أكتوبر, 2009
بمناسبة اليوم العالمي لنشاط تغير المناخ 350
اليوم، 24 أكتوبر، يجتمع عشرات الألوف من النشطاء و المهتمين بمستقبل الإنسان و الكوكب و الاقتصاد من أجل الضغط على "قادة" العالم للعمل على مواجهة تغير المناخ.
لن يفيد.
أولا، لأن طلب القادة بأن لا تتجاوز نسبة انبعاثات غازات الدفيئة 350 جزءا في المليون، و هو سبب تسمية الحملة 350 لا علاقة له بإيقاف تغير المناخ. أوقات الثمانينيات حدث أن اتحد "قادة" العالم في سابقة نادرة لعلاج ثقب الأوزون، لكن الطلب وقتها كان منع استخدام غازات الفلوروكلوروكربون تماما. أي طلب أقل من إعادة ترتيب الاقتصاد كلية حول أساس غير حرق الكربون غير كاف، خصوصا أن تقارير اللجنة بين-الحكومية المعنية بتغير المناخ تشير إلى أن التقديرات السابقة كانت متفائلة. يبدو أن العملية تسير بأسرع مما هو متصور.
ثانيا، الطلب من "القادة" أصلا غير مفيد. لأن تغيير النظام الاقتصادي كلية، و هو سبب تغير المناخ و باقي المشاكل البيئية، يتطلب تغيير بنية المجتمع و السلطة فيه، و أي مجهود أقل من ذلك غير لن يجدي وحده، و هو طلب طبعا لن يجيبه الناس ال فوق للناس ال تحت. حتى لو عاش كل الأمريكان في مستوى حياة المصريين و ركبوا الدراجات الهوائية و أغلقوا المصابيح الموفرة عند خروجهم من غرفة المعيشة (محققين العدالة الاجتماعية)، ستظل مساهمتهم في تغير المناخ غير مستدامة طالما ظل الجيش الأمريكي موجودا، فتأثيره (باعتباره أكبر مستهلك للوقود و أخطر نشاط بشري مدمر للبيئة) لا يقارن بكل الجهود الإصلاحية الأخرى التي تروج لها المنظمات البيئية الكبرى مثل جرينبيس، التي يبدو أنها نسيت بعد ثلاثين عاما "السلام" و العدل الاجتماعي في اسمها، و ركزت على "الأخضر".
ثالثا، التغير الاجتماعي الواسع نفسه لن ينجح إلا لو كان واعيا و مستبطنا لأفكار الحياة المستدامة. تختلف المشاكل البيئية عن باقي أنواع المشاكل التي تنجح الحركات الاجتماعية في تناولها في أن تأثير المشاكل البيئية لا يظهر مباشرة، و في حالتنا هذه لم نعرف عنه إلا بعد قيام النمط الاقتصادي المضر بالبيئة لقرن أو أكثر. تماما كما أن اللبراليون الخضر لن يحققوا الكثير بمحاولاتهم الإصلاحية، فإن ثورة اجتماعية حمراء لن تنتج بالضرورة نمطا اقتصاديا دائريا تتساوى فيه المدخلات مع المخرجات و يكون حجمه صغيرا بالقدر الذي تستطيع البيئة دعمه بشكل مستدام.
العلم بتغير المناخ وصل الثقافة الشعبية منذ نصف قرن أو يزيد. من مقال بعنوان "كيف تدمر الصناعة المناخ" نشر في نيويورك تايمز عدد الأحد 24 مايو 1953:
إن حجم ثاني أكسيد الكربون في الهواء سيتضاعف بحلول العام 2080 و سيرفع درجة الحرارة بما لا يقل عن حوالي 4 في المائة في المتوسط. إن حرق حوالي بليوني طن من الفحم و النفط كل عام يبقي متوسط درجة حرارة الأرض أعلى مما لو غاب ذلك الحرق".
إحدى أفضل مصادر المعرفة عن الموضوع هي مدونة المناخ و الرأسمالية. تحور المدونة شعار روزا لكسمبورج الشهير ليصبح: "الاشتراكية البيئية أو البربرية، لا طريق ثالث.
التاريخ
أعوام الثمانينيات كنت أقرأ في مجلة 2000 عن أحدث تقنيات تسجيل الصوت و الصورة وقتها، و أخطط لنظام أرشفة قادر على توثيق تاريخ شخص كامل. كنت أقرأ في ذات المطبوعة--التي تمزج بين الخيال العلمي و عرض حديث التقنية المعاصرة (من نوع كاميرات فديو بيتاماكس) و المستقبليات، و التي لم تصدر منها سوى أعداد قليلة و كان محررها منير العكش--عن كبسولتي زمن وضعت فيهما أهم علامات الزمن المعاصر و دفنتا تحت الأرض في قلعة أوساكا و على الضفة الجنوبية للتيمس في لندن. كانت تلك الكبسولة قاصرة في نظري لأنها ينبغي لها أن تحوي بشكل كامل قدر الإمكان تفاصيل حياة فرد من نوعنا البشري. مرت منذئذ عشرون عاما تطورت فيها التقنية الرقمية لتسمح لأفراد عاديين مثلي بتسجيل أجزاء لا بأس بها من حيواتهم.
اقتنيت مؤخرا شيئا أسميه "الجهاز". الجهاز ليس هاتفا فقط، و ليس كاميرا و مسجلا صوتيا، و لا مستقبلا لنظام تحديد المواقع الجغرافية GPS، و لا مشغلا للموسيقا و الفيديو، و لا وسيلة اتصال بإنترنت فقط. هو كل ذلك و أكثر. إلا أن هذا الشيء ذاكرته لا تزال محدودة، و متحسساته لا تزال تتجاهل بيانات كثيرة كالضغط الجوي، و الارتفاع و درجة الحرارة و الرطوبة النسبية و بياناتي الحيوية. قريبا سيصير بالإمكان تخزين قدر معقول من بيانات فردية في ذاكرات محمولة رخيصة: سجلات زمانية و صوتية و صورية و مكانية و قراءات حيوية لكل ثانية من تاريخ الأفراد.
أتعجب من من ينظرون إلى إنجازات البشرية و يظنون أنها كثير. الجزء الأكبر من تاريخنا بعد أن تميزنا عن باقي القردة العليا لا يتعدى العمل على البقاء إلا قليلا، و ما "حققته" الأقلية منا في الإثني عشر ألف الأخيرة--باعتبار أن الحضارة بدأت بنهاية العصر الجليدي الأخير و بداية حقبة الهولوسين، مما يجعلنا اليوم في العام 12,009 في التقويم الهولوسيني (الإنساني)--دفعت ثمنه الأغلبية في حروب و حدود و عبودية و طبقية مضرة في أسوأ الحالات و لا ضرورة لها في أفضلها. لا تزال أفكارنا عن التنظيم الاجتماعي و الاقتصاد بالغة البدائية و الضرر للناس و الكوكب، و ما برحنا إلا قريبا نبتكر نماذج نحاول بها تفسير سلوك الأفراد و المجتمعات و الطبيعة، و لا تزال تلك النماذج تفتقد بيانات تاريخية تعمل عليها. العصور التاريخية، يا سادة، لم تبدأ بعد.
التاريخ علم مضبوط و إحصائي. التاريخ تنقيب في بيانات سجلت بدقة و جمعت بمنهجية على مستوى الأفراد، و هو يتطلب مستوى من تقدم الحضارة لا يزال النوع البشري على أعتابه. ما نقوم به اليوم و نسميه تأريخا--حتى و إن سميناه تاريخا "شعبيا" مقارنة بتاريخ الدول و الملوك و حروبهم--هو حقيقة صناعة لحكايات و أساطير و صور منقوصة الزوايا و الأبعاد.











أحدث التعليقات
منذ أسبوعين يوم واحد
منذ أسبوعين 4 أيام
منذ 6 أسابيع 3 أيام
منذ 10 أسابيع 4 أيام
منذ 10 أسابيع 4 أيام
منذ 10 أسابيع 6 أيام
منذ 13 أسبوعا 19 ساعة
منذ 13 أسبوعا 4 أيام
منذ 19 أسبوعا يوم واحد
منذ 19 أسبوعا يوم واحد