"إحنا قاعدين هِنا مِستنيين المَايَّة"
عبده شفة، عمدة قسطل وأدندان، آخر قرى نوبة مصرهذه الكلمات الخمس، التي نطق بها عبدالمجيد "عبده" شفة بكل حزم وتصميم، تلخص الحياة في القسطل وأدندان، وهما القريتان الباقيتان من القرى النوبية الخمس والأربعين الأصلية. وبدقة أكثر، فإن حتى هاتين القريتين لم تسلما، فقد أنشئتا على ضفة البحيرة فوق الموقع الأصلي للقسطل وأدندان، على قمة التلال حيث كان يسكن المطاريد. وبالمقارنة بالقريتين الأصليتين، فإن ما رأيناه لا يصلح لوصفه "بالقرية" كما عرفها النوبيون.
وصل عبده شفة، وهو الآن في ستينيات عمره، مع المرحوم أبيه إلى القسطل عام 1978، بعد أن أخرجوا من بلادهم الغارقة. تقع القسطل وأدندان اليوم شرق بحيرة النوبة، وهما أكثر القرى المصرية تطرفا إلى الجنوب. فمن أدندان تصبح على بعد ثلاثين كيلومترا من الحدود المصرية/السودانية، ويمكنك مشاهدة أضواء وادي حلفا السودانية ليلا على بعد ستين كيلومترا.
شهدت الفترة 1963-1964 نقل النوبيين إلى بيوت "التهجير"، كما يسمونها. "لا نحس بالأمن في التهجير"، شرح لنا شفة، "فالأجيال الجديدة تأقلمت على بيئة لا تلائمها." شفة هو عمدة 35 عائلة مقسمة بين الوطن وأماكن أخرى بحثا عن العمل. لا تتلقى القسطل أي دعم إلا الذي يوفره لها أهلها، فهم يعيشون منذ 24 عاما بدون تعليم أو رعاية صحية، بل إن مولد الكهرباء الحالي مستعار من العبابدة الذين يسكنون قريبا، بعد أن خرب المولد الذي اشتروه.
حفيد عبده شفة: حفيد الرجل المتعلم الواعي هو هذا الصبي الذي لا يقرأ ولم يذهب إلى مدرسة في حياته"انظر إلينا. إننا نعيش كالبدائيين، ونعمل كأجراء يومية. إن الزراعة ليست آمنة إلا على مبعدة من الشاطئ، لأن مستوى البحيرة دائم التغير. ولا نملك المال اللازم لضخ الماء لأرض أعلى من أن تتأثر بحركة البحيرة." تعمل وزارة الزراعة منذ سنين في مشروع ملكية صغيرة، ولكنه يسير ببطء شديد بالمقارنة بمشروع توشكى الذي يدفعه كبار المستثمرين. يهدف المشروع في "الشرق" إلى إنشاء مجتمعات لشباب الخريجين القادمين من أنحاء مصر ليشترك أربعة منهم في زراعة عشرين فدانا من الأرض، بينما يعاني النوبيون في الجوار من الفقر، والجهل، والمرض، وهم أهل المكان.
يشعر النوبيون عموما بمرارة شديدة تجاه الفترة الناصرية، فهم يرون كل نوبي--والنوبيين فقط--ضحية للسد العالي. وهم يعيشون على هذا الشعور، ويزيدونه عمقا. "يعاني النوبيون منذ 1818". "نحن نعيش هجرة مستمرة"، وهذا ليس رأي شفة وحده. فقد ظهرت المرارة والأرض المفقودة في معظم الحوارات التي سمعتها. لا زلت أذكر محمد رمضان، الذي استضافنا في بيت أخته وصحبنا طوال رحلتنا، وهو ينظر إلى صفحة الماء محاولا رؤية نولوة، بلدته التي لم يعرفها، ويكاد يتذكر أشجار النخيل التي نطفو فوقها عائدين من الشرق إلى أبوسمبل الجميلة، ويقرأ الفاتحة عندما نبحر بالقرب من قمة تل أخبره أبوه أن أسلافه مدفونون في سفحه.
بإمكان المرء أن يرى حياة أكثر إشراقا على الشاطئ الغربي للبحيرة، في أبوسمبل الخضراء والقرى المحيطة بها: نولوة (البيضا بالنوبية لأن سكانها كانوا من "البيض")، والفراعنة الهادئة، والسلام، والسادات. يحظى أنور السادات، على عكس عبدالناصر، بشعبية كبيرة في النوبة، فهو منشئ مدينة أبوسمبل، وقد زار المنطقة ثلاث مرات.
سبب آخر لشعبية السادات هو أمه السودانية. يتعاطف النوبيون مع السودان، ويعتقدون أن النوبة الحقيقية في السودان. وبالرغم من التناقض الواضح، إلا أنهم يعتبرون أنفسهم الورثة الحقيقيين للمصريين القدماء. النوبيون أيضا فخورين بأنفسهم جدا جدا، لدرجة أن بعض ما يذكره هذا الشعب الطيب عن الإثنيات الأخرى في مصر، أو عن الأجانب، لا يمكن وصفه إلا بالعنصرية الفاقعة.
نشهد الآن موجة هجرة عكسية من كوم أمبو، ولكن النوبيون الجدد لم يعودوا صيادي أسماك أو مزاعي نخيل، ولم تعد حياتهم مرتبطة بالنيل كما كانت. إنهم ينتقلون إلى قرى جديدة بأسماء قديمة, ليسكنوا بجوار أبناء جيران آبائهم في النوبة القديمة. يعمل النوبيون اليوم في وظائف عصرية: كالسياحة، والتجارة، وخدمات أخرى، ولكنهم لا يزالوا يحنون إلى ماض يقبع في قاع البحيرة.









بصراحة لا أملك
بصراحة لا أملك إلا تحية حارة لأنك اقتربت من حقيقة لم أعرف بها، أنا النوبي، إلا من بضع سنين: أن ثمة نوبيين رفضوا الهجرة شمالا وبقوا في الأماكن التي لم تغرقها مياه البحيرة، وأنهم يعيشون كما قلت خارج التاريخ. منذ 3 سنوات تقريبا توجهت رحلة من مركز شباب أدندان الجديدة (المهجّرة) لما تبقى من بلدتهم وعندما عادوا كانوا يحكون بلا اكتراث عن أولئك "المجانين". تصورت أن الرحلة كانت بمبادرة من بعض الكبار المشتاقين، ولم أعرف أو أسأل عن إمكانية وصول سائح إليها. فهلا تكرمت بأن تحكي لي كيف كان ذلك؟
شكرا حمكشة. كنت
شكرا حمكشة. كنت أتطلع إلى قراءة تعليقك قبل أي زائر آخر. كما قلت، لم نكن بالضبط سائحين بل ضيوفا على أهل البلد. أما العبور للشرق فيتطلب تصريحا من المخابرات الحربية وحرس الحدود.
معك كل الحق. هناك الكثير الذي لا نعرفه عن أنفسنا. هل لي أن أطلب من إضافة بعض المدخلات عن النوبة--أو أي موضوع آخر--في ويكيبيديا العربية؟
ويكيبيديا؟
ويكيبيديا؟ شكرا لحسن ظنك بي! لم أتعرف عليها جيدا بعد، ولكني في سبيلي لذلك. مبدئيا هل النشر فيها مفتوح للكل؟ أم أن هذا يقع على عاتق محررين ذوي صلاحية؟ لنجرب، لم لا؟
خلاص..شفنا
خلاص..شفنا ويكيبديا، وعرفنا أن الكتابة: (1) بالتطوع، (2) معرضة للتعديل والإضافة بل والحذف دائما حسب دقتها وموضوعيتها (مش كده؟ ولا حسب مزاج المستخدمين كمان؟)
هل تتولي أنت أو ألف أي مهمة إشرافية في الموسوعة؟
مبدئيا سأحاول صياغة بعض مداخل في موضوعات سبق لي تحريرها، وأفرّجك، وأرحب جدا بأي تكليف إذا كنت عند حسن ظنك.
سألت عن الرحلة للقريتين الباقيتين، فوجدت أن الحصول على التصريح سهل، وأن الوسيلة الوحيدة عَبَّارة يومية (أو أسبوعية، لم يكن مُجيبي متأكدا) تصل في ساعة ونصف. اكتشفت أن صديقي الطبيب ذهب إلى هناك ولم يحك لي عن ذلك قط، بينما يُصدّعني بما يلاقيه في المواصلات والجيش والمستشفى، وصف ما شاهده بأنه ’الجنّة‘، هو إذا لم يفقد قدرته على الدهشة، ولكن الدهشة معقودة اللسان - من الدهشة طبعا! لم نعد نحكي إلا عما يثير الغثيان!
الموضوع ما فيهش
الموضوع ما فيهش أي "عند حسن ظنك"، أو أي "تكليف". ألف وأنا نضيف المقالات للموسوعة، ونساهم في النقاش على قدر الطاقة--والأمر يتطلب الكثير منها. دعنا نتابع النقاش هنا.
العبارة تبحر يوميا، إن كان هناك طلب كاف. الحصول على التصريح قد يكون سهلا، ولكني لا زلت أكره أن أسعى وراء تصريح لأجول في بلدي، في النوبة، أو سيناء. أكره أن أضطر لإثبات هويتي بدون داع تحت كوبري السيدة عائشة.
وأوافقك على
وأوافقك على إشارتك لعنصرية النوبيين وشوفينيتهم، في اللغة الفاديكية تسمية للأغيار بـ جوربتيا مثل ’غوييم‘ (الأميّين) العبرية و’الأعاجم‘ العربية، وإن لم يكن في الأمر أي نزعة اضطهاد أو كراهية، هو مجرد فخر قبلي بدائي، يتبادله حتى الكنوز والفاديكا (القسمان الرئيسان للنوبيين)، وستجد خصائص راسخة مثل الزواج من الداخل endogamy كأي أقلية إثنية.
’جوربتيّا‘ الك
’جوربتيّا‘
الكلمة لم تظهر جيدا أعلاه
لديك كل الحق يا
لديك كل الحق يا حمكشة في تقديم التحية "الحارة" لصاحب حوليات الأشجار. أنت إنسان متميز بالفعل! يبدو لي ذلك جليا في كل كلمة تكتبها كما تملك حسا أدبيا تحسد عليه!! رأيك في غاية الحيوية بالنسبة لمدون "مستجد" مثلي...
شكرا علاء.
شكرا علاء. أعرفك من قبل أن تصبح مدونا، وقد دافعنا سابقا عن وجهة نظر واحدة.
للأسف معلوماتي
للأسف معلوماتي عن النوبة أقل من ان توصف بالضآلة...
لم اقرأ عنها سوى في روايات ادريس علي ، و بعض الكتب عن السودان... اذا كان لدى حمكشة أو صاحب الأشجار حكايات أو معلومات فأتمنى ان لا يبخلا بها علينا...
شكرا صاحب
شكرا صاحب الاشجار عى المقال ! و حمكشة ...القصيدة الجميلة ! كنت افكر في النوبة -بلد ابي- مؤخرا بعد ان شاهدت فيلم NorthFork الذي يدور حول اخلاء قرية في امريكا لتفسح مكان للسد..
انا كبرت مع الحكايات الصامتة لتهجير النوبيين و احساسهم بخسارتهم لصالح "باقي" المصريين , لكن مؤخرا احساسي يزيد بان خسارة المصريين كانت ايضا كبيرة جدا! لانهم لم يكونوا مستعدين لهذا المشروع الضخم و نتائجه المباشرة و غير المباشرة (و هذه هي الاهم)!.
حاتم "كودودا"..لسة من غير مدونة!
انا احب الموقع
انا احب الموقع
والله حبيت هدا
والله حبيت هدا الموضوع الي بيحكي عن النوبة كثير ومشكور كل من قام بهذا العمل بس يارين كان فيه توضيح اكثر خصوصا الحكي عن التاريخ النوبي وتاثر النوبة بالاحداث التي تدور بالمنطقة وايضا تاثرها بالسياسة السائدة بالسودان و شكرا
الحق لله
الحق لله
علِّق