Month of فبراير, 2005
الأمير الصغير

بعد عقود من اليوم، سيرى الناس فؤاد حداد كأول من كتب باللغة التي ستتحدث بها يوما ما أمة عربية لا تزال في طور التشكيل--وإن كانت مختلفة عن القومية بالمفهوم الغربي. حداد نفسه من أول أفراد هذه الأمة الجديدة، فقد ولد في حي الضاهر بالقاهرة لأب بروتستانتي ولد بدوره فيما أصبح لاحقا لبنان، وأم مصرية من أصول سورية من الطائفة الكاثوليكية. تعجبت جدته منه طفلا مصرا على أن يجيبها بالعربية حين تحدثه بالفرنسية. واختار دينه إسلاما هو--في نظري--أقرب لدين الأغلبية الفقيرة منا. لغة حداد ليست الفصحى التي يجيدها بشكل لم أقرأ له إلا مثيلا أو اثنين.
انتهيت من نسخ مخطوط لفؤاد حداد أعاد فيه قصة الأمير الصغير لأنطوان ديسانإكزوبيري في صيغة شعرية عربية. وجدتني أحافظ على قواعده اللغوية الخاصة التي لا أفهمها جيدا، وإن كنت أدرك أنها عن قصد: الهاء والتاء المربوطة؛ الألف والهمزة؛ الياء والألف المقصورة؛ الترقيم؛ ربط الكلمات وفصلها.
إمسح دموعك يا أميرى الصغير
فضفض لى عن نفسك بأحلى الكلام
وقول لى ازاى الورده نبتت من بذره حملتها للكوكب رياح الليالى من مكان مجهول
عد اللانهاية
طالعت اليوم صورتي، ثم الخرزات، وتذكرت ما كتبته منذ زمن بعيد عما حدث من أبعد:
أثار فضولي معرفة أن الأعداد لا نهائية. كيف يمكن لأي أحد أن يتأكد من أنه لا يوجد عدد نهائي؟ كنت وقتها فرغت من الصف الأول، وكان زملائي ذوي السنين الستة يعدون حتى العشرة، بينما لم أكن أجد صعوبة في الوصول للمائة، بل حتى تخطيها. إذا كان أحدهم يستطيع القيام بالمهمة فلا بد أنه أنا.
وهكذا ببساطة، أمضيت شطرا كبيرا من العطلة في العد: من الواحد وحتى الوصول إلى نتيجة، عدة ساعات كل يوم. كنت، مسلحا بمفهوم المراتب العددية ومهارتي في وضع العدد المنطوق على الورق، أدون العدد الذي أصل إليه قبل نومي حتى لا أبدأ من البداية كل صباح. وزاد من صعوبة المهمة أن الورقة كانت تختفي أحيانا، وخاصة عندما يكون العدد عليها كبيرا. عندها كان ينبغي إعادة الكرة.
لاحظ أبي بعد فترة إخلاصي الشديد للعملية، ووجدته يوما عائدا من العمل حاملا شيئا فيه عدد من العصيان الخشبية بداخل كل منها تسع خرزات ملونة. شرح لي كيف أن هذا الشيء الذي دعاه "معدادا" يمكن أن يساعدني في الإسراع بعملية العد. كنت وقتها في مرتبة عشرات الألوف، مما جعل نطق الأعداد عملا مضنيا. وهكذا، أصبح من الممكن أن أعد 65,924 في أقل من ثانية، بالإضافة إلى أن العثور على المعداد كل صباح أضمن من العثور على الورقة. كل ما علي هو أن أضعه في مكان آمن وهادئ حتى لا يعبث به أحد.
أصبحت المهمة أسهل كثيرا لدرجة أن الإمكانيات الجديدة أغرتني بالتخلي عن نطق العدد والاكتفاء بتحريك شفتاي مع كل خرزة. بل إن حتى التمتمة تضيع الوقت. أنهيت المراتب الستة للمعداد في غضون أسبوع خجلا من السهولة التي أصبحت الأمور تتم بها، حتى ظننت أنني محتال. بدا لي وقتها أن العدد تسعمائة وتسعة وتسعين ألفا وتسعمائة وتسعة وتسعين ضخم إلى أبعد حد.
كنت أعرف أن هناك المليون، ولكني توقفت عن متابعة العد بنفس البساطة التي بها بدأت.
منظمة العفو الدولية

توفي منذ أيام بيتر بننسون، المحامي البريطاني، ومؤسس منظمة العفو الدولية. تنشط المنظمة للإفراج عن سجناء الرأي، وإلغاء عقوبة الإعدام، والتعذيب. ويعمل أعضائها--1.8 مليون فرد--في حالات في غير بلادهم.
أولى علاقاتي مع المنظمة--التي لا يوجد لها تمثيل في مصر إلى اليوم--بدأت عندما التقطت مطوية لها من جناح أحد المكتبات في معرض الكتاب في الكويت، وسألت أبي عنها. كنت يومها في التاسعة. من ذات الجناح سرقت كتابا لا زلت أحتفظ به.

وأين هي قطر؟
قرص دواء من أيرلندا
نبيذ من الأرجنتين
مضيفات من شرق آسيا
الطعام إيطالي المذاق
هندية تجلس بجانبي
والطائرة وجهتها قطر
هذا حال السفر. فكيف حال البلد؟
كمعظم زوار الأعمال، لم أجد فرصة أن أرى منه إلا الفندق والطريق إليه من خلف زجاج الحافلة--التي لم تحفل إلا بي أنا والسائق الهندي الذي يناديني بـ"سير"، هو وطبقة الخدم الهنود والآسيويين كلها. رأيت أيضا من نافذة غرفتي بيوتا مسقوفة كلها بالقرميد.
الفندق "عالمي"، وهذا معناه أن يحدثني العرب بالإنجليزية. النزلاء أوربيون وأمريكيون، والضيوف خليجيون، والعمال طبعا من باقي آسيا.
الفندق "عالمي"، وهذا معن مخفف: الطعام الياباني يعده التايلانديون، والطعام الفرنسي يعده الأفريقيون.
بدت القاهرة ليلة أمس مليئة بالحياة والإمكانيات.
أعود كارها بعد أيام.
بَدَأَتْ موسيقاي ببيتهوفن
جلست ذات سبت منذ بضعة أعوام أعلى الصالة وصممت أذناي كي أشاهد تاسعة بيتهوفن بدون أن أسمعها، واستعضت عن السمع بما في ذاكرتي. لم أركز على أي تفاصيل، بل ثبت نظري على نقطة بين الفيولا والكمان. أدهشتني موجات تتحرك من اليسار النحيف إلى اليمين الغليظ في الوتريات، يقطعها أفراد يقفون معاكسين في النحاسيات والخشبيات هنا وهناك. واخترق صممي عازف الطبل الكبير وهو يستعيد طلقات المدافع التي لعبت الموسيقى في الليلة الأولى لعرض التاسعة كما أخبرني أبي طفلا. الحركة الثانية هي أول ما أحببت من موسيقى.
أدهشت نفسي أكثر نازلا السلم إلى باب الخروج، ففي هذه التجربة لم أكن واعيا أن بيتهوفن فقد سمعه تماما قبل تمام تأليف الكورالية. كنت أحلم طفلا أنني أصم لأرى العالم أوضح، وأبعد.
بركة
على خلفية من موسيقى دِد كان دانس ومايكل ستيرنز، تمر أمامك مشاهد متقطعة وأخرى مسرّعة من فلم تتيه فيه لا تتابعه: كلنا نعبد السر ونعمل في عالم مليء بالأصوات، والألوان، والأشكال، والحركة.
بدأ المشروع من كتاب لمارك ماجدسون، الذي تعاون مع رون فيلكه في تصويره بكاميرا من مقاس 70 ملمترا في أربع وعشرين بلدا على القارات الست.

اضغط على الصورة لترى عرضا لبعض ما جاء بالفلم.
صوت الأذان مختلف في سيوة
شالي سيوة: الصورة لرندة الشريف
برج بابل: بيتر بروجل الأكبر
ظل أهل سيوة يزرعون نخيل البلح، ثم صاروا يزرعون الزيتون أيضا: في سيوة اليوم 300,000 نخلة و70,000 زيتونة. يركب الرجال منهم الدراجات، أما النساء فتجلسن في عربات تجرها الحمير يقودها رجل او صبي. لم أر إلا أربع نساء راجلات، وواحدة سافرة الوجه حمراؤه كوجوه معظم الأمازيغ. عشرة من أحد عشر قبيلة تسكن أحد عشر قرية في سيوة من الأمازيغ، وهم يتحدثون العربية كلغة ثانية، على عكس القبيلة الحادية عشر العربية أو المستعربة. يبلغ أهل سيوة في مجموعهم 22,000 نسمة، منهم أصحاب بشرة أفريقية سوداء وأنف أفريقي أفطس، وشعر أفريقي أجعد. ولا يزال بإمكانك زيارة جبل دكرور، المسمى على اسم منطقة ووادي تكرور في السنجال التي لا بد أن قدم منها بعض أهل الواحة، وكل من اسمه دكروري. يقام في دكرور "احتفال السياحة" الذي يستمر أياما ثلاثة آخرها بدر الشهر القمري الذي يوافق أكتوبر، موسم حصاد البلح.
خوفا من غارات العربان، تحصن أهل سيوة منذ القرن الثالث عشر الميلادي في عمارات ضخمة اسمها "شالي" (مدينة بالأمازيغية) بنوها من القورشيف، وهو "طين طفلي رملي صحراوي عالي الملوحة". لكل حصن من هؤلاء باب واحد يغلق عند المغيب ولا يفتح إلا مع فجر اليوم التالي. يجد المرء الآن ثلاث أطلال: شالي سيوة المؤسس عام 1203 والمهجور منذ الأمطار الغزيرة عام 1926، عدا البيوت القريبة من الأرض؛ وشالي أغورمي (القرية التي زار الإسكندر معبدها الشهير عام 331 قبل الميلاد. أقيم المعبد في القرن السابع قبل الميلاد)؛ وشالي "قارة" المهجور منذ ربع القرن فقط. قارة (أم الصغير) هي أبعد قرى سيوة وأصغرها، بل هي أقرب إلى حافة القَطَّارِة (أضخم المنخفضات الهوائية في العالم، وفيه ثالث أخفض نقطة في اليابس) والوحيدة التي تقع داخل المحمية الطبيعية، والتي لا يزيد سكانها ولا ينقصون عن ثلاثمائة وبضع نفس. لم تسجل أي شالي كأثر إلى الآن. يذكرني المشهد بلوحة بيتر بروجل الأكبر برج بابل.
تحول السيويون إلى المسيحية مع نفي الروم الأقباط المونوفستيين إلى الصحراء. لم ينجح موسى بن نصير أو طارق بن زياد في غزو الواحة، ولم يتحول السيويون إلى الإسلام إلا بعد ذلك بقرون. أصبحت سيوة جزءا من الدولة المصرية لأول مرة عصر الأسرة المصرية السادسة والعشرين، وظلت تزورها جيوش محمد علي مرة بعد أخرى 1819-1829 إلى أن قصمت المقاومة السنوسية. دخلت مصنعا عسكريا تنسج فيه فتيات سيوة سجادا لا علاقة له بتراثهن، ويمكنك شرائه من أي مكان داخل مصر أو خارجها: حلقة أخرى في تنميط المصريين. لم يصل للواحة طريق أسفلتي إلا عام 1986 ليربطها بمطروح، ويتم الآن العمل على طريق سيوة/البحرية، الذي يختصر الرحلة من القاهرة مائتي كيلومترا.
سيوة نصف منخفض يشترك مع واحة الجغبوب على الجانب الآخر من الحدود المصرية-الليبية في حوض واحد. يجد القادم من الشمال نفسه يهبط الهضبة إلى المنخفض بلا مقدمات، الذي هو أيضا منخفض من منخفضات، يعرف كل منها بالحِطِيَّة. على طريق العودة، رأيت هضبة مرمريكا (وتعريبها مريوط) التي تمتد شمال سيوة وجنوب الساحل الشمالي الغربي وقد تلقت هذا العام أمطارا كثيرة كست الاستبس بخضرة ذات كثافة لم يسبق أن شهدتها هناك.
فتحي سلامة
[img_assist|nid=135|title=فتحي سلامة|desc=صورة مسروقة من [[http://fathysalama.com|موقعه]]|link=node|align=left|width=400|height=260]
تفتقر الموسيقى العربية عموما--والمصرية خصوصا--إلى العمق. وهذه هي النقطة التي يتميز فيها فتحي سلامة، فهو يرتل موسيقاه طبقة فوق طبقة: من إيقاعات عدة والباص الغليظ الذي نفتقر إليه بشدة--والذي بدونه تتسطح موسقيانا--وصولا إلى تناغم بين الأصوات الواضحة وغير الواضحة لآلات العزف المنفرد في المقدمة، وهي عندنا فعلا بلا قاعدة تستند إليها.
تابعت بعد انتصاف ليلة اليوم، جالسا على أرضية خشبية لغرفة عارية من الأثاث جوائز جرامي، التي حصل فيها ألبوم السنجالي يَسّو نْدُور "مصر" على جائزة أفضل ألبوم موسيقي من أفريقيا. شاركني فتحي سلامة الجلوس على خشب الغرفة، وانتظر معي وأصدقاء آخرين تآليفه التي غنى عليها يسو وهي تفوز بأكبر جائزة موسيقية. يغني يسو بلغة الولوف المنتشرين على ساحل غرب أفريقيا عن الإسلام وصوفية السنجال.












أحدث التعليقات
منذ يومين 5 ساعات
منذ 4 أيام ساعتين
منذ 4 أيام ساعتين
منذ 5 أيام 6 ساعات
منذ 5 أيام 10 ساعات
منذ 6 أيام ساعتين
منذ أسبوع واحد 21 ساعة
منذ أسبوع واحد 3 أيام
منذ أسبوع واحد 6 أيام
منذ أسبوعين 6 أيام