Month of يونيو, 2005
جماهير أمن الدولة وجماهير الأمن المركزي
أحاول أن أصور مناوشات الأمن مع علاء على ناصية وزارة العدل في ميدان لاظ أوغلي. المكان يزداد ازدحاما. ألوم نفسي على اهتزاز يداي، فأنا لا أجيد التصوير بتلك الكاميرات الخفيفة. يلتفت إلى رجل أطول مني وأعرض؛ شعره أبيض؛ ويرتدي بذلة صيفية لونها بني فاتح.
"انت دست على رجلي ليه!"
لم أكن رفعت قدمي. لكن المكان مزدحم، ولا بد أنه أخطأ. أجيب كطبيعتي لأنهي نقاشا مثل هذا: "لأ ماحصلش. وإن كان، فيا سيدي أنا آسف". يلتفت ثانية، ويبدأ في دفعي والشكوى من أنه "مواطن عاد"، وفجأة يمسك بي باقي المواطنين العاديين من حولي ويدفعونني غربا نحو مجلس الشعب، ويلكم أحدهم معدتي في الطريق.
تلاحظني منال. أسلم الكاميرا إليها. ألمح محمدا يلتقط الصور، وأكمل القهقهرة إلى أن يتركونني فأعود. يعودون هم أيضا عندما أبدأ في لفت الانتباه إلى أن أخي يدفع نحو الشرق. أثبت صياحي على أني "عاوز أمشي من الشارع ده"، أملا في أن يسمعني البعض. أنجح في لفت انتباه علاء ومحمد مرة أخرى، ونعود أربعتنا إلى الميدان.
أجلس في الحصار وسط الميدان أتلصص على من يقرأ صحيفة العربي بجانبي، وأفكر في إيجابيات اليوم: هذه أول مرة يبادئني فيها جنود الأمن المركزي بالابتسام. كانوا ينظرون إلى الأرض خجلا من لومي لهم على ضربهم أولاد بلدهم، ثم يرفعون نظرهم إلي عندما أخبرهم أنني لن أستطيع تخطيهم لأخاطب الناس في الشارع إلا إذا فتحوا لي: "واحنا مش ممكن نضربكم أبدا".
أبو خليل لطفي
أذكره في الثمانينيات في الكويت كأكبر عجوز من أصدقاء أبي، وفي التسعينيات في مصر، وقد صار أصغر مما كان. ولد في حي القلعة عام 1920، أي أنه أصغر من جدي الذي كان صديقه أيضا.
أما لوحته شارع شبرا رقم 2، التي لم أعرف أنها له إلا بعد سنين، فقد نظرت إليها مرات كثيرة أوقات العصر، حين ينام الجميع. كنت أتسلق طاولة الطعام السوداء ضعيفة الأرجل، وأتحسس ضربات فرشاته، ثم أحاول تقليدها لاحقا في كراساتي، بلا جدوى.
اليوم أنشأت له صفحة على ويكيبيديا العربية.
"أنا بياع. هات اليافطة دي، وامسك حاجة تانية"
أقيلوا العادلي: نورا يونس في مظاهرة السيدة زينب
تنوعت الاعتراضات على مظاهرة البارحة في ميدان السيدة زينب ما بين شرك، وتخلف، وإقصاء للمسيحيين، وخلط الديني بالسياسي بما ينفر فريقا ولا يجذب آخرا.
أسعدني أن أرى في ميدان السيدة من دفع بأن إعلان المظاهرة ينفر فريقا من المتعاطفين مع حركة التغيير، ولا يجذب آخرا، لأن البسطاء والصوفية ومحبي آل البيت لن ينضموا. أسعدني أكثر أن أول من كلمني في تمام السادسة بائع جائل رآني أحمل لافتة مكتوب عليها "الداخلية بتقولك: بلدية!"، أي تلك السيارة التي تطارد الباعة الجائلين في شوارع المدن. سألني:
"إنت بياع؟". رددت عليه بالنفي.
"طب أنا بياع. هات اليافطة دي، وامسك حاجة تانية."
معظم من وصلني اعتراضهم على أن خطاب المظاهرة يقصي مسيحيي مصر كانوا من المسلمين. أما المسيحيين الذين تحدثت إليهم، ومنهم من حضر المظاهرة لأول مرة، فهم لا يمانعون على الصياغة أو الحدث، إدراكا منهم للمعنى وراء الرمز. علقت إحدى صديقاتي الأرثودكسيات أن ما يمنعها من الذهاب ليست السيدة زينب، بل أسباب أخرى قد تكون قلة الاهتمام، أو اعتقاد أن لا فائدة، وهي على العموم إذا حضرت مظاهرة كهذه فكل ما ترغبه هو أن لا تغطي شعرها.
ينجح خطاب المعارضة الجديدة في اجتذاب فئات من المصريين المنتمين لمختلف الطبقات نظرا لأن الحراك الاجتماعي السريع في مصر لا يلاحقه بنفس السرعة تغير مفاهيم من يصعدون وينزلون السلم الاجتماعي. يبقى أن نجرب أنواعا مختلفة من الخطاب قد توافق أو لا توافق باقي الفئات غير المسيسة (ليس بإمكاننا إلا التجريب، فلا أحد يعرف بأساليب المسح والإحصاء رأي المصريين).
يحتاج المثقفون المصريون، ومنهم من اعترض على "كنس السيدة" كطقس شعبي، بغض النظر عن مدى علاقته بالمظاهرة، إلى الوصول إلى فئات أكبر من الشعب إن أرادوا العمل معهم على إحداث أي تغيير. لن يتم ذلك في نظري إلا باستبطان المثقفين فعلا أن باستخدامهم خطابا يختلف عن خطابهم، فهم يعجلون بنهاية أطرهم المعرفية (المتأسسة على فلسفة الحضارة الغربية التي آمل أن لا أشترك معها في غير الاسم)، إيذانا ببدء أطر معرفية جديدة أكثر إيجابا وإنسانية، يقومون هم ببنائها مستندين على تراث طويل، ناظرين إلى ملهمتهم الحضارة الغربية بشكل أكثر شمولا وقدرة على التفسير.
الشرك هو أن لا يجوز طلب المدد إلا من الله. ركز أصحاب هذا الرأي على شيء غير الهدف المعلن: التظاهر في ميدان السيدة المزدحم احتجاجا على النظام. لا زلت واقفا أفكر أمام دعوى الشرك. ما يمكنني المحاجاة به الآن هو أن الدعاة الدينيين، وهم صفوة تماما كباقي المثقفين، عليهم أن يجدوا الخطاب الذي لا ينفر الناس منهم، هذا إن أرادوا أن يقبل باقي المثقفين الخطاب الإسلامي الجديد المتبني للمواطنة والديمقراطية: المعنى كله في التأويل.
ما قرأته من نقاش وتغطية صحافية حول مظاهرة السيدة زادت قناعتي أنها نجحت تماما في إثارة الطبقات العليا في المجتمع والفئات المسيسة للتفكير في أنواع الخطاب الذي ينبغي عليهم أن يتوجهوا بها لباقي المصريين من الأقل حظا اجتماعيا، أو من المهمشين سياسيا أو دينيا. لا يزال هناك ما يمكن تحسينه في المرات القادمة: تنسيق أكبر مع الحركات الأكثر استقرارا، واستعداد أكبر من تلك الحركات لتبني أي نشاط يبدأه أفراد معدودون؛ أساليب أكثر ابتكارا واثارة بصريا؛ هتافات تتناول رجالا يراهم عامة المصريون كأعداء: فتحي سرور في حي السيدة، أوضابط الشرطة المتعسف بدلا من حسني مبارك وجورج بوش. تابعت مقابلة مصورة مع فتاة من فتيات السيدة ربطت بين مبارك والظلم المباشر الواقع عليها: "صوتي وصوت الناس غير صوت مبارك"، إلا أن ليس الجميع بهذا القدر من النباهة.
أما عني، فأنا لم أحس في أي من المظاهرات القليلة التي حضرتها إلا بمرور وقتي، فهناك الكثير من الأشياء الأخرى التي أقوم بها أفضل، لكن لا بد مما ليس منه بد. ساهمت مظاهرة الأمس في تأكيد كفاية، والحملة الشعبية من أجل التغيير، وحركات أخرى، على الاستمرار في التظاهر كل يوم أربعاء. الأربعاء القادم في دوران شبرا: يا أهل شبرا يا وحدة.
تعالوا نكنس عليهم السيدة
مطالب المصريين ردا على اعتداءات يوم الاستفتاء 25 مايو 2005 لا تزال قائمة: إقالة وزير الداخلية، ومحاكمة مدير أمن القاهرة ولواءات وضباط الشرطة المتواطئين مع مرتكبي التحرشات الجنسية والضرب الذين أصابا المصريين المتظاهرين بسلام، بتنسيق بين الداخلية المصرية والحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. إن استخدام العنف مع المواطنين المصريين أو التهديد به أصبح أسلوبا ثابتا في تعامل السلطات مع حقوق حركة التغيير المصرية، ومع حقوق بسطاء الناس من غير الناشطين، والمهتمين فقط بقوت يومهم وأقل مساحة من حرية التعبير.
يتجمع المصريون يوم الأربعاء 15 يونيو 2005 من الساعة السادسة إلى الثامنة مساء في ميدان السيدة زينب تعبيرا عن إصرارهم على حق المصريين في أن يأمنوا في بلدهم، والذي لن يتم مع وجود قيادات الداخلية الحالية في مناصبها. اعتاد المصريون في أوقات الشدة البحث عن الجانب الروحي فيهم سعيا للمدد، ومن ذلك لجوء القاهريين إلى كنس باب السيدة زينب والدعوة على الظالم، وتمني رفع الظلم والفاقة.
تعالوا نستلهم تراثنا، ونحتفل بذكرى مصطفى النحاس. استمرارا لتحركات المصريين كل يوم أربعاء، تعالوا نكنس عليهم السيدة. تعالوا نقيد الشموع. الأربعاء 15 يونيو 2005، من السادسة إلى الثامنة مساء.
نرجو احترام المكان. قد ترغب السيدات في إحضار غطاء رأس لدخول المسجد.
الشارع لنا
التفت إلى الجالسين في الصف من يميني لأجد بنت كفاية تبتسم لي. اسمها دنيا. سمعت عن الشارع لنا أثناء مظاهرة الشموع، وحضرت وحدها. ترتدي دنيا ذات الشيء: ثوب قماشي طويل يغطيها من رأسها لقدميها. هو حجاب وأكمام وفستان معا.
الشارع لنا كانت فرصتي الأولى لأرى أول خبرة ديمقراطية الدعوة فيها عامة. كان بإمكان أي شخص أن يطلب الكلمة. تحدثت المعتدى عليهن عن خبراتهن، وكذلك نساء أخريات من العريش، والمنصورة، ومن قرى في الغربية والبحيرة. قمة الحديث بالنسبة لي كانت قصة عن امرأة فلسطينية عانت وهي تسحب ابنها الصبي في شوارع القاهرة. الولد معتاد على قذف السيارات المصفحة بالحجارة.

بنت كفاية
يؤذن للمغرب ونحن ثلاثة نعبر الحاجز إلى المظاهرة.
الوجوه عشرات منها أصبح مألوفا، والكثير منها ربطتها بأسماء عرفتها من قبل. أجلس على ركبتاي لأتحدث مع صبية في التاسعة أو العاشرة وجدت نفسها تبيع المناديل في مكان المظاهرة، وانتهت تحمل الشموع وملصقات كفاية، وتصغي في دهشة إلى جموع المغنين. أعطيتها شمعة من معي، فابتسمت. وبعد دقائق وجدتها وقد أغرتها إحداهن أن تبيعها الشمعة التي تبدو أنها تقاوم الرياح. تحمل شمعة أكبر غير مشتعلة. أجلس على ركبتاي ثانية لأشعل الشمعة. تنظر إلي الصبية وكأنني من غير البلد: "انتوا تعرفوا الكبريت؟" يا حلوة، كل الناس يعرفون الكبريت.
نخرج من المظاهرة مع أذان العشاء.
جيل إم.إس.إكس
أثارت تدوينة لألف نقاشا على غرفة دردشة إيجيلج، مجموعة مستخدمي لينكس في مصر، وهم طليعة من يعربون البرامج. انتقل النقاش من خيار الكتابة بلغات غير عربية في مدونة عربية، إلى استخدام أبجدية لاتينية في الكتابة بالعربية لأن هذا هو المعيار السائد لأنه معيار سائد على إنترنت، إلى تبرير ظهور استخدام حروف غير عربية بأن كل التقنيات لم تسمح وقتها (وهي تسمح اليوم، بفضل المتطوعين)، إلى أنه لا مانع: فأصحاب لغات أخرى يستخدمون أساليب تصويت باللاتينية، فما المانع مع العربية؟ ثم بدأ وصف مشجعي استخدام العربية بالفاشية، فهم خائفون ومهددون في ثقافتهم، وأن الناس في النهاية أحرار. وهم فعلا كذلك. عليهم فقط أن يقدموا دفاعا أن كتابة العربية بأبجدية بديلة هو الأفضل. إلا أن ما حدث بالزعم أن العربية (وليس المتحدثين بها) أقل إنتاجية مقارنة بالإنجليزية أو حتى العبرية، وبما أن العربية لا تفي بكل الاحتياجات التقنية كالانجليزية، فمن المبرر استخدام أبجدية الأخيرة في كتابة الأولى. انتهى النقاش بأنني حالم، وأن الأفضل لي أن أعود إلى تعريب البرامج.
انتهى النقاش، ووجدتني أأسف على كم المحتوى العربي المكتوب باللاتينية في المنتديات وغيرها، والذي لا يصل إليه الباحثون لأنهم لا يعرفون معيارا لهذا المعيار، وعلى العدد المتناقص للغات التي تستخدم الأبجدية العربية. ثم تذكرت صخر.
كشفت راسي واتجهت
يا ام العواجز
يا بنت بنت النبي
شاكي لكي همي
في يوم أربع حزين
في يوم أربع يتيم
ستاشر ربيع تان
ولادك انداسوا
بناتك اتلمسوا
في قاهرة مولاي
ح نقيد لكم شمعة
يا سعدي من دمعة
ترجع لنا رابعة
تطلق صراخ الشعب
أول طريقي صعب
أرجع في يوم أربع
أكنس عليكو الباب
يا ست يا طاهرة
دول ظالمين أحباب
يعود لهم في عينهم وعافيتهم
يا رب
قادر يا كريم

شكرا علاء على الفكرة













أحدث التعليقات
منذ يومين 7 ساعات
منذ 4 أيام 4 ساعات
منذ 4 أيام 4 ساعات
منذ 5 أيام 9 ساعات
منذ 5 أيام 12 ساعة
منذ 6 أيام 5 ساعات
منذ أسبوع واحد يوم واحد
منذ أسبوع واحد 3 أيام
منذ أسبوعين ساعة واحدة
منذ أسبوعين 6 أيام