حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

عرب أم مصريون؟

أقرأ رامي ومحمدا على مدونتهم الجديدة "راء وميم"، وتعجبني نبرة وأسلوب الحديث. يرد كل منهما بالتتابع على سؤال طرحه الآخر، ثم يطرح سؤالا بدوره. المدونة موضوعها العلاقات بين المسيحيين والمسلمين في مصر، وكل منهما يعرض قدر جهل طائفته بالأخرى--وجدتني الآن أتوقف لأول مرة لأفكر أيهما المسلم وأيهما المسيحي: محمد ورامي! أنهى رامي دوره أمس بسؤال عن مسلمي مصر، وهل يعتبرون أنفسهم مصريين حاميين، أم عربا ساميين. نفس الموضوع تعرضت له في ذات الوقت قائمة بريدية معظم أعضائها من المصريين، وغير المصريين المقيمين في البلد. ظهر تصنيف سامي/حامي في القرن التاسع عشر، وهو وقت كان العلم فيه يؤكد حقائق الرجل الأبيض--التي يصفها الغرب اليوم بالعنصرية. ترى كيف ينظر إلى حقائقنا من يعيش بعدنا بقرن من الزمن؟--تشترك اللغات المصرية القديمة، والأمازيغية (البربرية) مع العربية، والكنعانية، والآرامية (وهي لغات تسمى أيضا "باللغات العربية"، لأنها أكثرها انتشارا اليوم، أو "اللغات الجَزْرِيَّة"، نسبة إلى جزيرة العرب حيث نشأت) في خصائص تضعها في عائلة لغوية، هي الأفرآسيوية، مقابل عائلات لغوية كبيرة أخرى، وأقربها إلينا الهندأوروبية، التي تغطى السنسكريتية، والفارسية، والإغريقية، واللاتينية، والألمانية، والإنجليزية، والفرنسية... وأتذكر من حكى عن أحد كتب قواعد المصرية القديمة التي يحاول فيها المؤلف الغربي وصف تلك اللاحقة الغريبة التي تميز جنس الاسم المؤنث، والتي تنطق تاء، وهي بالضبط تاء التأنيث التي يعرفها كل من درس العربية. أو كيف أن اللغة المصرية القديمة لا تميز فقط بين المفرد والجمع، بل توجد فيها أيضا حالة المثنى. تتميز اللغات الأفرآسيوية بأن الكلمات المتقابلة فيها قد يتبدل فيها ترتيب الحروف الأصلية في الجذر، ف"حنش" العربية تقابل "نحش" العبرية التوراتية. خذ مثلا اسم المدينة المصرية دمنهور. الاسم في المصرية القديمة--لاحظ أنني لا أفضل لفظة "الفرعونية" لأنها تركز على شخص الملك، ولدلالتها السلبية في الديانات التوحيدية الثلاث--هو دَمَنْ حُرْ، أي "مدينة حُرْ" ("مدن حر"، بدون الزيادات). و"حُرْ" هو الاسم المصري لما يعرف بالإغريقية بالإله حورس الصقر، وهو أيضا اسم من أسماء الصقر في العربية. [img_assist|nid=115|title=رأس مطرقة وسكين من قبل التاريخ، القارة، 90كم جنوب الواحات البحرية|desc=|link=node|align=left|width=200|height=94][img_assist|nid=112|title=نقوش من قبل التاريخ، القارة، 90كم جنوب الواحات البحرية|desc=الصورة لحسام مصطفى|link=node|align=left|width=200|height=150] زرت بداية هذا العام كهفا يقع في الصحراء على بعد 90 كيلومترا جنوبا من الواحات البحرية. بالإضافة إلى الصواعد والهوابط التي تكونت عبر ملايين السنين، وجدت نقوشا على الحجر لمن سكنوا المكان منذ عشرة آلاف عام أو يزيد: رسوما لبقر وحشي، وغزلان، ونعام، وحيوانات أخرى. صعدت إلى سطح الأرض لأخبر ألف باكتشافي، فوجدته يناولني مبتسما سكينا حجرية من قبل التاريخ. فنظرت حولي لأرى عشرات الآلات الحجرية، بعضها كامل والآخر كسر أثناء نحته: سكاكين، ومكاشط لسلخ جلود الطرائد، ورأس بلطة، ورؤوس سهام. مضى وقت على هذا المكان كانت فيه الأمطار أكثر لتسمح بنمو حياة نباتية تعيش عليها حيوانات برية كبيرة، ويعيش عليها أصحاب ورشة المعدات هذه. يتلقى وادي النيل منذ آلاف السنين موجات من البدو الباحثين عن سبل حياة أفضل. هبط أولهم إلى الوادي قبل التاريخ وعملوا فيه بالهندسة إلى أن أعادوا تشكيله بالكامل، واستمروا في استقبال الهجرات من صحراوات الشرق والغرب: أمازيغ، وهكسوس، وعرب مطلع الإسلام، والتغريبة الهلالية... ولا يزال استقرار العرب حول الحضر على جانبي الوادي وفي الشرقية ووادي النطرون مستمرا إلى اليوم: الموجات متتالية والاتجاه واحد. لا أحب تصنيف "المنطقة" إلى "شرق أوسط" و"شمال أفريقيا". المصطلحات تصنع الحقائق.

صاحب الأشجار،

صاحب الأشجار، شُكراً على هذه المعلومات وهذا التفصيل.

في الحقيقة أنا أيضاً لا أقتنع بالفصل المُطلق بين الأجناس ولا بتسمية المصرّيّين القدماء بالفراعنة، وحتّى لفظ "أقباط" لا أحب الإفراط في استخدامه. لكنّني عامّةً مضطرّ لإدراج هذه المصطلحات، فمن فرط ما كنتُ أستدرك وأستطرد وأستخدم الهوامش في كتاباتي الأولى، شكا القرّاء من الضياع والإطالة.

أوافق أنّ كلمتَيٌ "سامي" و"حامي" هما من التراث التوراتي الذي يرى العالم كلّه متسلسلاً من أبناء نوح الثلاثة. وأوافق أنّ الامتزاج بين عرب الجزيرة وحضر وادي النيل كان مستمرّاً، إلى جانب اختلاط الصعايدة بالنوبيين والليبيين، واختلاط وجه بحري بالهكسوس والإغريق والأتراك وغيرهم. بعض المنياويّين لديهم عيون زرق وخضر ويقسمون أنّهم صعايدة ولاد صعايدة.

لكن الأنثروبولوجيين أيضاً يجمعون على أنّ هناك سمات عرقيّة لمصريي الوادي، بالذات فرعين لوجه بحري ووجه قبلي (بما لهم من أنف مميّز وقامة تميل إلى القصر وقفص صدري ذي سمات خاصّة)

أنا شخصيّاً إن حلقت رأسي سأجد الرأس القبيح نفسه لنقوش العصر الإخناتوني، وأعرف أكثر من صديق وجوههم أيقونات قبطيّة :)

سأضيف تنويهاً في السؤال عن استخدامي مصطلحات غير علميّة؛ لكن هكذا تكون الأسئلة: تعميميّة فلكلوريّة

عندما أعود إلى مصر، خذوني معكم في رحلاتكم العجيبة.

بالمناسبة أعرف راهبين يسوعيين في الفجّالة يعشقان الآثار ويخرجان في رحلات كتلك. أحدهما أثريّ محترف إلى جانب كونه راهباً

أيضاً. منذ أن

أيضاً. منذ أن قدمت إلى الولايات المتّحدة، وأنا أحبّ أن أنتهز كلّ فرصة للدعاية لأنّ العرب أيضاً ساميين، وهم -بحسب التقليد والميثولوجيا- أقرب أقارب اليهود الأصليين.

a's picture

العرب ليسوا فقط

العرب ليسوا فقط أقرباء العبرانيين (فرق بين اليهود والعبرانيين)، بل إن العرب هم أيضا من ذاب فيهم العبرانيين، والسريان، ومعظم الشعوب القديمة التي سكنت الشام.

أدرك أن علم الإناسة يرى المصريين من أكثر الشعوب تجانسا، وأن الفارق بين شمال وجنوب مصر لا يكاد يظهر في خصائص كنسبة عرض الجمجمة إلى ارتفاعها. ولكني أعرف أيضا، كما ذكرت أنت، أنه من غير المفيد أن تدفع نظرية عرقية بأخرى. أفضل أن يختار المرء هويته بدون أن يزور الحقائق لذلك (وهذه الأخيرة ليست عن مسيحيي مصر طبعا).

أنت بس تعال مصر.

وبعدين بقى!! معك

وبعدين بقى!! معك كلّ الحقّ، العبرانيّون يسبقون اليهود بكثير، إضافةً بالطبع إلى أنّ يهود اليوم ليسوا عِرقاً متجانساً بأيّ شكل أو أيّ تعريف للأعراق.

المهم... أريد أن أضيف أنّ كون اللغات المصريّة القديمة والعبريّة القديمة والحديثة والعربيّة والآراميّة إلخ... متجانسة لا يعني انحدار متحدثيها من سلالة واحدة. أغلب الظنّ أنّ اللغات الساميّة انحدرت جميعاً بشكل ما من لغة المصريّين القدماء، لا سيّما أنّ الغزاة أتوا دوماً من الشرق ليقضّوا مضاجع المزارعين مواطني "مقبرة الغزاة".

(طبعاً أنت على دراية ببعض المزاعم شبه المهلوسة حول أنّ اللغة المصريّة هي التي انحدرت من العبريّة القديمة، والتي ما زال البعض يظنّونها لغة آدم أبي البشر).

تعجبني أحياناً نظريّات المقارنة بين طباع الرعاة وطباع المزارعين، المزارعون الحضريّون المركزيّون يبتكرون الحضارات والرعاة الديناميّون الرحّل ينقلونها وأحياناً ينسبونها لأنفسهم.

يبدو أنّ الخلق جميعاً قد يقعون في أربعة زكائب: الرعاة الجامعون، المزارعون ، التجّار المبحرون، والمحاربون القراصنة. بكلّ أمّة مزيج وأمازيج من هؤلاء.

بالمناسبة، هذه فتوى لا أساس لها من العلم :)

a's picture

تعليقك يجعلني

تعليقك يجعلني أفكر في العلاقة بين اللغات والإثنيات. الحقيقة، فتواك فيها شيء من العلم. اقرأ كتابا عن نظرية الثقافة أو ترجمته العربية في سلسلة عالم المعرفة.

أعتقد أن العرق

أعتقد أن العرق أو العنصر الإثني كأحد مصادر الهوية لا ينطبق على المجتمع المصري ولا يليق بنا كمصريين أن نأخذه في الاعتبار.
لماذا هذا المصدر لا ينطبق علينا كمصريين؟
لأن الحديث عنه ينفي أساسيات المجتمع المصري ويتعارض مع التاريخ والجغرافيا. ذلك لأن المجتمع المصري منذ نشأته من بضعة آلاف من السنين هو مجتمع قروي، أي يعرِّف نفسه نسبة إلى أرضه ومحل إقامته، وهو بذلك لا يتـّفق من عدد من المجتمعات الأخرى القبلية التي تعرِّف نفسها نسبة إلى الانتماء العائلي أو العنصري. إلى الآن عندما يتقابل مصريان من الأرياف في القطار يعرِّف كلٌ منهم نفسه للآخر باسمه وبالقرية التي يأتي منها، وعندما تقابل مصري في بلد آخر وتريد التعرُّف به تسأله: "منين في مصر؟". إذا قارننا أنفسنا بجيراننا الذين لديهم العرق مصدر هام من مصادر الهوية سنفهم الفرق: المشكلة الكائنة في إقليم دارفور وتلك في جنوب السودان التي تم التوقيع مؤخرًا على اتفاقيات السلام بشأنها هما مشكلتان عرقيتان بين من يرون أنفسهم أنهم عرب ومن يرون أنفسهم أنهم زنوج، والمشكلة في المغرب العربي هي أيضًا مشكلة عرقية بين من يرون أنفسهم أنم من الأمازيغ و من يرون أنفسهم أنهم عرب. هذين المثلين في السودان والمغرب العربي لهما معنى في سياق هذه البلدان لأن المجتمع السوداني ومجتمعات المغرب العربي هي مجتمعات ذات ثقافة وتراث قبلي. أما نحن فوضعنا مختلف إذ أن المصري ليس سليل لقبيلة معينة بل هو سليل هذه الأرض وهذا النهر، وهو يعلم أنه لا ينتمي لسلالة نقية لأنه، مثله مثل جميع الشعوب العريقة، تعرِّض للاختلاط بشعوب أخرى فتزاوج وأنجب منها. جاء الهكسوس والإغريق والرومان والعرب في شكل جيوش وجاء أيضًا أفارقة وبربر وعبرانيون وشوام وأوروبيون وأرمن وغيرهم خلال عصور التاريخ المختلفة، ثم رحل منهم من رحل وبقى منهم من بقى فاختلط وذاب في المصريين. ذلك لأن أي من هؤلاء لم يجئ بأعداد كبيرة تكفي لأن تمحو التركيب الجيني للمصريين لتحل محله جينات أجنبية بل كان عددهم قليل يسمح بالكاد بأن يغيِّر بعض الجينات لبعض الأفراد التي سرعان ما تذوب في التركيب الجيني للأجيال المتتابعة فلا تعد مصدر للتفرقة إذ أننا لا نعد نستطيع أن نقول من ابن من! في رأيي إن ذلك من دواعي فخرنا لأنه دليل على عراقة شعبنا وقوته التاريخية لأنه لديه قدرة على إدماج الآخرين فيه دون أن يشكـِّل هذا أي تهديد لهويته. في المقابل فإن الحديث عن العرق يجعلنا نرجع إلى الوراء آلاف السنين وكأننا لم نفهم عمق وقوة حضارتنا المصرية.
واستنادًا على ذلك فإننا عندما نقول أننا عرب فإن ذلك ليس معناه أنها هوية مستمدة من عرق عربي ولا أن لنا جد مشترك من شبه الجزيرة العربية، بل يعني ذلك أننا كمصريين ننتمي للمجموعة البشرية ذات الثقافة واللغة العربية. وعلى ذلك أرى أنه يجب علينا أن نرفض فكرة من يستنكرون أن المصريين عرب مستندين على أفكار عنصرية وعرقية، ومن يريدون تأسيس أحزاب سياسية مبنية على تلك الأفكار، لأن ذلك لا يتماشى مع عراقة شعبنا. بالمثل فإن بعض الأقباط يحاولون أن يستخدموا مثل هذه الأفكار ليقولوا أنهم هم وحدهم المصريون الخالصون وأن المصريين المسلمين هم عرب أو على الأقل خليط به عنصر عربي، وبذلك يتناسى هؤلاء أنه لا يوجد مصري خالص مائة بالمائة وإن وجد فهو لا يستطيع أن يثبت أو ينفي ذلك عنه.
على فكرة، أنا لم أعي بالأفكار التي ذكرتها عن الشعب المصري إلا عندما حضرت إلى فرنسا، وأنا أدين بفهمي لهذه الأمور للمناقشات مع صديق أسباني من كاتالونيا ذو انتماء إقليمي قوي (مثل غالبية الكاتالان) ومع أصدقاء جزائريين من منطقة القبائل. أما المناقشات التي دائمًا ما تستفزّني فهي التي دارت ومازالت تدور مع أصدقاء من غرب أفريقيا الفرانكوفونية حيث يتعلمون في دروس الجغرافيا أن منطقة أفريقيا شمال الصحراء اسمها "أفريقيا البيضاء" (جوجل الفرنسي يشير لذلك بوضوح بعكس الإنجليزي) ويتعلـّمون في دروس التاريخ أن الحضارة الفرعونية هي حضارة زنجية استنادًا على نظريات الباحث السنغالي المشهور "شيخ أنتا ديوب" وتلميذه الكونغولي "تيوفيل أوبنجا" وهي نظريات عند قراءتها رأيت أنها مبنية على حجج مقبولة لتؤدي إلى نتائج غير مقبولة الهدف منها سياسي وليس علمي.

اتقوا الله

اتقوا الله فيما تقولون المصريين ليسو عرب اقصد المصريين الاصليين الفراعنه ابدا الحضارة التي كانت ومازالت اعظم حضارة عرفها البشر لم ولن تكون للعرب لاتكونا كالاسرائييليين وايضا لايمنع التزاوج من العرب او غيرهم ان يكونوا من ابناء حام ! وانصح الاخوان من المصريين الحاليين ان لاينسبو اصل المصريين للعرب فهذا منافي للتاريخ حتى وان كان هناك تزاوج بينهم لان التاريخ يفرض نفسه وايضا كان التزاوج من جميع الشعوب من الاتراك (الهكسوس) والعرب والحبش والافراقة والروموغيرهم الكثير لاينافي احقيت المصريين القدماء بتاريخهم اتقوا الله ولا تنسبوهم لعربكم