حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

التاريخ

أعوام الثمانينيات كنت أقرأ في مجلة 2000 عن أحدث تقنيات تسجيل الصوت و الصورة وقتها، و أخطط لنظام أرشفة قادر على توثيق تاريخ شخص كامل. كنت أقرأ في ذات المطبوعة--التي تمزج بين الخيال العلمي و عرض حديث التقنية المعاصرة (من نوع كاميرات فديو بيتاماكس) و المستقبليات، و التي لم تصدر منها سوى أعداد قليلة و كان محررها منير العكش--عن كبسولتي زمن وضعت فيهما أهم علامات الزمن المعاصر و دفنتا تحت الأرض في قلعة أوساكا و على الضفة الجنوبية للتيمس في لندن. كانت تلك الكبسولة قاصرة في نظري لأنها ينبغي لها أن تحوي بشكل كامل قدر الإمكان تفاصيل حياة فرد من نوعنا البشري. مرت منذئذ عشرون عاما تطورت فيها التقنية الرقمية لتسمح لأفراد عاديين مثلي بتسجيل أجزاء لا بأس بها من حيواتهم. اقتنيت مؤخرا شيئا أسميه "الجهاز". الجهاز ليس هاتفا فقط، و ليس كاميرا و مسجلا صوتيا، و لا مستقبلا لنظام تحديد المواقع الجغرافية GPS، و لا مشغلا للموسيقا و الفيديو، و لا وسيلة اتصال بإنترنت فقط. هو كل ذلك و أكثر. إلا أن هذا الشيء ذاكرته لا تزال محدودة، و متحسساته لا تزال تتجاهل بيانات كثيرة كالضغط الجوي، و الارتفاع و درجة الحرارة و الرطوبة النسبية و بياناتي الحيوية. قريبا سيصير بالإمكان تخزين قدر معقول من بيانات فردية في ذاكرات محمولة رخيصة: سجلات زمانية و صوتية و صورية و مكانية و قراءات حيوية لكل ثانية من تاريخ الأفراد. أتعجب من من ينظرون إلى إنجازات البشرية و يظنون أنها كثير. الجزء الأكبر من تاريخنا بعد أن تميزنا عن باقي القردة العليا لا يتعدى العمل على البقاء إلا قليلا، و ما "حققته" الأقلية منا في الإثني عشر ألف الأخيرة--باعتبار أن الحضارة بدأت بنهاية العصر الجليدي الأخير و بداية حقبة الهولوسين، مما يجعلنا اليوم في العام 12,009 في التقويم الهولوسيني (الإنساني)--دفعت ثمنه الأغلبية في حروب و حدود و عبودية و طبقية مضرة في أسوأ الحالات و لا ضرورة لها في أفضلها. لا تزال أفكارنا عن التنظيم الاجتماعي و الاقتصاد بالغة البدائية و الضرر للناس و الكوكب، و ما برحنا إلا قريبا نبتكر نماذج نحاول بها تفسير سلوك الأفراد و المجتمعات و الطبيعة، و لا تزال تلك النماذج تفتقد بيانات تاريخية تعمل عليها. العصور التاريخية، يا سادة، لم تبدأ بعد. التاريخ علم مضبوط و إحصائي. التاريخ تنقيب في بيانات سجلت بدقة و جمعت بمنهجية على مستوى الأفراد، و هو يتطلب مستوى من تقدم الحضارة لا يزال النوع البشري على أعتابه. ما نقوم به اليوم و نسميه تأريخا--حتى و إن سميناه تاريخا "شعبيا" مقارنة بتاريخ الدول و الملوك و حروبهم--هو حقيقة صناعة لحكايات و أساطير و صور منقوصة الزوايا و الأبعاد.

التاريخ قلب الزمن

الموضع قيم جدا .. ونحن كبشر وبالأخص المسلمين نعلم أننا ما أوتينا من العلم إلا قليلا، فعلم االله عز وجل ليس له حدود أو قدرات محدودة كعلمنا نحن البشر فسبحان الله. جزاك الله خير الجزاء ونفع الأمة الإسلامية العربية.