حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"
أعمل حاليا على تطوير الموقع. بعض الصور قد لا تظهر بالأحجام المقصودة أو على الإطلاق.

مساء الخير يا أستاذ نجيب

حسبت الأيام بعد قرائتي لما نشره حمكشة في مدونته، فوجدت أن سنينا خمسة قد مرت منذ أن رأيت نجيب محفوظ. اعتدت انتظار مقدمه إلى فندق شبرد الأحد من كل أسبوع في السابعة والنصف مساء. يهبط الدرجتين واحدة تلو الأخرى، متأبطا ذراع الدكتور زكي سالم، فيسلم على دستة الحضور في ندوته الصغيرة، ثم يلتفت إلى داينا--الأمريكية الصغيرة كالطفلة، النحيفة ذات الحلقان الثمانية، والشعر القصير جدا، والتي تتحدث العربية بلكنة--وإليَّ--أنا الحدث المصري النحيف أيضا، ذو الحقيبة والشعر الطويل المجدول، والذي يسمع الناس عربيته كأنها بلكنة. تمد داينا يدها مصافحة؛ مبتسمة؛ خجلة لدرجة الاحمرار، وتتمتم. ثم يجيء دوري: "مساء الخير يا أستاذ نجيب". يرد بحرارة طبيعية: "أهلا وسهلا"، ثم يلتفت إلى زكي سالم ويسأله بصوته الأجش، وهو لا يزال ممسكا يدي: "مين ده؟" يصرخ زكي في أذن الأستاذ اليسرى، وهي الوحيدة التي تعمل: "ده عمرو غربية يا نجيب بك." "آه. أهلا وسهلا." كل أسبوع. ثم يجلس في مكانه، والجميع أمامه عبر الطاولة، أو على يساره، إلا نحن الاثنين طبعا، في الناحية الصماء على يمينه مباشرة. لا تطيق عينا الأستاذ المصابيح الكهربية، فنجلس في ضوء الشموع، أو في الظلام إلا قليلا. وبسبب ضعف بصره وسمعه، فهو يحضر إلى الندوة ليعرف من أصدقائه ما يجري في الدنيا، فتكون النتيجة أن يتبارون هم على المقعد بجانب الأذن اليسرى: الزائر لإسرائيل المفصول علي سالم، والروائي نعيم صبري، والأهرامجي المخفي رضا هلال، والوفدي التائب المهندس محمد الكفراوي، وآخر يتميز غيظا من تقريظ الجميع لكتاباته وله شخصيا، والطبيبة النفسية سعاد، ومدرس العربية الشاب أحمد سعيد الذي يكبرني بعشر سنين أنا الطالب وقتها. بسبب يده التي أعاد تدريبها على الكتابة بعد الطعنة كما فعل طفلا منذ ما يزيد على الثمانين عاما، تخرج كتابات محفوظ الأخيرة مركزة إلى أكبر حد. وبسبب العزلة التي تفرضها عليه الحواس، فإنه يستقي مادتها من الأحلام. إن ما لم أقرأه لمحفوظ أكثر بكثير مما قرأت، فأنا عادة لا أفهم الأدب. ولكني عرفت الأستاذ على مر عام كامل منحازا دائما إلى الفقراء؛ قويا جدا في قناعاته؛ مبتسما في أدب ليخبرك أنه يفهم ما تقول، وإن كان لا يوافقك لأنه يعرف أكثر.

"إحنا قاعدين هِنا مِستنيين المَايَّة"

[img_assist|nid=116|title=عبده شفة، عمدة قسطل وأدندان، آخر قرى نوبة مصر|desc=|link=node|align=left|width=400|height=267]هذه الكلمات الخمس، التي نطق بها عبدالمجيد "عبده" شفة بكل حزم وتصميم، تلخص الحياة في القسطل وأدندان، وهما القريتان الباقيتان من القرى النوبية الخمس والأربعين الأصلية. وبدقة أكثر، فإن حتى هاتين القريتين لم تسلما، فقد أنشئتا على ضفة البحيرة فوق الموقع الأصلي للقسطل وأدندان، على قمة التلال حيث كان يسكن المطاريد. وبالمقارنة بالقريتين الأصليتين، فإن ما رأيناه لا يصلح لوصفه "بالقرية" كما عرفها النوبيون. وصل عبده شفة، وهو الآن في ستينيات عمره، مع المرحوم أبيه إلى القسطل عام 1978، بعد أن أخرجوا من بلادهم الغارقة. تقع القسطل وأدندان اليوم شرق بحيرة النوبة، وهما أكثر القرى المصرية تطرفا إلى الجنوب. فمن أدندان تصبح على بعد ثلاثين كيلومترا من الحدود المصرية/السودانية، ويمكنك مشاهدة أضواء وادي حلفا السودانية ليلا على بعد ستين كيلومترا. شهدت الفترة 1963-1964 نقل النوبيين إلى بيوت "التهجير"، كما يسمونها. "لا نحس بالأمن في التهجير"، شرح لنا شفة، "فالأجيال الجديدة تأقلمت على بيئة لا تلائمها." شفة هو عمدة 35 عائلة مقسمة بين الوطن وأماكن أخرى بحثا عن العمل. لا تتلقى القسطل أي دعم إلا الذي يوفره لها أهلها، فهم يعيشون منذ 24 عاما بدون تعليم أو رعاية صحية، بل إن مولد الكهرباء الحالي مستعار من العبابدة الذين يسكنون قريبا، بعد أن خرب المولد الذي اشتروه. [img_assist|nid=117|title=حفيد عبده شفة|desc=حفيد الرجل المتعلم الواعي هو هذا الصبي الذي لا يقرأ ولم يذهب إلى مدرسة في حياته|link=node|align=left|width=400|height=267]"انظر إلينا. إننا نعيش كالبدائيين، ونعمل كأجراء يومية. إن الزراعة ليست آمنة إلا على مبعدة من الشاطئ، لأن مستوى البحيرة دائم التغير. ولا نملك المال اللازم لضخ الماء لأرض أعلى من أن تتأثر بحركة البحيرة." تعمل وزارة الزراعة منذ سنين في مشروع ملكية صغيرة، ولكنه يسير ببطء شديد بالمقارنة بمشروع توشكى الذي يدفعه كبار المستثمرين. يهدف المشروع في "الشرق" إلى إنشاء مجتمعات لشباب الخريجين القادمين من أنحاء مصر ليشترك أربعة منهم في زراعة عشرين فدانا من الأرض، بينما يعاني النوبيون في الجوار من الفقر، والجهل، والمرض، وهم أهل المكان. يشعر النوبيون عموما بمرارة شديدة تجاه الفترة الناصرية، فهم يرون كل نوبي--والنوبيين فقط--ضحية للسد العالي. وهم يعيشون على هذا الشعور، ويزيدونه عمقا. "يعاني النوبيون منذ 1818". "نحن نعيش هجرة مستمرة"، وهذا ليس رأي شفة وحده. فقد ظهرت المرارة والأرض المفقودة في معظم الحوارات التي سمعتها. لا زلت أذكر محمد رمضان، الذي استضافنا في بيت أخته وصحبنا طوال رحلتنا، وهو ينظر إلى صفحة الماء محاولا رؤية نولوة، بلدته التي لم يعرفها، ويكاد يتذكر أشجار النخيل التي نطفو فوقها عائدين من الشرق إلى أبوسمبل الجميلة، ويقرأ الفاتحة عندما نبحر بالقرب من قمة تل أخبره أبوه أن أسلافه مدفونون في سفحه. بإمكان المرء أن يرى حياة أكثر إشراقا على الشاطئ الغربي للبحيرة، في أبوسمبل الخضراء والقرى المحيطة بها: نولوة (البيضا بالنوبية لأن سكانها كانوا من "البيض")، والفراعنة الهادئة، والسلام، والسادات. يحظى أنور السادات، على عكس عبدالناصر، بشعبية كبيرة في النوبة، فهو منشئ مدينة أبوسمبل، وقد زار المنطقة ثلاث مرات. سبب آخر لشعبية السادات هو أمه السودانية. يتعاطف النوبيون مع السودان، ويعتقدون أن النوبة الحقيقية في السودان. وبالرغم من التناقض الواضح، إلا أنهم يعتبرون أنفسهم الورثة الحقيقيين للمصريين القدماء. النوبيون أيضا فخورين بأنفسهم جدا جدا، لدرجة أن بعض ما يذكره هذا الشعب الطيب عن الإثنيات الأخرى في مصر، أو عن الأجانب، لا يمكن وصفه إلا بالعنصرية الفاقعة. نشهد الآن موجة هجرة عكسية من كوم أمبو، ولكن النوبيون الجدد لم يعودوا صيادي أسماك أو مزاعي نخيل، ولم تعد حياتهم مرتبطة بالنيل كما كانت. إنهم ينتقلون إلى قرى جديدة بأسماء قديمة, ليسكنوا بجوار أبناء جيران آبائهم في النوبة القديمة. يعمل النوبيون اليوم في وظائف عصرية: كالسياحة، والتجارة، وخدمات أخرى، ولكنهم لا يزالوا يحنون إلى ماض يقبع في قاع البحيرة.

عرب أم مصريون؟

أقرأ رامي ومحمدا على مدونتهم الجديدة "راء وميم"، وتعجبني نبرة وأسلوب الحديث. يرد كل منهما بالتتابع على سؤال طرحه الآخر، ثم يطرح سؤالا بدوره. المدونة موضوعها العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في مصر، وكل منهما يعرض قدر جهل طائفته بالأخرى--وجدتني الآن أتوقف لأول مرة لأفكر أيهما المسلم وأيهما المسيحي: محمد ورامي! أنهى رامي دوره أمس بسؤال عن مسلمي مصر، وهل يعتبرون أنفسهم مصريين حاميين، أم عربا ساميين. نفس الموضوع تعرضت له في ذات الوقت قائمة بريدية معظم أعضائها من المصريين، وغير المصريين المقيمين في البلد. ظهر تصنيف سامي/حامي في القرن التاسع عشر، وهو وقت كان العلم فيه يؤكد حقائق الرجل الأبيض--التي يصفها الغرب اليوم بالعنصرية. ترى كيف ينظر إلى حقائقنا من يعيش بعدنا بقرن من الزمن؟--تشترك اللغات المصرية القديمة، والأمازيغية (البربرية) مع العربية، والكنعانية، والآرامية (وهي لغات تسمى أيضا "باللغات العربية"، لأنها أكثرها انتشارا اليوم، أو "اللغات الجَزْرِيَّة"، نسبة إلى جزيرة العرب حيث نشأت) في خصائص تضعها في عائلة لغوية، هي الأفرآسيوية، مقابل عائلات لغوية كبيرة أخرى، وأقربها إلينا الهندأوروبية، التي تغطى السنسكريتية، والفارسية، والإغريقية، واللاتينية، والألمانية، والإنجليزية، والفرنسية... وأتذكر من حكى عن أحد كتب قواعد المصرية القديمة التي يحاول فيها المؤلف الغربي وصف تلك اللاحقة الغريبة التي تميز جنس الاسم المؤنث، والتي تنطق تاء، وهي بالضبط تاء التأنيث التي يعرفها كل من درس العربية. أو كيف أن اللغة المصرية القديمة لا تميز فقط بين المفرد والجمع، بل توجد فيها أيضا حالة المثنى. تتميز اللغات الأفرآسيوية بأن الكلمات المتقابلة فيها قد يتبدل فيها ترتيب الحروف الأصلية في الجذر، ف"حنش" العربية تقابل "نحش" العبرية التوراتية. خذ مثلا اسم المدينة المصرية دمنهور. الاسم في المصرية القديمة--لاحظ أنني لا أفضل لفظة "الفرعونية" لأنها تركز على شخص الملك، ولدلالتها السلبية في الديانات التوحيدية الثلاث--هو دَمَنْ حُرْ، أي "مدينة حُرْ" ("مدن حر"، بدون الزيادات). و"حُرْ" هو الاسم المصري لما يعرف بالإغريقية بالإله حورس الصقر، وهو أيضا اسم من أسماء الصقر في العربية. [img_assist|nid=115|title=رأس مطرقة وسكين من قبل التاريخ، القارة، 90كم جنوب الواحات البحرية|desc=|link=node|align=left|width=200|height=94][img_assist|nid=112|title=نقوش من قبل التاريخ، القارة، 90كم جنوب الواحات البحرية|desc=الصورة لحسام مصطفى|link=node|align=left|width=200|height=150] زرت بداية هذا العام كهفا يقع في الصحراء على بعد 90 كيلومترا جنوبا من الواحات البحرية. بالإضافة إلى الصواعد والهوابط التي تكونت عبر ملايين السنين، وجدت نقوشا على الحجر لمن سكنوا المكان منذ عشرة آلاف عام أو يزيد: رسوما لبقر وحشي، وغزلان، ونعام، وحيوانات أخرى. صعدت إلى سطح الأرض لأخبر ألف باكتشافي، فوجدته يناولني مبتسما سكينا حجرية من قبل التاريخ. فنظرت حولي لأرى عشرات الآلات الحجرية، بعضها كامل والآخر كسر أثناء نحته: سكاكين، ومكاشط لسلخ جلود الطرائد، ورأس بلطة، ورؤوس سهام. مضى وقت على هذا المكان كانت فيه الأمطار أكثر لتسمح بنمو حياة نباتية تعيش عليها حيوانات برية كبيرة، ويعيش عليها أصحاب ورشة المعدات هذه. يتلقى وادي النيل منذ آلاف السنين موجات من البدو الباحثين عن سبل حياة أفضل. هبط أولهم إلى الوادي قبل التاريخ وعملوا فيه بالهندسة إلى أن أعادوا تشكيله بالكامل، واستمروا في استقبال الهجرات من صحراوات الشرق والغرب: أمازيغ، وهكسوس، وعرب مطلع الإسلام، والتغريبة الهلالية... ولا يزال استقرار العرب حول الحضر على جانبي الوادي وفي الشرقية ووادي النطرون مستمرا إلى اليوم: الموجات متتالية والاتجاه واحد. لا أحب تصنيف "المنطقة" إلى "شرق أوسط" و"شمال أفريقيا". المصطلحات تصنع الحقائق.

البس حاجة خضرا.. البسي حاجة خضرا

تدعو الجبهة الشعبية السلمية لإنقاذ مصر، والتي يقف ورائها الإخوان المسلمون، عموم المصريين إلى ارتداء أي شيء أخضر كل جمعة، وأن يكون ذلك إشارة إلى عدم قبولهم النظام القائم. أما عن مظاهرة اليوم التي نظمتها الحركة المصرية من أجل التغيير، والتي هي المظاهرة الأولى التي تهدف تحديدا إلى تغيير نظام مبارك--وهو قاسم مشترك بين كل المعارضين--فقد حوصرت بالآلاف المتوقعة من الجنود. تابعت بعض الوقت ثلاث نساء لا يجدن القراءة وهن يحاولن تأويل كلمات سمعن أنها مكتوبة على اللافتات الصفراء: "فترة رئاسية خامسة"؛ "التوريث". إلا أن قلة علمهن لم تحل دون إصرارهن على الاشتراك في المظاهرة الصامتة في معظمها من خارج الحاجز, حتى بعد أن طاردهن أفراد الأمن من ناصية إلى أخرى في تقاطع الإسعاف وسط القاهرة، أمام دار القضاء العالي، مقر أعلى سلطة قضائية في مصر. وكما كتبت معلقا على مدونة العروبي، بالرغم من أن غالبية المصريين ينتمون إلى مطالب الحركة المصرية من أجل التغيير، ولا يوجد في خطابها ما يمنعهم من دعمها، فلا زلت أرى أن خطابا إسلاميا لا يزال في طور التكوين هو الأسلوب الوحيد لتحديث بلاد العرب تحديثا لا يدفع بهم إلى أزمة الحضارة الغربية الحالية--العلمانية الشاملة إن استخدمنا اصطلاح الأستاذ المسيري، وهو من الموقعين على بيان الحركة، وواحد من أصحاب مشروعات عدة تقوم الآن ببناء أساس معرفي جديد غير غربي.

المعرفة العربية على إنترنت

قرأت مدونة لسردال أُعلن فيها إنهاء التفكير في مشروع مضاد لويكيبيديا العربية، وهي الموسوعة التي يمكن للجميع التحرير فيها، والتي تحوي في نسختها العربية على ألف وبضع مئات من المقالات قليلة الجودة في معظمها، مقارنة بالموسوعة الإنجليزية التي تزيد مقالاتها عن الثلاثمائة ألف، وما يقارب الثلاثة آلاف مقال في الموسوعة اللاتينية، اللغة الميتة منذ قرون. هناك أيضا ويكيبيديات بلغات صناعية كالإسبرانتو، والإنترلنجوة، بل وبلغات خيالية ككلنجون التي لم أسمع أحدا يتحدث يها إلا وورف، صاحب الرأس ذي النتوء الغريب في مسلسل الخيال العلمي رحلة النجوم. تحتاج ويكيبيديا إلى المزيد من المساهمين، خاصة أولئك الذين يعرفون شيئا عن تنظيم المعرفة. فمعظم مديري الموسوعة الحاليين هم من التقنيين ذوي الخلفيات الحاسوبية، وهم من المتحمسين للمشروع، إلا أن الموسوعة تحتاج المزيد من النظر في خطة أوسع، مقارنة بالاهتمام بالعمليات اليومية. تحتاج الموسوعة العربية أيضا إلى من يجيدون الكتابة بعربية سليمة.

برقية

تلقيت اليوم برقية نصها: "للأسره خالص عزائي ومواساتي"، والإمضاء لمحمدحسني مبارك. وضعت البرقية على طاولة جدتى المتوفاة، ثم فكرت في آخر مرشح للرئاسة: نوال السعداوي.

...والله على ما أقول شهيد

يمر شهرا نوفمبر وديسمبر من هذا العام، ويناير من القادم بدون أن يبث التلفاز المصري تنويها يذكر فيه عزيزي المواطن وعزيزتي المواطنة بموعد التسجيل في الجداول الانتخابية. ولا عجب، فالعام القادم يحل الاستفتاء على التجديد الخامس على حسني مبارك رئيسا للجمهورية المصرية. وإذا وضعنا جانبا أن تسجيل المواطنين في جداول انتخابية أمر غير ضروري للانتخابات ذاتها بعد تكوين قواعد بيانات السجل المدني المصري، والذي جعل من السهل تحديد من هم في سن الانتخاب ممن لا زالوا يعيشون فوق الأرض--الموت فعلا رحمة، فعديد من مراحيم مصر أحرار ومواظبون على الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات--تظهر فائدة البطاقات الانتخابية كمصدر دخل للخزانة، ووتظل جداول الانتخابات عائقا آخرا أمام الانتخابات التي يشرف عليها القضاء بشكل كامل داخل مقرات الانتخابات، وقوات الأمن خارجها. أما سبب قلق السلطة هذه المرة الخامسة فهو وجود أصوات أعلى من أي وقت مضى تدعو إلى تغيير الدستور ليسمح بانتخاب مباشر لرئيس الجمهورية ونائبه بين عدد من المرشحين، مقابل الوضع الحالي الذي يستفتي رأي الشعب في ما يراه نواب الشعب مناسبا لهم. سبب آخر هو ظهور عدد من الأسماء المرشحة أمام حسني مبارك. فبغض النظر عن خلافة جمال وتوقعات مقدم عمر سليمان، ترشح الجبهة الشعبية السلمية لإنقاذ مصر عمرو موسى الصامت إلى الآن، بينما لا تخلوا منتديات النقاش على إنترنت من ذكر قدوة الطبقات العليا الإعلامي عمرو خالد. قرأت البارحة عن أول من رشح نفسه علنا بهدف "كسر حاجز الخوف": انتخبوا سعدالدين ابراهيم! وسط كل هذا، قد ترغب في الانضمام للحركة المصرية من أجل التغيير، التي بدأت ببيان أصدره ما يقرب ما ثلاثمئة مثقف مصري يطالبون الرئيس بالاستقالة، وبإجراء انتخابات حرة، وبتغيير الدستور وقوانين الممارسة السياسية. طرح البيان على إنترنت ليشارك المصريون في التوقيع عليه.
اقلع غماك يا تور وارفض تِلفْ اكسر تروس الساقية واشتم وتِف قال: بس خطوه كمان … وخطوه كمان يا أوصل نهاية السكة يا البير يجّف عجبي!

بينوكيو القرن الثالث والعشرين

أتابع الآن فلم سبيلبرج ذكاء صناعي. تنطق مونيكا بالكلمات التي تجعل روبوتا صُنع في صورة طفل يدعى ديفد يتعلق بها حبا، بدلا من ابنها مارتن الراقد في غيبوبة. لديفد قدرة لا نهائية على الحب، مما يجعل أمه بعد فترة تردد تقرر "أنه هدية"، إلا أنها لا تقدر على حبه بعد استيقاظ مارتن الحقيقي من سباته فجأة، خاصة بعد أن يتشاجر الأطفال كعادتهم، فتعود بديفد إلى المصنع حيث يتم تدميره--يضمن تصميم ديفد عدم إمكان عكس مشاعره بمجرد النطق بتتابع الكلمات التي تربطه بإنسان--ولكنها تعدل عن ذلك وتتركه وحيدا في الطريق. يقرر ديفد أن يصبح طفلا حقيقيا كي تحبه أمه، ويحاول العثور على الجنية الزرقاء التي ستجعله إنسانا. وفي أثناء هذا، يتمكن من الهرب من "سوق اللحم"، حيث يفد المؤمنون لمشاهدة عرض تدمر فيه الروبوتات لأنها تمثل الشر الجديد. الفلم، وهو آخر أعمال ستانلي كوبرك، والذي أبقاه فكره إلى حين تطور التقنية الملائمة، تنويعة على قصة مغامرات بينوكيو لكارلو كولودي، والتي تنتمي هي أيضا في صورتها الأصلية إلى العالم العدمي الحديث. فلا أمل أن تصبح إنسانا إلا بعد أن تموت، عندما لا يكون لإنسانيتك أي معنى. بإمكان الزائر لموقع الفيلم في نهاية الرابط أعلاه أن يدردش مع روبوت في لعبة مبنية على اختبار تورنج، الذي يقوم فيه باكتشاف ما إذا كان بإمكان الآلات التفكير إن لم يستطع تحديد ما إذا كان الطرف الآخر في دردشة كهذه إنسانا أم آلة.

في ليلة القدر: ناس ما تعرفش ربنا

بعد أن اشتُهرت موسيقا الفرقة، ولُعبت في أنحاء العالم، بدأت الطنبورة تفقد نفسها، وتحولت عروضهم من الأغاني الجماعية للبمبوطية، صيادي وملاحي قناة السويس وشمال الدلتا، بألحانهم المميزة، وبآلات السمسمية، والطنبورة الأكبر حجما، إلى فواصل تمثيلية مضحكة وأداء مفتعل. إلا أن هذا ليس ما جذب انتباهي. تبدأ الطنبورة غنائها الآن، كعادة المصريين دائما، مصلين على النبي بإنشاد الأبيات الأولى من السيرة الهلالية، والتي لا يسبقها إلا القليل من توحيد الله:
صلاة النبي بتزيدني شوق وتمنع البلا والمراضي قال له الإله: اندفن فوق قال: أمِّتي في الأراضي صلاة النبي تغني عن القوت وتمنع البلا والمراضي يستاهل علقته بالسوط اللى معاه كفو الزيارة ما راضي لولا النبي لا كون ولا نار ولا أَسلام صلت وصامت ولا كان فيه ليل ولا نهار ولا جْمال في الجو هامت حلو النبي وحلو رقابيه ياما هوَّه بدر البدورة من يوم جبرائيل رقى بيه من سابع سما فج نوره أصلي ع اللي خلق الناس خلق مسلمين ونصارى وناس نامت على فرش وكناس وناس ع المعايش حيارى
هذه هي صورة محمد في وعي المصريين: مقصد الدعاء، وخالق الكون. سمعت ليلة البارحة الطنبورة في بيت الهراوي القريب من حارة الباطنية في القاهرة، وعدت مرة أخرى لسماع إنشاد يس التهامي كعادتي في ليلة القدر، وهي الليلة السابعة والعشرون من رمضان، وذكرى بدء نزول الوحي جبريل على سِيدْنَا النبي. مرت خمسون دقيقة من شعر ابنالفارض فوق رؤوس السامعين، كانت فيها معرفة الله طريقا لحب النبي، الذي ما أن بدأت الصلاة عليه حتى توحد اللحن والإيقاع والناس ومحمد في كيان واحد.

الخامس عشر من أكتوبر - يوم الشجرة

صباح في وادي صقرصباح في وادي صقر أتممت اليوم خمسا وعشرين حولا شمسيا كاملا. كنت في طفولتي أحلم أحيانا أنني سأموت في هذا العمر الذي بلغته، وهو الذي كان عمرا طويلا وقتها. انتظرت الحدث ليلة أمس مستلقيا في منامتي، مودعا كل جزء من جسدي، بينما رفيقتي تتحدث وتنظر إلي من وسط الظلام. كنت أحيانا أخرى أحلم أنني سأعيش مثل موسى النبي: مائة وعشرين عاما، وهو ما يسميه الدروز عمرا كاملا، بدون أن يبيض شعري، أو تسقط أسناني، أو تضعف ذاكرتي، أو يخفت ذهني. أكتب الآن من أرض موسى النبي، ساندا ظهري إلى حائط جنينة في وادي صقر بأعالي سيناء. وعجبا، أجد نفسي أفكر في زادنا من الماء الذي لم نأخده معنا. بلا ماء، وبكثير من الكحول. اليوم أيضا غرة رمضان. أبدأ الخمس والعشرين سنة القادمة عاريا من أي أسرار؛ وحيدا كعادتي. ولكنها هذه المرة كالجوع من بعد الطعام.

أنا أنتمي

هذا عنوان ورشة عمل نظمها المجلس البريطاني في الإسكندرية يومي الثاني والثالث من أكتوبر الجاري. جمعت الورشة التي تركز على الأدب كاتبتين ومجموعة معظمها من الشابات بين عمرى17 و25 عاما، وناقشت قصصا قصيرة كتبتها الفتيات استجابة لإعلان في الصحف. يدور موضوع القصص حول هويات الفتيات في عالم اليوم. أما الورشة فتشكل جزءا من خطة عريضة تدعى "نحو مستقبل أفضل معا". تستهدف الخطة من خلال عدة برامج بدأها المجلس البريطاني بعد غزوة نيويورك في الحادي عشر مجموعات تؤثر على مستقبل بلاد الشرق: شباب الفنانين، والأدباء، والعلماء، والصحافيين، والطلائع حتى سن العشرين. شعار المرحلة هو: "أنا أحب العالم!" أولى الكاتبتان هي ميرال الطحاوي، المصرية التي ولدت لعائلة بدوية من عرب الشرقية، وعانت بعد موت أبيها انقادات ألف أب هم رجال عشيرتها، إلى أن أتمت دراساتها العليا في العربية، وبدأت تُنشر وتُترجم لها الروايات. تعود معرفتي بالطحاوي إلى علاقاتها الجيدة مع مؤسسات ألمانية أعمل معها: معرض فرانكفورت للكتاب ومعهد جوته، وتلك في ظني هي كل العلاقات الجيدة التي تتمتع بها. لا زلت أذكرها تشير بيدها لمن هي أعلم منها وأقدر على التعبير: "قهوة!" أما الكاتبة الأخرى فهي برناردين إفاريستو. قدمت برناردين نفسها إليَّ على أنها من لندن: "ولدت وأعيش وأموت في لندن." ثم عرفت أثناء قيامي بالترجمة في الورشة أن والدها هاجر من نيجيريا إلى المملكة المتحدة، حيث تزوج أمها الإنجليزية البيضاء البروتستانتية ذات الأصول الأيرلندية الكاثوليكية، ضد رغبة عائلة الأم، بمن فيهم زوج خالتها المهاجر اليهودي الألماني الهارب من النازي، وجدتها التي أحبت أحفادها السود، وإن لم تقبلهم حتى ماتت. في روايتها لارا، تتبعت إفاريستو أصولها عبر ثلاث قارات وسبعة أجيال: من نيجيريا إلى البرازيل، حيث استعبد أجدادها حتى تمكنوا من العودة إلى الوطن، وفي الجزيرة البريطانية بكل ما استقبلته من تأثيرات وافدة. تكتب برناردين روايات مسرحية مسجوعة كالشعر. وهي تحرص على إضافة عنصر أفريقي في جميع أعمالها. يحس المرء في تعامله مع برناردين بالخشونة التي وجدتها في النيجيريين، وبفخر السود "المضاد" بأنفسهم عندما يعيشون في عالم أبيض. وجدت برناردين تطلب من المشاركات قليلات الحيلة اتباع قواعد غربية في الأعم. فلكي تصبح قصصهن شيقة، لا بد من التشخيص، والوصف، والتصاعد من "تجهيز المشهد"، إلى "ذروة المشكلة"، ثم الحل في النهاية. لا أعتقد أن هذا التحديد ينطبق على أساطير الشرق العربي القديم مثلا، فأحداثها تتسم بالدائرية بدلا من الخطية. ولا يزال بإمكان المرء أن يرى تلك الدائرية في أساطير اليونان القدامى: بروميثيوس الذي ما يلبث النسر إيثون أن يأكل قلبه حتى ينبت له قلب جديد، أو سيزيف الذي حكم عليه بدفع حجر أعلى التل ليتدحرج من جديد، إلى الأبد.

"فك عن نفسك يا بني"

قالت لي السيدة العجوز التي تطوف بجانبي ضريح الرفاعي، فأنا الوحيد في الغرفة الذي لا يتمتم بسره إلى الولي. أضاءت الفكرة في ذهني. هذا هو دين الناس: الراحة. لم أزر أحد الأولياء منذ اليوم الذي أخذتني فيه أمي وأنا في السادسة إلى سيدنا الحسين الشهيد أثناء زيارتنا للقاهرة، ولا أزال أتذكر كيف نظرت إليها غير مصدق تضرعها، ولا أزال حتى اليوم غير مصدق غربتي وتضرعي في آن. أما زيارتي لمولد الرفاعي فقد مر عليها ما يقرب من العام. كنت بصحبة جيني وأيمن. تتحدث جيني العربية بطلاقة تقارب طلاقة صديقتها التي تعمل في حلقة السمك. حاذر من انتقاد عربية جيني، فهذا يشعرها بالإهانة التي تصبيك عندما ينتقد أحدهم وطنيتك أو إيمانك. وقد يرجع السبب في ذلك إلى أنها، وعلى الرغم من أصولها الأنجلوساكسونية، تشعر بأنها من الجيل الثاني من العرب الأمريكيين الذين يحاولون إعادة استكشاف جذورهم العربية. وهي في ذلك تذكرني باليهود الأمريكيين الذين يضمون أنفسهم مع الصهاينة (التوطينيين بدقة الأستاذ المسيري) ولكنهم لا يهاجرون، فيصبح المستوطن الصهيوني في فلسطين مسقطا لرأسهم ومكانا قد هاجروا منه وليس إليه، تماما كالوطن العربي للأمريكيين-العرب، أو اليونان للأمريكيين-اليونانيين، أو أي بلد أصلي لكل أمريكي بشرطة. قابلت أيمن أول مرة في البيت العائم الذي تعيش فيه جيني منذ أن رفض الإسرائيليون عودتها إلى بيتها في القدس القديمة. يطل عليك أيمن بعينيه السوداتين الضيقتين ووجهه النحيف المريح، وبمجرد أن ناولني عشاء اليوم من الملوخية الساخنة المعبأة في قنينة بلاستيكية، والتي ألهبت يده في الميكروباص من بيت عمه في إمبابة وحتى العوامة، حتى أدركت الخطأ في الصورة. يحكي لك أيمن عن بلدته، تلك العزبة في الشرقية، وعن صعوبة المعيشة والفقر هناك. ويظل يحكي حتى تشعر بالخجل من نفسك، ثم بالحيرة عندما يصل بتاريخه إلى الفقر الأسطوري الذي عاشه جده الأكبر صاحب الحزام الذي يضيق على الوسط، فقد كان جده يعمل طوال اليوم دون أي طعام سوي لحسة من قالب ملح عند الفجر: كل يوم وطول اليوم. يكره أيمن، مثله مثل باقي مدرسي اللغة العربية الذين عرفتهم، وظيفته، مع أنه من المرشحين لعضوية صندوق المعلمين.

هل أبدأ من هنا؟

وضعت أمامي زجاجة البراندي نصف الممتلئة—نصف الفارغة كي لا أفقد المعنى—وسبعا وثلاثين قرص دواء زهري اللون. لا أعرف نوع الدواء حقا، ولكن لا بد أنه في عمر فتاة مراهقة الآن، فقد مر وقت طويل منذ أن بيعت عبوة المائة قرص لأي دواء بخمسة عشر قرشا. هل هذا ما أريده فعلا؟ لا يتوقع الجميع من شخص على وشك أن ينهي حياته أن يفكر في حلول لمشاكل المحرومين في العالم.
Syndicate content