حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

سيداتي سادتي، نحن نسبح في فضاء

Month of سبتمبر, 2006

الطاقة النووية إجابة خاطئة

استجابة الحكومة لدعوة جمال مبارك لبرنامج سلمي للطاقة النووية، والترحيب الأمريكي بالخطة المصرية خطأ يكلف مصر فرصة سانحة لتحسين وضعها في سوق الطاقة بعد ذروة النفط. الطاقة النووية تظل خطرة، وملوثة، ومكلفة، وغير متجددة.

إن التكاليف الكاملة للطاقة النووية تجعلها غير كفء اقتصاديا. تبني المفاعلات على افتراض أن تكاليف إنشائها الباهظة، والتي تتطلب تركيزا هائلا لرأس المال (2,000 دولار/ك.واط في مفاعلات الماء الخفيف. أي 2-3 مليار دولار لمفاعل بطاقة 1,000 ميجاواط) ستعادلها التكلفة المنخفضة نسبيا لتشغيل المفاعل وصيانته لاحقا، وذلك بالمقارنة بتكاليف توليد الطاقة من الوقود الأحفوري (الفحم والنفط والغاز الطبيعي). إلا أن الخبرة تدل على خطأ هذا الافتراض، ناهيك عن التكاليف الباهظة للتعامل مع النفايات النووية، وتكاليف تفكيك المفاعلات، وصعوبة تقدير تكاليف حادث نووي واحد.

يزداد موقف الطاقة النووية سوءا إذا ما أخذنا كل البدائل في الحسبان. بالمقارنة بالطاقة النووية، فالطاقة المتجددة هي فعلا مورد غير محدود، ولا يرتبط بالضرورة بمركزية الإنتاج والتوزيع (المحطات الحرارية، والسدود العملاقة، والمفاعلات النووية، وشبكات التوزيع غير الفعالة). تتيح الطاقة المتجددة حلولا يسهل تطبيقها في المناطق النائية والمتخلفة، ولا تشكل أي تهديد بيئي أو أمني، ولا تركز السلطة في يد دولة تستعمل الطاقة كوسيلة للسيطرة.

قارن بطاقة الرياح مثلا، وهي أسرع مصادر الطاقة نموا في العالم. طاقة الرياح أرخص كثيرا من الطاقة النووية. يكلف الكيلوواط.ساعة 7 سنتات في المفاعل الجديد، و6-8 في طواحين الهواء في المناطق ضعيفة الهواء بالتقنيات الحالية، وهي تكلفة تنخفض بازدياد الكفاءة باثنين إلى ثلاثة في المئة سنويا، بينما تنخفض التكلفة إلى 4 سنت/كيلوواط.ساعة في ساحل الزعفرانة في صحراء مصر الشرقية. تبلغ سرعة الرياح في الزعفرانة 10-11 مترا في الثانية، مما يجعله أفضل موقع لتوليد الطاقة من الرياح في العالم.

إن زيادة عرض الطاقة النووية في سوق الطاقة تعني خصما من الاستثمار في حلول حقيقة للطلب المتزايد على الطاقة، كالطاقة النظيفة المتجددة، وزيادة كفاءة استهلاك الطاقة.

تتطلب الطاقة النووية دعما حكوميا غير منظور، من أراض مجانية، وتكاليف البناء، وتكاليف التشغيل والصيانة غير المتعلقة بالوقود. هناك أيضا تكاليف التأمين الهائلة. بذات الاستثمار، تولد الرياح كهرباء أكثر، وتوفر وظائف أكثر. يمكن لطاحونة هواء واحدة من الحجم الكبير أن تولد طاقة تكفي 5,000 منزلا. في السنين الأخيرة، أدخلت 6,000 ميجاواط سوق الطاقة الأوربي مولدة من الرياح، أي ما يوازي إنتاج مفاعلين أو ثلاثة كبار. بينما لم يبنى إلا مفاعل واحد في أوربا في الأعوام الستة الماضية، ولن يدخل المفاعل القادم طور التشغيل إلا بعد خمسة أعوام من الآن. أحدث مفاعل في أمريكا بني في العام 1978. بالإضافة، فإن الطاقة النووية ليست مصدرا متجددا، فهي تحتاج اليورانيوم النادر كوقود لمفاعلاتها. إذا استبدلنا كل الوقود الأحفوري المستخدم اليوم بالطاقة النووية، فإن العالم سينضب من اليورانيوم بعد أربع سنوات. الطاقة النووية ستظل مصدرا ثانويا.

بعد خمسين سنة من الفشل في ذيلها، وألوف من الضحايا، لا تقدم لنا الطاقة النووية أي حلول لمشاكلها الأساسية. هي استثمار سييء، وخطر على الجميع. الحكمة تقتضي أن نرفض الطاقة النووية لصالح الطاقات المتجددة، وزيادة كفاءة استهلاك الطاقة.


سقارة

"أنا بقى لي خمسة و ثلاثين سنة باحاول أنزل هنا، وأنا دارس للمصريات. انت حظك كويس إنك جيت معي."

وجه لي عبد الغفار شديد الكلام ونحن صعود من أسفل البئر الجنوبي في مجمع سقارة، ثلاثين مترا تحت الأرض. كنا قد أمضينا النهار كله نصور في مواقع مصرية قديمة. زيارة المصريات مع من يفهم ما حوله تضفي معان عميقة كثيرة على آثار المصريين.

عبد الغفار شديد وحسام غربية في المقبرة الجنوبية بسقارةعبد الغفار شديد وحسام غربية في المقبرة الجنوبية بسقارة

خذ مثلا الأبواب التي تدلف منها داخلا خارجا. هل تعرف أنها تجريد للمنظر الطبيعي بالخارج؟ وهل تعلم أن تقاليد العمارة المصرية القديمة--ككل شيء في تلك الحضارة--استمرت آلاف السنين في تجريد مستمر دون أن تفقد رمزيتها؟ في نظر المصري، كل بيت هو رمز للمأوى الأول الذي عاش فيه جدوده: بابه هو السماء التي ترتحل فيها عين حورس بين الشرق والغرب، جانبي الباب. الأرض هي العتب الذي يقف عليه، وسقفه درع الحيوان الذي احتمى تحته المصري الأول. دائما تجد الرمز والطقس: في الخبز والنبيذ؛ في البذر والحصد؛ في الحرب والصيد. كلها طقوس حياة.

مخطط لمجمع سقارة

شرح لي شديد، وهو أيضا أستاذ في تاريخ الفن، أنه يرى مصر في العالم الآخر ممثلة بأكملها في مجمع سقارة الذي بناه إمحتب: المجمع، وهو أقدم صرح تذكاري مبني بالحجر في التاريخ، له خمسة عشر برجا بأربعة عشر بابا مزيفا تحميه من عماء العالم الخارجي، وباب وحيد للدخول في الركن الجنوبي الشرقي. المقبرتين الشمالية والجنوبية ترمزان للمقابر الملكية في أبيدوس وفي الدلتا، مركزي عبادة الملك. الفناء الجنوبي بين المقبرتين والناحية الشرقية هو مصر في عالم الأحياء، بينما يرمز الحائط الغربي لعالم الأموات. الطبقات الاجتماعية الست في مصر(الفلاحين، والحرفيين، والموظفين، وموظفي البلاط، والعائلة الملكية، ثم الملك) تمثلها مصاطب الهرم المدرج الذي يصعد بقمته، أي زوسر نفسه المدفون في المقبرة أسفل الهرم، نحو السماء.

هرم سقارة من الناحية الجنوبيةهرم سقارة من الناحية الجنوبية

حالة المقبرة الشمالية تحت الهرم لا تسمح بالزيارة، أما الجنوبية فعهدة مفتش في الآثار مختومة بالشمع. بغرض الزيارة، كسر الختم وفتح الجنود الباب، ولم نذكر نحن الزوار في المحضر الرسمي، إلا أن ذلك كله لم يمنع من سرقة المقبرة كاملة حتى جدرانها. الجدران كانت مغطاة بشقفات من الخزف الواحدة في حجم الإصبعين يغطيها طلاء زجاجي من أزرق الفيروز، وفي ظهرها عروة. تخيط كل ستة من هؤلاء في ثقوب مقابلة في الجدار بأمعاء الحيوانات. أو أن هذا ما كان قبل أن تمتد إليه الأيدي.

سقارة كلها مدينة أموات منف: أطول عاصمة في تاريخ مصر منذ أسسها مينا الموحد--وحتى 1300 قبل المسيح عندما نقلت العاصمة جنوبا إلى طيبة--وأكبر حواضر العالم وقت كمالها، حين كانت مركز عبادة بتاح، وظلت ثاني أكبر مدن مصر من بعد الإسكندرية حتى بنيت الفسطاط. يعمم جمال حمدان أن مصر الموحدة استقرت بعد حركة بندول العاصمة ذلك في موضع تفرع النيل حيث حكمت الدولة لألف وثمانمائة عام قبل أن تنتقل العاصمة رسميا إلى طيبة--وإن ظلت البلد تدار من منف لتطرف طيبة--قبل أن تتنقل في الدولة الحديثة بين حواضر الدلتا في الشمال، لتحكم مصر من الإسكندرية حوالي الألف عام لتعود نهاية في محيط منف.

تذكرت هذا كله عندما احتفل الكثيرون بنقل تمثال رمسيس، فتمشية لطيفة من سقارة إلى المريوطية تمر ببلدة صغيرة اسمها ميت رهينة. سكانها لا بد يتجاوزون الثلاثين ألفا الذين سكنوا منف، وبيوتهم تغطي نصف معبد هائل مجد فيه بتاح لألوف السنوات، بينما يغرق النصف الثاني من المعبد في بركة من الصرف. اتنشل تمثال رمسيس من هذا المعبد، ولا تزال المياه تذيب قاعدته والجزء الأسفل من قدميه.

صورة مومياء رمسيس الثاني

عندما تنظر إلى آثار المصريين، لا ترى المعابد والمسلات والأهرامات عارية إلا من لون صفار الرمال والحجر، فهذا فقط فعل الزمن.