهبي يظهر تلك الظلال للعيان. البارحة أخذتها إلى صديق لي يعيش ويرسم في أيندهوفن. سأعود هناك مرة أخرى بعد ثلاثة أيام لأضيف إليها بعضا من بياض البيض وأنهي القليل من التفاصيل. لقد أخذ الرجل باللوحة، وهو الذي يحاول جاهدا جدا تعلم الرسم والتلوين. كان قد رأى الدراسة التي أسست عليها الليثوجراف وقال أنه لم يكن ليصدق أبدا أن بإمكاني تحسين اللون والرسم إلى هذا المدى. وبما أنه هو الآخر يرسم الموديل، فهو يدرك كيف تكون رأس الفلاح أو قبضة يده. أما فيما يتعلق بالأيدي، فقد قال أن فهمه لطريقة رسمها قد تغير كثيرا. لقد حاولت أن أظهر أن هؤلاء الناس الذين يأكلون البطاطا في ضوء المصباح قد حفروا الأرض بذات الأيدي التي يمدونها الآن إلى الطبق. لذا، فاللوحة تؤكد على العمل اليدوي وعلى كسب الرزق الحلال. أردت أن أصور حياة تختلف عن حياتنا، عن حياة الناس المتحضرين. لذلك فإن آخر ما أريده هو أن يعجب الناس باللوحة أو أن تحوز رضاهم دون أن يعرفوا لم أعجبتهم. لقد أبقيت قماشها بين يداي طوال الشتاء باحثا عن نمط معين - وبالرغم من أن القماش يبدو الآن خشنا جافا، إلا أن خيوطه اختيرت بعناية وطبقا لقواعد معينة. قد تغدو اللوحة لوحة أصيلة عن الحياة الريفية. هذا أمر أنا واثق منه. على كل من يرغب أن يرى فلاحيه مرتبين مهندمين أن ينظر في مكان آخر. أنا شخصيا مقتنع أن المرء يحصل على نتائج أفضل على المدى الطويل بتصويرهم في كامل خشونتهم مقدما حلاوتهم العادية. إن الفتاة الفلاحة بتنورتها وثوبها الأزرقين المتربين المرقعين، اللذين لونهما الطقس والريح والشمس بحساسيتها، أجمل عندي من أي سيدة. أما إذا أسدلت على نفسها ملابس السيدة، فإن أصالتها تختفي. وكذلك الفلاح عندي في ملابسه الرخيصة خارجا من الحقل أجمل منه ذاهبا إلى الكنيسة يوم الأحد مرتديا معطفا يكاد يشابه معاطف السادة. وبالمثل. من الخطأ، في رأيي، أن نلمع لوحة عن الحياة الريفية كما نفعل مع باقي اللوحات. لا ضرر من أن تخرج من لوحة الريف روائح قديد الخنزير وبخار البطاطا المطهية. لا بأس. إذا فاحت رائحة البول من الاسطبل، فحسن. هكذا تكون الاسطبلات. الحقل الذي تخرج منه روائح الذرة الناضجة، أو البطاطا، أو روائح السماد والبول هو حقل صحيح، لا سيما لقاطني المدن. هذه الصور مفيدة لهم. لا ينبغي تعطير لوحة عن الحياة الريفية. أتطلع أن أعرف إذا أعجبتك اللوحة--أتمنى أن تعجبك. سعيد أنا أن السيد بورتيه قال أنه سيدير أعمالي، فلدي أشياء أهم من تلك الدراسات ليراها. أما فيما يتعلق بدوراند رول--وبالرغم من أنه لم يرى أن اللوحات تستحق الاهتمام--اعرض عليه هذه اللوحة. دعه يعتقد أنها قبيحة--لكن دعه يراها. دع الناس يرون أننا نبذل بعض الجهد في مساعينا. لا شك أنك ستسمع من يقول "يا له من تلطيخ!". تحضر لهذا، تماما كما حضرت نفسي. يجب أن نستمر في تقديم أشياء أصيلة وصادقة. إن تصوير الحياة الريفية أمر جدي. لا شك أنني كنت سألوم نفسي لو لم أحاول رسم صور تثير التأمل الجدي في أولئك الذين يفكرون بجدية في الفن والحياة. كان ميليت، وديجرو، وكثير غيرهم أمثلة بتقبلهم أوصاف من نوع "بذي؛ فج؛ قذر؛ نتن..." كما يتقبلها الأصم. لذا يكون عارا أن يتردد المرء. كلا، يجب عليه أن يصور الفلاحين كما لو كان منهم، كما لو أحس وفكر كما يحسون ويفكرون. أجد نفسي أحيانا أفكر أن الفلاحين يعيشون في عالم آخر؛ عالم في نواح عدة أفضل كثيرا من العالم المتحضر. لكن ليس في كل شيء، فما الذي يعرفونه عن الفن وأشياء أخرى كثيرة؟ لدي المزيد من الدراسات الأصغر - لكنك ستفرح عندما تعرف أنني كنت مشغولا جدا بالعمل الأكبر لدرجة أنني لم أستطع فعل الكثير غيره. سأرسل لك صندوقا صغيرا يحوي اللوحة وأغراض أخرى أصغر بمجرد اتنهائي منها. أعتقد أنه من الحسن ألا أؤخر الرسالة كثيرا، لذلك أنا على عجلة من أمري في إنهاء اللوحة. قد يضطرني ذلك للتخلي عن الطبعة الحجرية الثانية، على الرغم من إدراكي أن السيد بورتييه، مثلا، يجب أن يجد ما يدعم به رأيه، هذا إذا أردنا أن نكسبه كصديق دائم لنا. آمل صادقا أن يحدث. لقد استغرقتني اللوحة لدرجة كدت أنسى أنني أغير منزلي، وهو الشيء الذي يتطلب الاهتمام هو الآخر. قلقي لن يقل، لكن كذلك كانت حياة كل الرسامين الملونين الذين سبقوني، فلن أحاول أن أسهل الأمر على نفسي. وبما أنهم نجحوا في إنهاء لوحاتهم، فأنا أيضا ستعوقني الصعوبات المادية، لكنها لن تدمرني أو تقوضني. ها أنا. إيماني أن آكلي البطاطا ستئول إلى خير--وكما تعرف، فالأيام الأخيرة في العمل على اللوحة دائما صعبة، حيث لا يمكن للمرء أن يمس اللوحة التي لم تجف تماما بفرشاة كبيرة خوفا من إفسادها. يجب أن تتم التغييرات ببرود وهدوء كبيرين وبفرشاة صغيرة. لذا أخذت اللوحة إلى صديقي وتركتها هناك، وطلبت منه أن يضمن أنني لن أفسدها؛ ولذا سأذهب إلى منزله لأضع اللمسات الأخيرة. سترى لا محالة أن بها قدر من الأصالة. تحياتي، وأسفي أنها ليست مستعدة ليوم كهذا. لك مرة أخرى أفضل أماني بالصحة وراحة البال. وصدقني، أصافحك. لك دائما فنسنت لا زلت منكبا على بعض الدراسات الأصغر التي سأرسلها في ذات الوقت. هل أرسلت لي ذلك العدد من صالون؟

فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ

استتيب سيد القمني، وتاب، ولم يعلن أحدهم ما يرى الله في توبته. يُكَفَّرُ الناس عادة لإنكارهم "المعلوم من الدين بالضرورة". حاولت في عدة رسائل بريدية أن أخرج من دار الإفتاء المصرية بحصر ذلك المعلوم من الدين بالضرورة، والذي يخرج منكرها، في نظر دار الفتيا، عن الإسلام.

بدأنا من أن "العلوم ن [يقصد المعلوم من الدين] بالضرورة هي [يقصد هو] أركان الإسلام الموضحة والمبينة، هي ما يعذر الإنسان [يقصد "ما لا يعذر المسلم"] فيه بجهله كفرضية الصلاة وحرمة الزنا." أجبت أن "شكرا لكم على الرد. هل لكم أن تحددوا بالضبط ما هو المعلوم من الدين بالضرورة، بدلا من إعطاء أمثلة؟ لحرصي الزائد أطمع في قائمة بكل المعلوم من الدين بالضرورة، وكل ما عدا ذلك يصبح من غير المعلوم بالضرورة. شكر جزيلا" فما كان بي إلا أن أجبت أن "الحصر متعذر في هذا المقام ولكن يمكنك ابداء ما يستشكل عليك هو من المعلوم من الدين بالضرورة"، أي أن السؤال متعذر الإجابة عنه سردا في قائمة، للتناقض.

حاولت أن "ما يستشكل علي هو حصر المعلوم من الدين بالضرورة. ذكرتم فرضية الصلاة وحرمة الزنا. هل هناك المزيد؟ أم أن هذا هو كل المعلوم بالدين من الضرورة؟ ..." وصلني الرد: "المعلوم من الدين بالضرورة كل ما فرض وأوضحه النبي صلى الله عليه وسلم معلوم من الدين بالضرورة". شرحت: "فضيلتكم، هذا القدر أعرفه. ما أرغب في معرفته من دار الإفتاء هو بيان (قائمة؟) بالمعلوم من الدين بالضرورة. عادة ما أقرأ أن هذا الشخص أو ذاك خالف المعلوم من الدين بالضرورة، ولا يضيف المصدر أي شرح لهذا الأمر. سؤالي مرة ثانية، وعذرا للتكرار، هو ليس مفهوم المعلوم بالضرورة، بل تفصيل المعلوم بالضرورة. أنا مثلا لا أعرف ما هو المعلوم بالضرورة. هل يجعل هذا إيماني ناقصا؟..."لم اتلق ردا.

بسبب شغفي بأصول الكلمات، وجدتني أفكر: أن تكفر بالشيء لغة أي أن تغطيه. هذا ما يعنيه البدو عندما يعرضون علي وقت النوم: "أجيب لك كُْفور"، أي أغطية؛ أو عندما يقولون "كفِّر عليها"، أي غط النار لتهدأ، ثم سرحت إلى المعنى والصوت اللاتينيين المماثلين: covert وcouvert؛ وإلى الكرة الكفر التي هي بالون مغطى برقائق الجلد. أرى أن المرء لا يكفر بالله، بل يكفر بالإيمان به. أي أن المرء يؤمن بوجود الله، بما يترتب على ذلك من نتائج، ولكنه يغطي هذا الإيمان ليجاري ظروفا يعلم أنه لن يوافق على منطقها إن تتبعها بعقله. الكافر إذن هو من يغطي عقله لضعف إرادته. وكيف للمرء أن يغطي الله فعلا أم مجازا!

وحده السمك الميت يسبح مع التيار

قريبا نقرأ في الصحف عن غرق مدينة رشيد على ساحل المتوسط، والتي تحوي من آثار إسلامية ما يجعلها الأهم في مصر بعد القاهرة. لم تغرق رشيد؟ لأن مستوى سطح البحر في ارتفاع؟ لم يرتفع البحر؟ لأن ثلوج القطبين البعيدين شمالا وجنوبا تذوب. لماذا تذوب الثلوج؟ بسبب ارتفاع حرارة الأرض نتيجة زيادة انبعاث غازات الدفيئة في الغلاف الجوي. من ينتج أكبر قدر من غازات الدفيئة؟ الدول الصناعية الكبرى في الأساس. لم لا يعاد تدوير الغازات كما كان يتم في الماضي؟ لأن الغابات المطيرة في أمريكا الجنوبية وأفريقيا تختفي. أين يكمن حل المشكلة؟ حتما ليس في رشيد! ليست رشيد هي الوحيدة المهددة. إن ارتفاع سطح البحر بمقدار مترين، والمتوقع بحلول عام 2050، كفيل بإغراق 15% من دلتا النيل، وتدمير 40% من اقتصاد مصر. ينبغي علينا الدفع نحو التحول من مصادر الطاقة النووية والمولدة عن حرق الوقود الأحفوري إلى طاقة متجددة من الشمس، والرياح، والكتلة الحيوية. مصر هي من أنسب الأماكن لتكفي نفسها وغيرها من الطاقة المتجددة. في أواخر مايو الماضي، بدأت جرينبيس جولة ثورة الطاقة 2005 التي يقوم بها القارب أنا المبني في 1910 والبالغ طوله 25 مترا من بولندا مرورا بالبحر الميت وانتهاء بالقاهرة. أبحر القارب من دانزج آخذا قناة الراين-الماين-الدانوب، متجها إلى البحر الأسود في رحلة طولها 5000 كيلومترا، ليعبر بعدها البوسفور إلى البحر المتوسط فنيل رشيد حتى القاهرة.

حاذر الفجوة

استيقظت مبكرا، وأعددت القهوة، وفتحت التلفاز، وبدأت في الترتيب لرحلة قريبة إلى إنجلترا وويلز. رفعت عيناي لأرى مشهدا من محطة كنجزكروس/القديس بانكراس وسط لندن. في 25 يونيو 2004، ركبت القطار من نيوكاسل في الشمال، متجها إلى كنجزكروس. لم أكن أعرف في أي ساعة يمكنني مغادرة المدينة، لذا لم أستطع حجز مكان في القطار مسبقا لأستفيد من خصم الحجز المبكر، خصوصا وأن الفندق الصغير الذي أسكن فيه لا يوفر إلا وصولا لاسلكيا إلى إنترنت لم أكن أملكه. نظرت عاملة الفندق وأصغت إلي محاولا إفهامها أنه كي أتصل بإنترنت، لا بد من سلك هاتف، ورقم هاتف، وأشياء أخرى. سكتت لبرهة ثم أجابت، "ولكن سيدي، كل هذا ليس ضروريا"، ثم لوحت بيدها في الهواء، "إنها--أي إنترنت--موجودة بالفعل!". علم إنجلتراعلم إنجلترا ترافل إنترافل إن توجهت إلى محطة القطار. راجعت جدول القطارات. أقرب قطار إلى لندن يتحرك خلال عشر دقائق. عثرت على آلة بيع التذاكر. قدمت لها بطاقة الائتمان. اخترت وجهتي. أرخص قطار إلى لندن هو الذي يقف أمامي. حسن، أرخص تذكرة إذن لو سمحت. أنظر للحظة لأول يهودي حريدي أراه في حياتي، وأبتسم، ثم أعود بعيناي إلى شاشة الآلة: أخصم من بطاقتك الآن خمس وثمانين إسترلينيا وسبعين بنسا. من جانبي تمر امرأتان وأنا أركل وألكم الآلة محاولا استعادة بطاقتي قبل تمام العملية، بلا جدوى. ناشيونال رايلناشيونال رايل لم أجد في القطار مكانا أجلس فيه أو أضع أمتعتي. حملت حقيبة ظهري وحاسوبي مدة ساعتين. إنشاءات تتم في محطة كنجزكروس/القديس بانكراس. أستغل الطابور الطويل الذي أقف فيه لأدرس خريطة قطارات النفق. أقرب الطرق إلى وجهتي حي هاونزلو هو خط بيكاديللي. شباب حولي من مختلف القوميات. يرتدون ثيابا متنوعة وكثير منهم يحملون آلات موسيقية. لا أبدو غريبا كما كنت في نيوكاسل. أمضيت الأيام الخمسة السابقة مشرفا على خمسة طلاب ومعلمهم كانوا يشاركون في تنظيم دورة أولمبية مصغرة في بلدة جيتسهد على ضفة نهر التاين المقابلة لنيوكاسل. بحثت عن حقيبة مفقودة، ثم ساعدت صاحبها في ابتياع ملابس بدلا من تلك التي فقدت. أخذتهم في جولة في مدينة لا أعرفها، وشرحت لهم بعض الشيء عن التطور والوراثة ودنا في مركز الحياة--حيث اكتشفت أمام آلة تعلمك عن العلاقات البشرية أنني، من بين مئات استعملوا تلك الآلة قبلي ذلك اليوم، الوحيد الذي لم يقبله أحد--. ترجمت قوائم الطعام، ثم شرحت معنى ما ترجمت، ثم طلبت ما فرضت عليهم أكله، ثلاث مرات في اليوم. ضحكت مع كل من مر بي وأنا جالس بجانب عدد يصعب تصديقه من حقائب المشتريات في واحد من أكبر أسواق أوروبا، معظمها بضاعة رخيصة من محلات تبيع أي شيء بجنيه. ترجمت لهم كل ما قاله الناس، إلا مرة واحدة دعينا فيها إلى بيت إحدى طالبات المدرسة. أبوها يعمل على حفارات النفط في بحر الشمال، وأمها طاهية في مدرسة ابتدائية. اعتذرت لنا الأم فور دخولنا البيت عن فقره، واعتذرت لها عن نقل ما تقول، فهو غالبا أجمل بيت زاره رفاقي المصريون. يتحدث أهل نيوكاسل لكنة يصعب على باقي الإنجليز فهمها. لم أعان أبدا في فهم بريطاني كما عانيت مع ذلك الرجل الذي لم أعرف حتى اسمه. هو سائق السيارة الوحيدة التي تنقل سبع ركاب في أرخص شركات سيارات الأجرة، وهو لا يتحدث سوى أثقل لكنة جوردي سمعتها. نيوكاسل من أفقر المدن في التنوع الثقافي في كل إنجلترا، إلى درجة أن الناس كانوا يستغربون مرأى غير البيض مثلي منذ أعوام قليلة مضت. عود إلى لندن. اكتشفت بعد محطتين وجود عطل في القطار أمامنا. خرجت في جرين بارك، وبدأت ألعب لعبة اخترعتها وأنا في العاشرة، في وقت كانت القاهرة مدينة جديدة: مسموح لي بمراجعة الخريطة دقيقة واحدة كل ساعة سير. أمضيت جل أوقاتي في لندن متنقلا بين الحدائق والمتاحف بالقرب من نايتسبريدج، ووجدت نفسي أتفادى النظر إلى تغيير الحرس عندما تصادف مروري بقصر بكنجام. "حاذر الفجوة". تصدر تلك العبارة من صوت معدني كل مرة يقترب فيها قطار النفق من المحطة. إنها أكثر ما أسمعه في لندن. حاذر الفجوة: شعار قطار النفق في لندنحاذر الفجوة: شعار قطار النفق في لندن حاذر الفجوة: و بضاعة تذكارية أيضاحاذر الفجوة: و بضاعة تذكارية أيضا يمازحني أخي أنه يجدر بي طلب بدل مخاطرة عند سفري القادم، فلندن لم تعد ذلك المكان الآمن الذي كانته.

اسحق عظيموف

"العنف آخر ما يلجأ إليه غير ذي الكفاءة" -- سالفور هاردن، عمدة ترمينوس الطبيب الطيب: اسحق عظيموفالطبيب الطيب: اسحق عظيموف في العام 12,068 إمبراطوري، تنبأ الرياضياتي هاري سلدون بسقوط الإمبراطورية المجَرِّية مستخدما علم التاريخ النفسي، وهو العلم الإحصائي الذي يجمع بين التاريخ، وعلم النفس، والذي يتنبأ بشكل تام (تقريبا) بسلوك أعداد ضخمة جدا من البشر، كالكوادريليونات مثلا من سكان الإمبراطورية، على شرط أن تظل هذه الجموع جاهلة بنتائج تحليل التاريخ النفسي. تتألف الإمبراطورية المجرية من 25 مليون عالما مأهولة كلها بسكان من الأرض، على الرغم أن أحدا لا يتذكر أصلا واحدا لكل هؤلاء. عاصمة الإمبراطورية هو الكوكب-المدينة ترانتور، الذي يقع بسكانه البالغين خمس وأربعين مليارا يعيشون تحت سقف واحد مساحته 194 مليون كيلومترا مربعا بالقرب من مركز المجرة. تذكر الموسوعة المجرية أن "...استحالة الإدارة الكفء... في ظل القيادة غير الملهمة للأباطرة الأواخر شكلت عاملا كبيرا ساهم في سقوط الإمبراطورية." احتاج ترانتور لإبقائه على قيد الحياة لإمدادات زراعية من عشرين كوكبا تنقلها عشرات ألوف السفن في أسطول أكبر من أي قوة بحرية بنيت في الإمبراطورية. "أدى اعتماده في الطعام على العوالم الخارجية، بل وفي كل احتياجاته، إلى سهولة غزو ترانتور بالحصار. وفي الألفية الأخيرة من حياة الإمبراطورية، رسخت الثورات الرتيبة والعديدة إدراك الأباطرة لهذه الحقيقة، واحدا تلو الآخر، فأصبحت السياسة الإمبراطورية لا تتعدى حماية الأوردة العنقية لترانتور..." (الموسوعة المجرية) انتهت حسابات سلدون إلى أن الإمبراطورية إلى زوال في غضون ثلاثمائة عام، يفصل بينها وبين نشأة الإمبراطورية الثانية ثلاثون ألف عام من الفوضى. بهدف تقليص فترة الفوضى إلى ألفية واحدة، أنشأ سلدون منأى تقنيا في ركن نائ من المجرة على كوكب ترمينوس، ودعاه المؤسسة. مهمة المؤسسة هي الحفاظ على المعرفة من الانهيار لتقليل الفترة التي تسبق نشأة الإمبراطورية الثانية، ولهذا الغرض دونت الموسوعة المجرية. يتنبأ سلدون أيضا ببعض اللحظات في حياة المؤسسة، تعرف لاحقا "بكوارث سلدون"، يتعين فيها اتخاذ بعض القرارات التي تؤدي إلى قيام الإمبراطورية الثانية. بعد أن تابعت أخيرا فلم سيد الخواتم: عودة الملك، ذكرت نفسي أنني أحتاج إلى العودة للقراءة. شكل اسحق عظيموف في مراهقتي، وأظنه لا يزال، الصورة التي أرى عليها المؤلف، وأعادت كتاباته وكارل ساجان نفسي المتضخمة إلى حجمها بالمقارنة مع التنوع المذهل للعالم خارجي. إن عظيموف، وهو المنصب أميرا لكتاب الخيال العلمي، بملحمته المؤسسة، ورواياته، وقصصه القصيرة، ومقالاته التي تبسط العلوم، ودراساته في التاريخ، وتفسيره للكتاب المقدس، وسيره الذاتية التي أنهى آخرها على فراش الموت، ومؤلفات أخرى تملأ تصنيف ديوي العشري الكبير باستثناء الفلسفة، تستحق الوقت. يمزج عظيموف كتاباته غير الخيالية بخبرات من حياته الخاصة، فهو لا يطرح عليك فكرا، وإنما يقدم نفسه التي يعتد بها كثيرا. على الرغم من أني لم أقرأ له غير خفة الكيان التي لا تحتمل، إلا أن شيئا مماثلا يقوم به ميلان كونديرا.

جماهير أمن الدولة وجماهير الأمن المركزي

في ميدان لاظ أوغليفي ميدان لاظ أوغلي أحاول أن أصور مناوشات الأمن مع علاء على ناصية وزارة العدل في ميدان لاظ أوغلي. المكان يزداد ازدحاما. ألوم نفسي على اهتزاز يداي، فأنا لا أجيد التصوير بتلك الكاميرات الخفيفة. يلتفت إلى رجل أطول مني وأعرض؛ شعره أبيض؛ ويرتدي بذلة صيفية لونها بني فاتح. "انت دست على رجلي ليه!" لم أكن رفعت قدمي. لكن المكان مزدحم، ولا بد أنه أخطأ. أجيب كطبيعتي لأنهي نقاشا مثل هذا: "لأ ماحصلش. وإن كان، فيا سيدي أنا آسف". يلتفت ثانية، ويبدأ في دفعي والشكوى من أنه "مواطن عاد"، وفجأة يمسك بي باقي المواطنين العاديين من حولي ويدفعونني غربا نحو مجلس الشعب، ويلكم أحدهم معدتي في الطريق. تلاحظني منال. أسلم الكاميرا إليها. ألمح محمدا يلتقط الصور، وأكمل القهقهرة إلى أن يتركونني فأعود. يعودون هم أيضا عندما أبدأ في لفت الانتباه إلى أن أخي يدفع نحو الشرق. أثبت صياحي على أني "عاوز أمشي من الشارع ده"، أملا في أن يسمعني البعض. أنجح في لفت انتباه علاء ومحمد مرة أخرى، ونعود أربعتنا إلى الميدان. أجلس في الحصار وسط الميدان أتلصص على من يقرأ صحيفة العربي بجانبي، وأفكر في إيجابيات اليوم: هذه أول مرة يبادئني فيها جنود الأمن المركزي بالابتسام. كانوا ينظرون إلى الأرض خجلا من لومي لهم على ضربهم أولاد بلدهم، ثم يرفعون نظرهم إلي عندما أخبرهم أنني لن أستطيع تخطيهم لأخاطب الناس في الشارع إلا إذا فتحوا لي: "واحنا مش ممكن نضربكم أبدا". انتهى. وسط ميدان لاظ أوغلي، في مظاهرة اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، أدرك بعض المجندين المصريين أنهم أيضا بإمكانهم العصيان. يبقى أن يركز الناشطون على نوع العصيان الذي نريده: رفض التعاون بدلا من المواجهة. يا سيدة السلام.

أبو خليل لطفي

شارع شبرا رقم 2: لأبو خليل لطفيشارع شبرا رقم 2: لأبو خليل لطفي أذكره في الثمانينيات في الكويت كأكبر عجوز من أصدقاء أبي، وفي التسعينيات في مصر، وقد صار أصغر مما كان. ولد في حي القلعة عام 1920، أي أنه أصغر من جدي الذي كان صديقه أيضا. أما لوحته شارع شبرا رقم 2، التي لم أعرف أنها له إلا بعد سنين، فقد نظرت إليها مرات كثيرة أوقات العصر، حين ينام الجميع. كنت أتسلق طاولة الطعام السوداء ضعيفة الأرجل، وأتحسس ضربات فرشاته، ثم أحاول تقليدها لاحقا في كراساتي، بلا جدوى. اليوم أنشأت له صفحة على ويكيبيديا العربية.

"أنا بياع. هات اليافطة دي، وامسك حاجة تانية"

أقيلوا العادلي: نورا يونس في مظاهرة السيدة زينبأقيلوا العادلي: نورا يونس في مظاهرة السيدة زينب تنوعت الاعتراضات على مظاهرة البارحة في ميدان السيدة زينب ما بين شرك، وتخلف، وإقصاء للمسيحيين، وخلط الديني بالسياسي بما ينفر فريقا ولا يجذب آخرا. أسعدني أن أرى في ميدان السيدة من دفع بأن إعلان المظاهرة ينفر فريقا من المتعاطفين مع حركة التغيير، ولا يجذب آخرا، لأن البسطاء والصوفية ومحبي آل البيت لن ينضموا. أسعدني أكثر أن أول من كلمني في تمام السادسة بائع جائل رآني أحمل لافتة مكتوب عليها "الداخلية بتقولك: بلدية!"، أي تلك السيارة التي تطارد الباعة الجائلين في شوارع المدن. سألني: "إنت بياع؟". رددت عليه بالنفي. "طب أنا بياع. هات اليافطة دي، وامسك حاجة تانية." معظم من وصلني اعتراضهم على أن خطاب المظاهرة يقصي مسيحيي مصر كانوا من المسلمين. أما المسيحيين الذين تحدثت إليهم، ومنهم من حضر المظاهرة لأول مرة، فهم لا يمانعون على الصياغة أو الحدث، إدراكا منهم للمعنى وراء الرمز. علقت إحدى صديقاتي الأرثودكسيات أن ما يمنعها من الذهاب ليست السيدة زينب، بل أسباب أخرى قد تكون قلة الاهتمام، أو اعتقاد أن لا فائدة، وهي على العموم إذا حضرت مظاهرة كهذه فكل ما ترغبه هو أن لا تغطي شعرها. ينجح خطاب المعارضة الجديدة في اجتذاب فئات من المصريين المنتمين لمختلف الطبقات نظرا لأن الحراك الاجتماعي السريع في مصر لا يلاحقه بنفس السرعة تغير مفاهيم من يصعدون وينزلون السلم الاجتماعي. يبقى أن نجرب أنواعا مختلفة من الخطاب قد توافق أو لا توافق باقي الفئات غير المسيسة (ليس بإمكاننا إلا التجريب، فلا أحد يعرف بأساليب المسح والإحصاء رأي المصريين). يحتاج المثقفون المصريون، ومنهم من اعترض على "كنس السيدة" كطقس شعبي، بغض النظر عن مدى علاقته بالمظاهرة، إلى الوصول إلى فئات أكبر من الشعب إن أرادوا العمل معهم على إحداث أي تغيير. لن يتم ذلك في نظري إلا باستبطان المثقفين فعلا أن باستخدامهم خطابا يختلف عن خطابهم، فهم يعجلون بنهاية أطرهم المعرفية (المتأسسة على فلسفة الحضارة الغربية التي آمل أن لا أشترك معها في غير الاسم)، إيذانا ببدء أطر معرفية جديدة أكثر إيجابا وإنسانية، يقومون هم ببنائها مستندين على تراث طويل، ناظرين إلى ملهمتهم الحضارة الغربية بشكل أكثر شمولا وقدرة على التفسير. الشرك هو أن لا يجوز طلب المدد إلا من الله. ركز أصحاب هذا الرأي على شيء غير الهدف المعلن: التظاهر في ميدان السيدة المزدحم احتجاجا على النظام. لا زلت واقفا أفكر أمام دعوى الشرك. ما يمكنني المحاجاة به الآن هو أن الدعاة الدينيين، وهم صفوة تماما كباقي المثقفين، عليهم أن يجدوا الخطاب الذي لا ينفر الناس منهم، هذا إن أرادوا أن يقبل باقي المثقفين الخطاب الإسلامي الجديد المتبني للمواطنة والديمقراطية: المعنى كله في التأويل. ما قرأته من نقاش وتغطية صحافية حول مظاهرة السيدة زادت قناعتي أنها نجحت تماما في إثارة الطبقات العليا في المجتمع والفئات المسيسة للتفكير في أنواع الخطاب الذي ينبغي عليهم أن يتوجهوا بها لباقي المصريين من الأقل حظا اجتماعيا، أو من المهمشين سياسيا أو دينيا. لا يزال هناك ما يمكن تحسينه في المرات القادمة: تنسيق أكبر مع الحركات الأكثر استقرارا، واستعداد أكبر من تلك الحركات لتبني أي نشاط يبدأه أفراد معدودون؛ أساليب أكثر ابتكارا واثارة بصريا؛ هتافات تتناول رجالا يراهم عامة المصريون كأعداء: فتحي سرور في حي السيدة، أوضابط الشرطة المتعسف بدلا من حسني مبارك وجورج بوش. تابعت مقابلة مصورة مع فتاة من فتيات السيدة ربطت بين مبارك والظلم المباشر الواقع عليها: "صوتي وصوت الناس غير صوت مبارك"، إلا أن ليس الجميع بهذا القدر من النباهة. أما عني، فأنا لم أحس في أي من المظاهرات القليلة التي حضرتها إلا بمرور وقتي، فهناك الكثير من الأشياء الأخرى التي أقوم بها أفضل، لكن لا بد مما ليس منه بد. ساهمت مظاهرة الأمس في تأكيد كفاية، والحملة الشعبية من أجل التغيير، وحركات أخرى، على الاستمرار في التظاهر كل يوم أربعاء. الأربعاء القادم في دوران شبرا: يا أهل شبرا يا وحدة.

تعالوا نكنس عليهم السيدة

تعالوا نكنس عليهم السيدةتعالوا نكنس عليهم السيدة مطالب المصريين ردا على اعتداءات يوم الاستفتاء 25 مايو 2005 لا تزال قائمة: إقالة وزير الداخلية، ومحاكمة مدير أمن القاهرة ولواءات وضباط الشرطة المتواطئين مع مرتكبي التحرشات الجنسية والضرب الذين أصابا المصريين المتظاهرين بسلام، بتنسيق بين الداخلية المصرية والحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. إن استخدام العنف مع المواطنين المصريين أو التهديد به أصبح أسلوبا ثابتا في تعامل السلطات مع حقوق حركة التغيير المصرية، ومع حقوق بسطاء الناس من غير الناشطين، والمهتمين فقط بقوت يومهم وأقل مساحة من حرية التعبير. يتجمع المصريون يوم الأربعاء 15 يونيو 2005 من الساعة السادسة إلى الثامنة مساء في ميدان السيدة زينب تعبيرا عن إصرارهم على حق المصريين في أن يأمنوا في بلدهم، والذي لن يتم مع وجود قيادات الداخلية الحالية في مناصبها. اعتاد المصريون في أوقات الشدة البحث عن الجانب الروحي فيهم سعيا للمدد، ومن ذلك لجوء القاهريين إلى كنس باب السيدة زينب والدعوة على الظالم، وتمني رفع الظلم والفاقة. تعالوا نستلهم تراثنا، ونحتفل بذكرى مصطفى النحاس. استمرارا لتحركات المصريين كل يوم أربعاء، تعالوا نكنس عليهم السيدة. تعالوا نقيد الشموع. الأربعاء 15 يونيو 2005، من السادسة إلى الثامنة مساء. نرجو احترام المكان. قد ترغب السيدات في إحضار غطاء رأس لدخول المسجد.

الشارع لنا

بنت كفاية ترسمبنت كفاية ترسم التفت إلى الجالسين في الصف من يميني لأجد بنت كفاية تبتسم لي. اسمها دنيا. سمعت عن الشارع لنا أثناء مظاهرة الشموع، وحضرت وحدها. ترتدي دنيا ذات الشيء: ثوب قماشي طويل يغطيها من رأسها لقدميها. هو حجاب وأكمام وفستان معا. الشارع لنا كانت فرصتي الأولى لأرى أول خبرة ديمقراطية الدعوة فيها عامة. كان بإمكان أي شخص أن يطلب الكلمة. تحدثت المعتدى عليهن عن خبراتهن، وكذلك نساء أخريات من العريش، والمنصورة، ومن قرى في الغربية والبحيرة. قمة الحديث بالنسبة لي كانت قصة عن امرأة فلسطينية عانت وهي تسحب ابنها الصبي في شوارع القاهرة. الولد معتاد على قذف السيارات المصفحة بالحجارة.

بنت كفاية

يؤذن للمغرب ونحن ثلاثة نعبر الحاجز إلى المظاهرة. الوجوه عشرات منها أصبح مألوفا، والكثير منها ربطتها بأسماء عرفتها من قبل. أجلس على ركبتاي لأتحدث مع صبية في التاسعة أو العاشرة وجدت نفسها تبيع المناديل في مكان المظاهرة، وانتهت تحمل الشموع وملصقات كفاية، وتصغي في دهشة إلى جموع المغنين. أعطيتها شمعة من معي، فابتسمت. وبعد دقائق وجدتها وقد أغرتها إحداهن أن تبيعها الشمعة التي تبدو أنها تقاوم الرياح. تحمل شمعة أكبر غير مشتعلة. أجلس على ركبتاي ثانية لأشعل الشمعة. تنظر إلي الصبية وكأنني من غير البلد: "انتوا تعرفوا الكبريت؟" يا حلوة، كل الناس يعرفون الكبريت. نخرج من المظاهرة مع أذان العشاء. بنت كفاية: شكرا جوش ستاشر على الصورةبنت كفاية: شكرا جوش ستاشر على الصورة

جيل إم.إس.إكس

أثارت تدوينة لألف نقاشا على غرفة دردشة إيجيلج، مجموعة مستخدمي لينكس في مصر، وهم طليعة من يعربون البرامج. انتقل النقاش من خيار الكتابة بلغات غير عربية في مدونة عربية، إلى استخدام أبجدية لاتينية في الكتابة بالعربية لأن هذا هو المعيار السائد لأنه معيار سائد على إنترنت، إلى تبرير ظهور استخدام حروف غير عربية بأن كل التقنيات لم تسمح وقتها (وهي تسمح اليوم، بفضل المتطوعين)، إلى أنه لا مانع: فأصحاب لغات أخرى يستخدمون أساليب تصويت باللاتينية، فما المانع مع العربية؟ ثم بدأ وصف مشجعي استخدام العربية بالفاشية، فهم خائفون ومهددون في ثقافتهم، وأن الناس في النهاية أحرار. وهم فعلا كذلك. عليهم فقط أن يقدموا دفاعا أن كتابة العربية بأبجدية بديلة هو الأفضل. إلا أن ما حدث بالزعم أن العربية (وليس المتحدثين بها) أقل إنتاجية مقارنة بالإنجليزية أو حتى العبرية، وبما أن العربية لا تفي بكل الاحتياجات التقنية كالانجليزية، فمن المبرر استخدام أبجدية الأخيرة في كتابة الأولى. انتهى النقاش بأنني حالم، وأن الأفضل لي أن أعود إلى تعريب البرامج. انتهى النقاش، ووجدتني أأسف على كم المحتوى العربي المكتوب باللاتينية في المنتديات وغيرها، والذي لا يصل إليه الباحثون لأنهم لا يعرفون معيارا لهذا المعيار، وعلى العدد المتناقص للغات التي تستخدم الأبجدية العربية. ثم تذكرت صخر. اعتدت في عمر السادسة، ولباقي سنوات طفولتي في النصف الثاني من الثمانينيات، على كتابة برامج طويلة على حاسوب إيه.إكس200 من صنع ياماها والعالمية، والمعتمد على تعريب نظام إم.إس.إكس1 الذي قامت به صخر. استخدمت لغات برمجة تعرِّف الدوال كصخر لوجو، وتتابعية كصخر بيسك. وتعلمت مبادئ اللغات والحساب والتاريخ ببرامج عربية حجم أكبرها لا يزيد عن 128 كيلوبايت. لا تزال صخر تتصدر مصممي البرامج العربية، وعلى حد علمي، فإن محللها الصرفي الذي استخدمته في البحث عن نصوص القرآن منذ ما يزيد على الخمسة عشر عاما لا يزال بلا منافس حقيقي، للأسف. صورة من واجهة مترجم صخر بيسكصورة من واجهة مترجم صخر بيسك وقعت أثناء بحثي في وب عن معلومات لهذه التدوينة على محاكيات لنظام إم.إس.إكس على منصات الحواسيب الشخصية، وعلى عشرات من برامج وألعاب لا بد أنها مخزنة في صندوق الآن. إذا كان حاسوبك يدعم جافا، العب زاناك. اسمع

كشفت راسي واتجهت

يا ام العواجز

يا بنت بنت النبي

شاكي لكي همي

في يوم أربع حزين

في يوم أربع يتيم
ستاشر ربيع تان

ولادك انداسوا

بناتك اتلمسوا

في قاهرة مولاي

ح نقيد لكم شمعة

يا سعدي من دمعة

ترجع لنا رابعة

تطلق صراخ الشعب

أول طريقي صعب

أرجع في يوم أربع

أكنس عليكو الباب

يا ست يا طاهرة

دول ظالمين أحباب

يعود لهم في عينهم

وعافيتهم يا رب

قادر يا كريم

شكرا علاء على الفكرة

Syndicate content