حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

سيداتي سادتي، نحن نسبح في فضاء

Month of أغسطس, 2005

دِير الَّدرْب لَو دَارت

على مبعدة مائتي مترا شمال نقطة على طريق القاهرة-السويس الحالي، بنى عباس باشا الأول (1813-1854) بن طوسون بن محمد على الكبير قصرا ليعيش فيه بعيدا عن حياة المدينة، أو في طريقه إلى سيناء، حيث كان يهوى السير في الدروب. بحثت في كتاب تاريخ الصف الثالث الإعدادي عن معلومات، لكني لم أجد سوى أنه تلى جده وسبق عمه سعيد باشا في الولاية. أما كتب التاريخ التي كتبت بتكليف من فروع ابراهيم باشا من الأسرة العلوية، فلا تذكر إلا أنه قوض إعمار الدولة التي بناها محمد علي: أغلق المدارس، وأبطل المصانع، وسحب الامتيازات من الأوربيين، وأنقص الجيش إلى تسعة آلاف، ونشر العيون في البلاد ضد سعيد؛ إلا أن عباس أنشأ كذلك أول خط سكك حديدية في مصر، وأعتق الفلاحين، وبدأ إصلاح مقام السيدة زينب. كان شديد الانطوائية، وأيضا شديد الشغف بالفروسية، حتى أن مخطوطاته التي تأصل للخيول العربية لا تزال من المراجع الهامة. لا تزال العباسية الثكنة العسكرية التي أنشأها.

عباس باشاصحارىسفاري

ذهبت الأسبوع الماضي مع أصدقاء من صحارىسفاري للمشي في إقليم الجبال العليا بسيناء. توقعت أن أقابل مدونة هناك، وحدث. ثم اكتشفت أنني أسير بجانب أخرى، وأنني أعرفها من قبل، بل وأن ثالثة خططت للمجيء ولم تستطع. بدأنا من مكتب سفريات الملقى في كاترينة، وصعدنا ثم درنا حول رَاس جْبَال حتى وصلنا إلى الْقَلْتِ الأزرق. المنطقة كلها (بل ومصر من وادي النيل وشرق ذلك) نظام معقد من الوديان يصب فيه الأعلى في الأخفض، أو كما يقول العرب، يَكُّتُ فيها الماء. تذوب الثلوج من قمم الجبال العالية وتكت المياه فوق وتحت سطح الأرض حتى تصل إلى قمع كبير وسط الجبال لا تجف منه المياه شديدة البرودة طوال العام. هذا القمع هو القلت الأزرق. صعودا من هناك، مررنا بفرش اِمْ سِلاَّ. الفرش هو الأرض المفتوحة الحصباء. توقفنا برهة لنبني شيئا بالحجر كما اعتاد أن يفعل المارة.


أهل الشرق وأهل الغرب، يفك عنك كل كرب

بعد زيارة لعرض مستوحى من الزار في مكان أحمد المغربي، أتيحت لي الفرصة أن أرى شيئا أقرب للحقيقة. قابلنا محمد "حَنَّصْ" أبو طالب--لأنه أسمر كالشيء المحمص--في أحد الشوارع القريبة من الباطنية، ورافقنا إلى الغرفة التي يقام فيها زار الليلة في الدرب الأحمر.

الليلة حارة رطبة، والغرفة زرقاء على جدرانها وسادات وصُفَّات. تتعلق على الجدران وترتكن عليها أدوات موسيقية: طنبورة، ودهلة، ومزاهر، وصاجات، ومنقور، وغيرها. المنقور حزام به الكثير من قرون الماعز وأظفارها، يلبسه الرجل على وسطه، ويهزه في إيقاع صوته مزيج بين هدير أمواج البحر وخبط الأغصان المعلقة التي يحركها الهواء. بإمكان لاعبه المتمرس إصدار درجتين من الأصوات--ما تقابلان نقرة شديدة أو عادية على الطبول--بل وثلاثيات أيضا. تتدلى من السقف مروحة تهتز لتبقي على الإيقاع عندما تسكت الطبول.

السيدات يعرفن بعضهن جيدا، ويمزحن عن عدم جدوى الأطباء: أساور الذهب تغطي نصف الذراعين، والنقود التي تجيب تبخير الكوديا في بداية الطقس ليست بالقليلة. الكوديا أو الشيخة ذات حضور طاغ. تفصل بين كل دورين بمديح النبي وآل بيته، وتراقب رد فعل النساء. كل دور من هؤلاء لها روح معينة تقوم كل سيدة بالرقص عند سماع دورها، بينما تحيط الباقيات بها خاصة إن كانت سمينة كي لا تسقط، وهؤلاء السمينات بالذات يجدن الرقص العنيف. يعرض الجميع الماء والحلوى في ذلك الجو الخانق. حتى باحثة علوم الإناسة الأوربية شديدة التمصر تقدم لنا العنب: "مغسول في بيتنا". أكدت لي الزيارات السابقة أن غالبية المصريات يغطين شعورهن، وإن لم يكن محجبات. فالطبيعي في تجمع كالزار هو أن تخلع النساء غطيان الرأس (في وجود رجال أقارب وأجانب)، وأن لا يمانعن في تقبيل الجميع تحية.


في حافلات بريطانيا، اجلس ناحية اليسار

رسالة نصية قصيرة توقظني من نومي. تعلمني نورا يونس أن قنبلة انفجرت في شرم الشيخ، ثلاث قنابل، وأنها تتحضر للذهاب إلى هناك للمساعدة في تغطية الحادث. اليوم يوم الثورة. ترحل هي في السادسة، وأنا في الثامنة. أفكر في الطائرة أن الضيافة وتوقيتات شغل الركاب بالوجبات والمرطبات المقدمة هي الأسلوب الأجدى لمقاومة الخوف من الأماكن المغلقة، والقيود التي يعانيها مئات الركاب.

وصلتني تذكرة السفر بالبريد الإلكتروني، وبناء على توقيت وصولها إلى هيثرو، اشتريت تذكرة حافلة تصل مبنى الركاب ذاته بعد ساعتين (استغرقها الأمر أكثر من ذلك في الواقع). تأخذني الحافلة إلى لِسْتِرْ، لأنتظر حافلة أخرى لساعتين أخريين أصل بها إلى لَفْبَرَهْ. دفعت ثمن التذكرة عبر إنترنت، وطبعتها من منزلي.

وسط كل هذه الحقول لم أملك إلا أن أفكر في دوائر المحاصيل التي قد توجد على الطريق، وفي السبب الذي يجعلها أشهر في بريطانيا من أي مكان آخر. لم أملك أيضا إلا الابتسام وأنا أراقب الأبقار السعيدة التي تعبر الطريق من حقل إلى آخر على جسور علوية مخصصة لها. طرق السفر في بريطانيا ثلاث درجات: تعود الطرق أ إلى وقت كانت تطرقها الحافلات التي تجرها الخيول بين المدن والبلدات، وهي لا تختلف عن الطرق ب إلا في الكم الذي تتلقاه من مرور، بينما تتميز عنها الطرق م بحد سرعة أعلى (يصل إلى سبعين ميلا)، وبحارات ثلاث في كل اتجاه، بالإضافة إلى حارة إضافية للتوقف الطارئ، وتقاطعات حرة مع كل الطرق، ومحاور علوية تمر بالمدن والبلدات. يصف دليل المتشعبطين في المجرة المحاور العلوية بأنها "أدوات تسمح لبعض الناس بالقيادة من النقطة أ إلى النقطة ب بسرعة جدا، بينما يسرع البعض الآخر جدا من النقطة ب إلى النقطة أ. يحار الناس القاطنين في النقطة ج، وهي نقطة تقع مباشرة في الوسط، في ما الرائع في النقطة أ الذي يجعل عديدا من ناس النقطة ب راغبين بشدة في الذهاب إليها، وما الرائع في النقطة ب الذي يجعل عديدا من ناس النقطة أ راغبين في الذهاب إليها. وغالبا ما يتمنون أن يقرر الناس نهائيا المكان الذي يرغبون في التواجد فيه."