كفاية طوارئ
يدعي النظام أن قانون الطوارئ لا يستخدم إلا ضد تجارة المخدرات والإرهاب، وأن الإخوان المسلمين هم الوحيدون المطالبون بإلغائه: كذب.
بعد انتصاف ليلة أول أبريل 2000 ببضع ساعات. ألقى على داينا تحية المساء تحت بيتها المجاور لضريح سعد. أركب سيارة أجرة إلى ميدان السيدة عائشة، ومن هناك ميكروباصا إلى البيت في المقطم. تتوقف السيارة في كمين شرطة على الطريق الصاعد. يفتح الجندي الباب لملازم أول. ينظر الملازم إلي أنا الجالس على أقرب مقعد للباب.
يشير في وجهي بإصبعه، ثم يهز يده في تساؤل صامت (يريد أن يقول: يو. وير فروم؟)، أي من أي بلد جئت يا خواجة؟
أبتسم: "أنا مروح بيتنا."
"بطاقتك."
"أفندم؟"، كأني لم أسمع.
"بطاقتك."
"أيوه طبعا. اتفضل."
أناوله تحقيق الشخصية. يقرأ بياناتي: اسمي. سني. لا أظنه يهتم بمكان سكني في البطاقة، فكثير من المصريين لا يعبأوون بتغيير بيانات محال إقاماتهم في السجل المدني لأن الإجراء مضن وغير ذي عائد. عودا إلى البيانات: طالب. يسألني في أي جامعة، وأجيب.
"الشنطة دي فيها إيه؟" يشير إلى حقيبة ظهري.
"ممكن تقول لي إنت بتدور على إيه وجايز أعرف أساعدك."
"طب انزل لي بقى."
"يا سيد. إنت عارف إن مش أنا اللي بتدور عليه. وأنا لازم أكون في كليتي بكره الصبح."
"انزل." يشير إلى العسكر.
يعبث قليلا بمحتويات حقيبتي: صور، وكاميرا؛ وأوراق يبعثرها ويقرأ ما فيها؛ هارمونيكا ينفخ فيها بدون استئذان. يضحك أمين الشرطة والعسكر لطرافة ضابطهم الشاب.
يأمر اثنين من جنوده بوضعي في السيارة "البوكس". أحاول أن أخاطب عقله، وأخبره مرة أخرى أنني لن أفيده في شيء.
"إنت حتفهمني شغلي!"
"شغلك مش إنك تضايق ناس تختارهم عشوائيا بعد نص الليل. على العموم كل واحد مننا حر."
لم ينجح مفتش محتويات حقيبتي في العثور على سكين جيب أهدانيها أبي وأنا في الثامنة. أفزع وأقرر أن أتخلى عنها. أرميها أثناء نزولي من السيارة أمام باب قسم الخليفة. يلاحظها حارسي، ويسلمها إلى الضابط.
وقفة قصيرة في النباطشية. ممنوع الجلوس أمام الضباط أو في غيابهم. ينادى علي من دون باقي الموقوفين. تحقيق سريع في الغرفة. يمر مرة أخرى في أوراقي، ويقرأ شيئا كتبته عن شيء قرأته في علم الكونيات: التنجيم غير صحيح، ولكن المنجمون ليسوا أغبياء على أي حال، فيوما بعد يوم ندرك أننا أكثر ارتباطا بالسماوات، بل أكثرمما كان يترائى للمنجمين. أجيب على أسئلة عن انتمائي لعبدة الشيطان وعن نوع شذوذي الجنسي. يقنعني بظرف أن لا أخاف من الإجابة، فهذا المخبر إلى جانبي خول غير خجول. أنظر إليه وأبتسم، ثم أدير النظر في عيون الجميع منتهيا بالضابط: "زي ما اتفقنا. كل واحد مننا يشوف شغله." يرفع نظره عن الهاتف المحمول ويخبرني أنني "إما لِقَّية أو مشكلة". أبتسم مجددا. يكتب شخص آخر على ورقة صغيرة بخط غير مقروء. يطلب الضابط منى التوقيع، ومن صول أن يصحبني. باب حديدي وراءه أبواب ثلاثة. التخشيبة إلى اليمين؛ حجز النساء في الواجهة؛ وتخشيبتي أنا إلى اليسار.
النزلاء في هذه التخشيبة غاية في اللطف. يرحبون بي، ويشرحون أن المكان هنا لوكس، وأنهم صفوة القوم: تاجر مخدرات، ومرتكب جرائم سطو، وطرف في مشاجرة دموية... نظام التلاجة يقضي بأن يعول المحابيس من ينضمون إليهم لأول يوم فقط. يسألون من أنا، ويلعنون أبا النظام الذي يجيء بالطلبة إلى هذا المكان. أرفض أن أخبرهم عن جريمتي، فينظرون إلى بعض في خوف: لا بد أنه قاتل. يرحبون بي أكثر.
الغرفة زرقاء خضراء رمادية سقفها عال. بها مصطبة إلى اليسار فوقها نافذة على الشارع تقابلها أخرى على باحة القسم. الغرفة عارية إلا من بعض الفرش. يفصل بينها وبين دورة المياه ستار يخرج من تحته خرطوم ماء ينتهي في سطل. ساعة أو يزيد قليلا في التلاجة قبل أن يصبح النهار. أعطيت خلالها أحد المحابيس ورقة عليها رقم هاتف منزلي، ورسالة. أعطاها بدوره إلى أحد العسكر. عرفت لاحقا أن أمي أغلقت الخط مرتين أو ثلاثا في وجه شخص يصيح فيها الساعة الخامسة فجرا: "ألو. إنت مين؟"
حركة في الخارج. الباب يفتح. أسماء ينادى عليها. أنا منهم. ندخل التخشيبة الأخرى لدقائق لينضم إلينا بعض سكانها. الغرفة صفراء وأكثر ازدحاما. أنهر أحد المشردين حين يعبث بحقيبتي وأبتسم. في الخارج ينادي علي ضابط شاب آخر. اسمه عمرو. يمزح قليلا، ويأخذني إلى وكيل النيابة الذي يضحك من النظام بعد أن أحكي له ما جرى في الساعات الأخيرة. يعتذر الوكيل نصف اعتذار، ويرسلني إلى الخارج مرة أخرى. "ناسنج إلس ماترز." يحاول عمرو بهذا التعليق أن يخبرني أنه من الشباب الذين يعرفون موسيقى ميتاليكا. لا أبتسم.
شاحنة نقل المحابيس الزرقاء تختلف كثيرا من الداخل. الأرض زلقة ومبللة بالبول. الرائحة تصعد إلى الأعلى حتى بجوار النافذة. الهواء قليل، والانتظار طويل، والأجساد متلاصقة تدفع بعضها في نفاد صبر متزايد. تراشق بالألفاظ يتحول إلى اشتباك بالأيدي، على الرغم من أن كل واحد منا يشارك زميلا في الأصفاد قبل الخروج من القسم. رأى الصول رسغاي النحيلين، فقام بلف السلسلة داخل الحلق حتى لا أهرب. الألم أكثر.
في مديرية الأمن بباب الخلق يجمع الخلق كلهم لإثبات برائتهم. شاحنة مماثلة تأتي من كل قسم في القاهرة. وصلنا مبكرا. نملأ استمارات فيها بياناتنا الشخصية، ونشتري شطائر طعمية طازجة بخمسة عشر قرشا. يحاول أحد الشباب أن "يسلِّك" مني بعض النقود، فينتهي به الأمر أن يدفع ثمن الطعمية والمال الذي أعطاه الجندي كي يتصل الأخير بأهلي مجددا. تحججت صادقا بأن ليس معي فكة. مرة أخرى، الغرفة الكبيرة تزدحم بوصول أفواج المعتقلين. يزداد الصوت علوا والناس حركة واجتماعية، ما لا يعجب الصول فيأمر العسكر أن يديروا فينا الضرب بعصيان بلاستيكية. شعرت بالامتنان لوصولنا مبكرا، فجلوسنا في الصف الأخير منع العسكر من الوصول إلينا. تكوم المعتقلون كلهم في ركن هربا من الضرب، ودفعونا دفعا إلى الحائط من وراء. ينادى على اسمي. تستوفى بياناتي. يعودون بنا إلى الشاحنة؛ إلى القسم؛ إلى التخشيبة. ينجح الجندي الثاني في الاتصال بأهلي. الباب يفتح. أتبادل كلمتين مع أبي. أخرج بعد دقائق إلى مكتب المأمور. أثناء حديث أبي مع السيدة عضو مجلس الشعب عن دائرة الخليفة (كانت هناك بالصدفة، واستغربت من هذا الذي يحدث لـ"أمور" مثلي. لا أنظر، ولا أبتسم)، ينظر إلى المأمور (يا له من اسم) ويسألني في اعتذار كيف حالي. أرد على المأمور: "إنت بتتكلم جد!"، وأخرج.
أكتب من فوق سريري بريدا إلى داينا. أتلقى ردا قبل أن أغفو. تظن أولا أنها كذبة أبريل، ثم تخبرني أن ما حدث كانت لتتبعه محاكمة وتعويض كبير لو كنت مواطنا أمريكيا. أنا مصري.
كانت معي كاميرا طوال الوقت، ولكني خفت أن أستعملها. سمعت أن الضابط الذي أوقفني نقل إلى الصعيد.









بفضل قانون
بفضل قانون الطوارئ أيضا اختفى شباب متهمون بالإسلامية في عقد التسعينات، ولم يعثر لهم أهلهم على طريق جُرّة، أحياء أم أموات؟ بفضل قانون الطوارئ تؤخذ ’تحري‘ رغم هويتك وعدم ارتكابك مخالفة من أي نوع. مرة يسمونه ’طوارئ‘ ومرة ’شرعية ثورية‘ ومرة ’أحكام عرفية‘. عندما ذكرت الاستعانة بفايدة كامل تذكرت شطرة "فيك الخصامُ وأنت الخصمُ والحكمُ"، وبيت "وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحكٌ كالبُكا" وتلوت ما تيسر من الكُسّميات.
آه.. نبدأ نخاف
آه.. نبدأ نخاف نكلّمك دلوقتِ. لكن برضه كويّس إنّ ليك واسطة في التلاّجة.
غريبة إنّ ميشيل تكلّم عن شيء مشابه، بس خانة الديانة-اللي معظم المسيحيين متغاظين منها-نفعته.
موضوع عبدة الشيطان ده كان حكاية طريفة جدّاً. مناورة مكشوفة للأمن لإظهار أنفسهم بحماة التديّن بلا تطرّف، وبالمحافظين على الأخلاق الأصيلة.
للأسف، جانبهم التوفيق.
حمشكة. هي كانت
حمشكة. هي كانت تريقة أكثر منها استعانة.
يا رامي، دائما ما يحتفظ الأمن بملفات مثيرة ومزيفة في أغلبها، ولا يخرجونها للرأي العام إلا عندما يحتاج النظام دفعة تأييد، لا سيما عند قيامه بأحد الأشياء التي تغضب عموم المصريين :تضخم؛ تطبيع؛ فساد... أسمع عن من تلقوا ملاحظات بسبب عقدهم جلسات للتفكير الإيجابي مثلا، أو لممارسة رياضات روحية كالتأمل أو تاي-تشي.
على ذكر التفكير الإيجابي: من الحسن أن قانون الطوارئ في طريقه إلى الزوال، ولن يضطر أي ميشيل إلى إثبات دينه أو الإفصاح عنه، ولن يعاني نجيب سرور مرة أخرى.
ما حدث في هذه
ما حدث في هذه الواقعة ليس له علاقة بقانون الطوارئ ، فهو اشتباه قانوني و عرض على وكيل النيابة.
ولا يمكن أن نعتبر أن تجاوز من ظابط شرطة واحد أو أكثر هو فشل للنظام ( الذي أعتبره فاشلا بالفعل و لكن ليس لهذه النقطة" ولكن هل جربت الطرق الرسمية في كتابة شكوى الى الجهات المسئولة (وزير الداخلية) عما حدث؟؟؟؟؟؟
شكرا على تعليقك
شكرا على تعليقك يا تلمر. ذكرت أن: "ما حدث في هذه الواقعة ليس له علاقة بقانون الطوارئ، فهو اشتباه قانوني..."
طبقا لأي قانون؟
الدستور المصري:
مادة 41: "الحرية الشخصية حق طبيعي وهى مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة، وذلك وفقا لأحكام القانون. ويحدد القانون مدة الحبس الاحتياطي."
مادة 42: "كل مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأي قيد تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز إيذاؤه بدنيا أو معنويا، كما لا يجوز حجزه أو حبسه في غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون. وكل قول يثبت أنه صدر من مواطن تحت وطأة شيء مما تقدم أو التهديد بشيء منه يهدر ولا يعول عليه."
مادة 57: "كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتكفل الدولة تعويضا عادلا لمن وقع عليه الاعتداء."
مادة 71: "لكل من تسلب حريته أو يقبض عليه أن يبلغ بأسباب القبض عليه أو اعتقاله فورا ويكون له حق الاتصال بمن يري إبلاغه بما وقع أو الاستعانة به علي الوجه الذي ينظمه القانون، ويجب إعلانه علي وجه السرعة بالتهم الموجه إليه وله ولغيره التظلم أمام القضاء من الإجراء الذي قيد حريته الشخصية، وينظم القانون حق التظلم بما يكفل الفصل فيه من خلال مدة وإلا وجب الإفراج حتما."
تنص المادة 34 من قانون الإجرائات الجنائية على "عدم جواز القبض علي الأشخاص إلا في حالة التلبس بجناية أو جنحة يعاقب عليه بالحبس مدة تزيد علي ثلاثة سنوات"
واضح أن ما دعوته اشتباها قانونيا قد تم بالمخالفة للدستور والقوانين غير الاستثنائية.
تسمح المادة 3 في قانون الطوارئ (القانون 162 لسنة 1958) بـ"وضع قيود علي حرية الأشخاص في الاجتماع، والانتقال، والإقامة، والمرور. وتنفيذ أعمال القبض والاعتقال وتفتيش الأماكن والأشخاص دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية، ومراقبة الرسائل والصحف والنشرات والمطبوعات وكافة وسائل التعبير والدعاية. وتحديد فتح وإغلاق المحال العامة وتشمل المحال: كافة الأماكن المخصصة للتجمع سواء كانت جمعيات أو نقابات أو اتحادات أو نوادي أو مقاهي. بالإضافة إلى سلطة الاستيلاء علي أي عقار أو منقول، والحق في سحب تراخيص الأسلحة والذخائر وإخلاء بعض المناطق أو عزلها..."
دعني أسألك بدوري: هل حاولت أن تعرف حقوقك حتى في ظل الدستور الحالي؟ هل ترى أن المصريين يحصلون على كامل حقوقهم الدستورية؟ هل لك أن تبحث في الموضوع قليلا وتنظر حولك كي تعرف أنه ليس ضابطا واحدا؟
مش فايدة كامل
مش فايدة كامل هي اللي غنّت: "يا حبيبنا .. يـــــــــا سـااادااااااات"؟
Just read this entry in
Just read this entry in "Al-Dstoor". This only proves more that Blogs are a respectable form of cyber-journalism. Great work on this site , Added the RSS and will check out.
sorry for posting in English , but I'm very slow at typing in Arabic.
جميل يا عمرو
جميل يا عمرو ظهورك في الدستور - رغم مخاوفي من نوايا الدستور وزفرات المارد العجوز صاحب الميكروسكوب المرصود لكل "طاقة نور" تجعل هذا الشعب يحس بأنه لا يزال على قيد الحياة!
هكذا يحمى
هكذا يحمى النظام عندنا نفسة ببس اليأس فينا بضرب المعارضين و تخويف باقى الشعب عن طريق بطاقتك فين والجر على الحجز أنها حقا دولة بوليسة وخايف عليكى يامصر
عزيزى صاحب
عزيزى صاحب الأشجار
أنا حاسس بكل كلمة قلتها ، لأنى مررت بتجربتين مريرتين لا ذنب لى فيها سوى أن عمى معارض إسلامى "إخوان" وزوار الليل لا يألون جهداً فى ترويع الناس - الشارع والجيران - والعمل على قفل كل الأبواب فى وجه من يكون حظة عاثر ويكون قريباً فقط لأحد المعارضين
فنحن مجرمون حتى تثبت إدانتنا
سيدى الفاضل ... أنا بعد أن أخذت رهينة أنا ومختلف أفراد العائلة أصبحت أنسان آخر ... كل ما أريدة بكل حزم وقوة وتصميم أن أدق مسماراً فى نعش هذا النظام البغيض ... نجحوا فى زرع كراهية لهم لا حدود لها فى قلبى على الرغم من أننى كنت من الذين يؤيدون نظرية أن الريس ميعرفش حاجة ... أتضحلى إنى كنت عبيط ... أرجو أن تتجاوز هذا الأمر
انا من المقطم
انا من المقطم برضه بس ده غريب اوي يعني اشمعني انت
علِّق