قراءة لمفهوم العروبة
مرة أخرى، أتابع نقاشا مثيرا للاهتمام على راء وميم، وأهم بالتعليق برأي، وأنتهي بتدوينة جديدة هنا. السؤال لا يزال اختيارا بين القوميتين المصرية والعربية. سأحاول القفز فوق القضية بتقديم تفسير قد يكون جديدا، وهو في رأيي أكثر ارتباطا بالواقع.
أبدأ بانتقاد الخطاب القومي العربي السائد منذ منتصف القرن الماضي، والقائم على أسطورة أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج، موحدة اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا. يؤسس هذا الخطاب لنفسه خارج التاريخ محاولا استعادة صورة دولة عربية موحدة لم تحدث أبدا. ففي العصور التاريخية الثلاث التي حكمت الوطن العربي كله دولة موحدة (الراشدية، والأموية، والعباسية الأولى)، لم تكن الأغلبية عربية أو مسلمة. وإذا حددنا نفسنا أكثر بمصر، فالواقع أن الثقافة المصرية الحالية لم تكتمل عناصرها إلا في العصر الفاطمي، عندما ظهرت العامية المصرية، والموالد الإسلامية، والسيرة الهلالية القادمة مع موجة أخرى من المهاجرين العرب.
أدرك أن التصنيفين سامي/حامي غير مقبولين علميا الآن. إذا أراد أحدهم أن يؤسس لقومية مصرية على أساس إثني (أكره كلمة عرقي)، فيجب عليه أن يسوق حججا يقبلها العلم المعاصر. سبق أن بينت أن المصريين القدماء--وهم من يحاول القوميون المصريون بلا داع إثبات أننا أبنائهم. من الواضح أننا مصريون--لم يظهروا من فراغ، وأنه أتى عليهم وقت كانوا يعيشون فيه حياة البداوة قبل أن تجف الهضاب ويهبطوا إلى الوادي، وأن حركة الاستقرار هذه مستمرة طوال التاريخ المصري: بدو يأتون من منطقة طاردة، ويهبطون أرض مصر، فيعيشون حول الوادي، ثم ينصهرون في أهلها. أدرك أيضا أن ثنائية الجزيرة العربية الطاردة/مصر الحاضرة تقابلها ثنائية أخرى هي الجزيرة العربية/سورية الجغرافية، وثالثة هي الجزيرة العربية/بلاد الرافدين. والجزيرة ليست المنطقة الطاردة الوحيدة في العالم، فهناك الهضبة الإيرانية التي خرج منها الهندأوروبيون إلى ثلث العالم شمالا وجنوبا، وآسيا الوسطى التي خرجت منها موجات المجر، والهن، والتتر، والمغول، وأخيرا الترك.
يقع مؤيدو القوميتين العربية والمصرية في خطأ واحد، فينظرون إلى القضية بعيون غربية. إن فكرة الشعب Das Volk هي فكرة أوربية لم تظهر إلا مؤخرا في العصر الرومانسي--القرن التاسع عشر-- بعد أن تخلصت دول أوربا الحديثة من الأقليات الثقافية والإثنية في حروب ومذابح صمت عنها التاريخ الرسمي مؤسسا لأساطيره الخاصة. اتسمت دول أوربا الغربية قبل الحرب الثانية بتناسق مفروض وحدود واضحة لكل دولة/أمة--تغيرت الظروف بعد الحرب بالوحدة الأوروبية واستقبال المهاجرين، وأصبحت أكثر سيولة، بينما لا نزال نحن نرغب في اتباع نموذج ينتمي للماضي--قارن مفهوم الشعب الغربي مع التعددية الثقافية والإثنية التي اتسم بها العالم العربي الذي تتراكب دياناته ولغاته وطوائفه وإثنياته في فسيفساء أكثر تنوعا بكثير--لا تزال ثلاث قرى خارج دمشق تتحدث السريانية؛ ولا يزال بعض السوريون يدينون بدين الإله أدونيس/تموز،؛ ولا تزال بعض العائلات في صعيد مصر تتحدث القبطية في المنزل؛ ولا يدرك الكثيرون أن الطوائف الدينية الإسلامية غير السنية تشكل أغلبيات في دول عدة، كالإباضية في عمان، والزيدية في اليمن، والإمامية في البحرين والعراق ولبنان؛ وأن بيننا إسماعيليون، وعلويون، وموحدون دروز، وإيزيديون، وشبك، وكاكائية، وصابئة مندائية، ويهود العالم العربي--ربانيين وقرائين--، وطوائف مسيحية شرقية: نسطورية ومونوفستية وأرثودوكسية، ووثنيون، ونوبيون، وآشوريون، وكرد، وأمازيغ، وغجر، وأرمن، وبلوش، وفارسيون، وأتراك، وجركس، وألبان، بل وأقلية إسرائيلية آخذة في التشكل. خلاصة القول: الأمة/الدولة اختراع غربي ينتمي إلى الماضي، ولا ينطبق بالضرورة على باقي العالم.
التفرقة بين المصرية الحضرية والعروبة البدوية ليست دقيقة بأي حال. لا يتفق معظم مؤيدي القومية المصرية مع ثقافة يصفونها بالوهابية/النفطية، التي تشكل الحياة الحديثة في دول النفط في الجزيرة صورتها النمطية. ويرجع هذا غالبا إلى جهل كبير بحياة وثقافة البداوة العربية، والتي أرى أنها لا تزال تعيش في سيناء وبادية فلسطين والشام. أؤمن أننا نعيش في عالم سياسي، وأن الحركة القومية المصرية في جزء منها رد على التطور الأخير في الجزيرة العربية. يبقى أن نذكر أن الدول المصرية المستقلة غالبا ما كانت تفرض أو تحاول فرض سلطة فعلية أو اسمية على الشام والجزيرة حظيت فيها الأقاليم، والدول/المدن، والوحدات القبلية المختلفة باستقلال إداري كالعادة، وهذه هي الوحدة السياسية الفضفاضة التي يمكن الحديث عنها تاريخيا.
أرى أن الأمة العربية تنتمي للمستقبل بدلا من الماضي، ولا تقتصر في تأسيسها لنفسها على عصر تاريخي معين، أو أسطورة لم توجد تاريخيا. الأمة العربية أصولها البعيدة أفرآسيوية واحدة، وهي حتى في هذه الوحدة ليست صماء كنموذج الشعب الغربي، فعلى أطراف العالم العربي جغرافيا--بل وفي قلبه جغرافيا وغير ذلك--يعيش معنا أناس من خلفيات مختلفة (يؤدي هذا الأصل المشترك إلى كيان سياسي يتعامل مع باقي العالم بشكل موحد). مرت على هذا الأصل فترات عديدة تركت كلها علاماتها إقليميا: الحضارات العربية القديمة والوسطى مثلا في الهلال الخصيب كالآشوريين، والبابليين، والكنعانيين، والآراميين، والنبطيين، والسريانيين (الذين أثرت لغتهم في العربية أكثر مما نتصور). ثم إن عرب الجزيرة كانت لهم لهجات وثقافات متعددة قبل أن يتم حصارها لصالح لغة وثقافة النخبة القرشية. وفي مصر، تشكل الحضارة المصرية القديمة، ثم البطلمية، والثقافة القبطية المهمشة الآن روافد هي الأخرى. وإن كان النعت بالعربية بدأ بالتخصيص لفئة أصغر، فإن دلالتها الآن تشمل معظم أو كل ما سبق، باعتبار أنها آخر الموجات حتى الآن وأقواها أثرا.
بإمكاننا أن نخلق حقائقنا بأن نتحدث عن "اللغات العربية" بدلا من "اللغات السامية"، خاصة أن العربية هي أقربها للسامية القديمة، وهي أكثرها انتشارا اليوم (يؤدي هذا الثراء المحلي إلى صيغة إدارية فضفاضة داخل الكيان السياسي الموحد. سمها فيدرالية). يبقى أن يقر من يرون أنفسهم ممثلين للصورة النمطية للفرد في البلاد العربية (الرجل المسلم السني المتحدث بالعربية الفصحى والمؤمن بالتاريخ الرسمي رغم سديميته) بوجود ثراء أكبر في المحيط العربي، وأن هذا الثراء هو عين الهوية العربية (يؤدي هذا الإقرار بحقوق باقي الأفراد إلى إيجاد صيغة جمعية للحكم في العالم العربي. سمها الديمقراطية).









دعني أوافقك
دعني أوافقك أوّلاً على أنّ:
١) العَيْش في الماضي لا معنى له، ولا فائدة
٢) لا يوجد حقّاً ما هو مصريُّ فرعونيّ وما هو عربيّ بدويّ، وكَوْننا استخدمنا مصطلحات مُشابهة في "راء وميم"، فقد كان ذلك من باب الأسئلة فاتحة الحوار لا الفرضيّات العلميّة؛ وقد حقّق السؤال هدفه بإثارة المناقشة.
٣) الهويّات تتحرّك باستمرار، وتتشكّل في تنظيمات جديدة
الآن دعني أعود للنقطة الأساسيّة. دَعْنا من المُسَمّيات ودقّتها، فالسؤال الرئيسيّ هنا هو:
ما هي أولويّات الهويّة لدى كلّ مصريّ؟
وما هي الأقطاب المختلفة التي تُحاوِل إعادة تشكيل هذه الأولويّات؟ ومن هم ذوو المصلحة في إعادة تشكيلها؟
هذا موضوع طويل يَصلُح لمكتوب جديد.. لكن دعني أطرح بعض الأمثلة والمواقف الفوازيريّة.
١) لو تحدّثنا عن هويّة عربيّة مُوَحَّدة مُوَحِّدة (على غرار: مافيش شمال ولا جنوب، حبّ مصر مالي القلوب؛ أو مصر وسوريا بلادي، إلخ..). ستطرح هذه الهويّة المُوَحّدة إشكاليّةً: ما الذي يجمع العرب ويميّزهم دون غيرهم؟ ستقفز اللغة العربيّة إلى المرتبة الأولى ثمّ سيأتي من يضع الإسلام-ديناً وثقافةً-في المرتبة الثانية وهكذا (تاريخ وجغرافيا ونحوي!)...
يعني هذا أنّني أتميّز مباشرةَ عن اليونانيّين والأتراك باللغة العربيّة والانتماء للعروبة.
لكن، في منظور الدولة الحديثة... هل النموذج المصري واليونانيّ مثلاً والتركيّ أقرب (ثقافةً، وعمقاً تاريخيّاً وتميّزاً في الطعام والشراب) إلى بعضهم البعض، أم النموذج السعوديّ العُمانيّ؟ ماذا عن جزر القمر؟ الصومال؟
٢) في داخل الأمّة العربيّة، من السهل جدّاً تمييز عدّة تجمّعات واضحة: المغرب العربيّ وليبيا (إن شئت إضافتها)، المشرق العربيّ (الشام والعراق)، ثم الجزيرة العربيّة. ووسط هؤلاء تأتي منظومة "وادي النيل" مصر وسودان.
هذه التقسيمة التاريخيّة لم تعُد صالحةً بما فيه الكفاية، فمن الواضح أنّ العراق والشام أكبر من مجرّد منظومة، ومن الواضح أنّ الصومال أقرب للسودان الآن (للطبيعة الأفريقيّة) وأنّ شمال السودان يقع وسطاً بين مصر وبين جنوبه (ولا أقصد بالطبع الجغرافيا).
فالتقسيم الأرجح سيفرز مصر والعراق فوراً ككُتَل مُستقلّة ثقافيّاً وحضاريّاً وتاريخيّاً
...وهكذا
لم يتعب الاستعمار في رسم حدود مصر كما تعب وتلاعب في رسم حدود بقيّة الأقطار، ومن هنا يخرج التميّز المصريّ بمكوّناته الأفريقيّة والمتوسطيّة.
مصر-في رأيي-هي أوّل حضارة غربيّة في التاريخ. تلاها الإغريق فالرومان فأوروپا. ثم صارت مصر مركزاً للحضارة الشرقيّة في ما بعد.
٣) كوني أبغي هويّةً مصريّة، لا ينفي المُكوِّن العربيّ الأساسيّ فيها بأيّ شكل من الأشكال. وهذه الهويّة ليست من باب الشوفينيّة، فلا أدّعي أنّ مصر أمّ الدنيا، ولا أنّها حبيبتي يا مصر. إنّها دولة وُلِدت فيها، وتربّيت على ثقافتها الغنيّة وشعبها الطيّب. واليوم مصر تطرح إعلاناً في الجرائد: مطلوب هويّة لأقدم هويّة! عجباً
٤) أطروحتك أيضاً تجعلني وإيّاك نتساءل: ماذا يحدُث حقّاً في مصر؟ أيّ انتماء تغذّيه الجهات المختلفة؟
عندما يصرخ المئات والآلاف احتجاجاً على ما يحدث للـ"مسلمين" في فلسطين، والـ"مسلمين" في العراق، يقعون في خطأين. الأوّل أنّهم يحوّلونا حروباً سياسيّة بين الكيان الصهيونيّ وسكّان الأرض العرب، أو بين القوى العُظمى ودولة العراق العربيّة/الكرديّة إلى قضايا دينيّة. فما المترتّب على ذلك:
١- سوف يشعُر المسيحيّون بالانعزال عن القضيّة. فقد صارت قضيّة إسلاميّة مع أنّها عربيّة.
ب- سوف يخاف المسيحيّون ويشعرون باللفظ من الجماعة الوطنيّة، فيبحثون عن التشعلُق في هويّة أخري. الهويّة المسيحيّة فضفاضة، لا سيّما أنّ العالم الغربيّ يعيش هذه الديانة بشكل هامشيّ (في الساحة السياسيّة) وأنّ النموذج الأصوليّ الأمريكيّ لا يُمكن أن يقبله أيّ وطني مخلص متحرّر من أوهام حنيّة أمريكا. الحلّ الوحيد لهذه الأقليّات المسيحيّة في مصر وفلسطين والعراق هو إمّا الهجرة للخارج أو الهجرة للداخل: أي الانعزال والعيش في هويّة وهميّة مصنوعة من عناصر في الماضي وعناصر غَيبيّة (هويّة تمزج التاريخ بما بعد الموت)
يتعقّد الأمر أكثر حين تتخذ الدولة ومنظرّوها وزبّانيّة الصحافة مواقفَ منحازة دائماً لمناصرة الدين في كلّ مكان (في الهند والسند والشيشان) مُعطيةً أهميّةً أقل لمناصرة جيراننا الجغرافيّين في أفريقيا الذين يُعانون مشاكل شتّى. أضف إلى ذلك-وقد مللتُ ذلك الموضوع بالفعل-برود الدولة والزبّانيّة تجاه أيّة حوادث قتل على الهويّة داخل الوطن في مقابل عزفهم سيمفونيّة الاضطهاد والردح حين تحدُث حوادث مثيلة في فلسطين أو الشيشان.
هناك خمسون نقطة أخرى في رأسي من المحال أن أكتبها.. يكفي هذا الآن
سمعت بوتفليقة
سمعت بوتفليقة مرة يقول في خطاب أعقب أحداث تيزي أوزو، أن الجزائر عربية ولغتها عربية "وهذه إرادة الله". ما يحدث مع الأكراد في سوريا والعراق وتركيا، ومع الجنوبيين في السودان، والأقباط في مصر، هو تكرار لنفس النهج
الغبي في فرض مظلة ثقافية على الجميع بزعم أن الاعتراف بخصوصيات الأقليات يقوي نزعة الانفصال والانعزال، بينما العكس هو الصحيح، كما أن ذوبان الأقليات ثقافيا ليس من مصلحة أي أمة.
مسألة مصريتنا أو عروبتنا لا زالت مغلقة عليّ، وإن كنت لا أرى طائلا من الإصرار على حسمها، ولكن أعتقد أن الأولوية الآن لمكافحة القبلية (انظر الصعيد) والعنصرية (انظر النوبيين) وأسلمة كل شيء في مصر، وتحول الكنيسة لوطن بديل لدى الأقباط.
حمُكشة.. هذا
حمُكشة.. هذا خروج مني عن النص.. لكنّني لا أستطيع صمتاً أمام المقال- لم أقرأ مقالاً بهذا الشكل (مقال جمال أسعد) منذ إغلاق جريدة الشعب! ما هذا المقال؟ ما رأيك فيه أوّلاً (أتكلّم على المنهج والأسلوب).
هي رسالة تحمل ثوب الرسالة الشخصيّة لكنّها مفتوحة، ولا تنتمي إلا إلى طائفة الردح ربع-المهذب ، خاصّةً مع وضعها في سياق كاتبها!!
الشعب؟! لا أفهم
الشعب؟! لا أفهم وجه اعتراضك حقيقة يا رامي! لا أعرف عن جمال أسعد أكثر من أنه: كاتب هذا المقال! فهل تراه ’قبطيا كارها لنفسه‘؟ على العموم، كل ما أردت الإشارة له من المقال هو خطر الأسلمة وتحول الأقباط من مواطنين في دولة إلى رعية كاهن، بطريقة "وشهد شاهد من أهلها".
حمُكشة، كان
حمُكشة، كان سؤالي إذا ما كُنتُ ترى المقال من باب الردح أم أنا الذي أشعر بهذا (ربّما لأنّني لست محايداً). الشعب؟ لم أقرأ منذ أيّام الشعب مقالات من طراز الرسالة المفتوحة التي تشير بالغمز واللمز وفرش الملاءة إلى أمور ربّما لا يدري القرّاء بتفاصيلها (فاكر لمّا فعلت هذا وذاك؟ كانت نواياك كذا وكذا... من ذلك ما قرأت في الشعب من رسائل لرئيس مصر كي يتّقي الله أو يتوب قبل أن يأتي أجله).
المهم.. عَوْدُ إلى القضيّة: نعم.. الأقباط منذ زمن اختار أغلبهم الانعزال والاهتمام بلقمة العيش والحياة في الآخرة. أمّا جمال أسعد فهو قصّة أخرى تابع بعضها في راء وميم :)
جئت إلى هنا
جئت إلى هنا بناء على دعوتك وان كان يبدو انه قد مر وقت طويل على أخر من مر من هنا، وأعتقد أن ذلك كان قبل أن أبدأ التدوين
:)
عموما لا مانع من الحديث هنا، حتى نفهم بعضنا بشكل أكثر وضوحاً
إن البحث في تاريخ الشعوب والقوميات هو شديد التعقيد ولاشك أنه قد حدث الكثير من الاختلاط بين كل شعوب الأرض وان وضع خطوط تاريخية هو موضوع شديد التعقيد (مثل الحديث عن الموالد الاسلامية وهل أصلها فاطمي ام فرعوني اتخذ صبغة فاطمية)
وان اعتمدنا القصة الدينية فان الرجوع إلى الواء لفترة أطول قليلا يوجدناأمام رجل واحد نشأ منه الجميع
لذا فاننا نقف عادة عند مراحل تاريخية معينة سواء حسب معلوماتنا أو قوة تأثيرها
لا أفضل أن أدخل الآن في موضوع الأصول الاثنيةوالاختلاط الذي حدث بين شعوب المنطقة، ومدى تأثير كل منه على مصر
وكذا لن أتحدث عن فكرة الدولة التي ظهرت من العصر الرومانسي
لن أدخل في كل ذلك ليس عن عدم اهتمام ولكن لأنني أفضل أن أقرأ التاريخ بطريقة مختلفة قليلا، طريقة شديدة الأنانية وتبعد تماما عن النظرات الرومانسية
لو نظرنا إلى دول العالم المختلفة لوجدنا أن قيام الدولة لا يعتمد بالضرورة على الوحدة الاثنية ولا الدينية ولا اللغوية ولا الجغرافية .... ولو بحثنا في كل الدول العالم فاننا لن نجد عنصرا واحدا يجب ان يكون مشتركا بشكل حتمي يمنع غيابه قيام الدولة أو استقرارها
أذكر عندما كنا ندرس في الجامعة أنني لم أفهم ما قرأته في أحد الكتب الدراسية أنه بعد انتهاء الحروب والصراعات الكبرى في العالم فانه تعاد رسم الخرائط!! لم أفهم ذلك كنت أعتبر ان خرائط العالم لابد أنها تعتمد على عناصر أكثر ثباتا، ولكنني لم أجد
(وما يحدث الآن ليس إلا إعادة لرسم هذه الخرائط وإعادة توزيع الأدوار بين دول العالم ومصر تخسر اللحظة التاريخية ولكن هذا موضوع أخر ليس مجاله هنا)
يمكننا أن نعيد قراءة التاريخ لنجد أن أغلب خرائط العالم قد فرضتها القوة العسكرية
لا أعتقد أن في ذلك مفاجأة ما
فالحدود كانت دائما تتشكل بعد الحروب بحسب ما تفرض القوة العسكرية للشعوب المتجاورة والمكاسب والخسائر الاقتصادية التي تعود من انضمام او انفصال أقاليم جغرافية عن أو إلى وطن أكبر
(أقرب مثال عملية ترسيم الحدود التي تمت الشهر الماضي بين السعودية واليمن حيث تم ضم أراضي وقبائل هنا وهناك بحسب اتفاق سياسي دخلت فيه عناصر اقتصادية واضحة ولم يتحدث أحد عن الأصول الاثنية لتلك القبائل)
يقال أن السياسة تقوم على ساقين هما الاقتصاد والقوة العسكرية
وتعتمد الدبلوماسية كثيرا على معلومات كل دولة عن الأخرى فالكثير من الخرائط تحسم على طاولة المفاوضات اذا كان هناك تفاوت واضح للقوة ودون الحاجة إلى صراعات حقيقية، وفي العديد من الدول تم تفريغ مناطق من سكانها الأصليين أو تغيير تركيبتها السكانية للتأثير على مجريات الأمور، ويعتمد كل ذلك على قدرة فئة على فرض سيطرتها (مثلا أثناء الاحتلال الايطالي لليبيا كانت الادارة الايطالية تقوم بقطع التيار الكهربائي عن القرى التي يسكنها مستوطنين ايطاليين بهدف زيادة التعداد السكاني للايطاليين :) ولكنهم لم يجدوا الوقت الكافي لاكمال مخططهم)
اذا راجعنا خرائط العالم وكيفية تشكيلها سنجد أنها مرت بمراحل تطور كثيرة جدا تبعا لاختلاف القوة الاقليمية
ومن الصعب الوقوف عند لحظات تاريخية محددة لنقول ان هذه هي اللحظة الصحيحة التي يجب ان نعود اليها او نقف عندها فكل تلك الأمور ليست من الثوابت في شئ
طبعا الشعوب لا تتعامل بهذا المنطق ولكنها تعتمد على الكثير من الأفكار الرومانسية التي يستخدمها أخرون لتحقيق مصالحهم ونظرا لأن العالم الحديث قد أصبح أكثر تأثرا بارادة الشعوب عن العصور السابقة فقد تدخلت تلك الأفكار في التأثير على مجريات الأمور بشكل أكبر مما سبق وأصبحت الذاكرة التاريخية للشعوب ذات تأثير كبير
دائما ما أعجبتني مقولة أورويل في رواية 1948 حينا قال: ان من يتحكم في الحاضر يتحكم في الماضي ومن يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل، الشعوب تتفاعل بحسب ذاكرتها أكثر من أي عنصر أخر، وأذكر صديقة انجليزية كبيرة في السن كانت تحكي عن والدها الذي اشترك في الحرب العالمية الثانية وتم أسره وسجن في ألمانيا مدة تزيد عن العامين ولكن على الرغم من ذلك فانه يقضي أجازته الصيفية كل عام في ألمانيا ولكنه لا يطيق الذهاب إلى فرنسا لأننا (حسب تعبيرها) نحن والفرنسيون لا نحب بعضنا
تستطيع بعض الدول مثل الدول الأوربية التي تعي مبدأ المصلحة والقدرة على التجريد بطريقة أفضل من شعوبنا أن تتخطى مثل تلك المشاعر وتقيم تحالفات قوية تعتمد على المصالح أكثر من الأفكار الرومانسية (وان كانت مشاعر الفرنسيين تجاه الانجليز كان لها دور كبير في رفض الدستور الأوربي)
ولكن ذلك ما كنت أعنيه عندما تحدثنا عن التضامن ضد اسرائيل، ان الكراهية الموجودة لدى الشعب المصري (وأعتقد باقي الشعوب العربية) يحركه أكثر مما يحركه أي شئ أخر وليس رفضا لمبدأ احتلال أو تضامن أو اقتناعا بعدم أحقية اليهود في دولة مستقلة ولكنها مشاعر عاطفية نتيجة تاريخ صراع وشحن نفسي لتحقيق مصالح أطراف كثيرة
نعم أنا أعتقد أنه على المدى القصير تستفيد مصر من الصراع الاسرائيلي مع حزب الله ولكن ليست هذه هي نظرتي للمدى الطويل ولا نظرتي الانسانية للأمور
أما اذا تحدثنا عن البعد الثقافي للشعوب فان ذلك أمر يختلف تماما، فالثقافة النوبية مثلا هي ثقافة مختلفة تماما عن ثقافة باقي سكان مصر والسودان وهي ثقافة ثرية من الممتع لنا أن نطلع عليها ونستفيد منها واختلافها لا يعني بالنسبة لي انها يجب ان تستقل واحساسي بقربي لأهالي المدن اللبنانية والسورية والفلسطينية ربما أكثر من قربي لبدو سيناء والفلاحين في القرى المصرية لا يعني انه يجب ان تتغير الخرائط تبعا لذلك
وأنا أميل كثيرا لفكرة أن الحضارات تستفيد دائما من بعضها وان الحضارة الانسانية ما هي الا نتاج تفاعلات الحضارات معا لذا فلا افهم كثيرا معنى صراع الحضارات
أعرف ان أفكاري ليست مرتبة جيدا فلا أعرف ان كنت قد استطعت أن أنقل لك موقفي مما نتحدث عنه أم لا؟
أما عن الانتماء وموضوع راء وميم الذي بدأت منه فلذلك حديث أخر
علِّق