حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

نقابات رأي و ليست نقابة مدونين

ما نويته تعليقا على تدوينة للحاج جرجس و على خبر في المصري اليوم أصبح تدوينة هنا. يبدو أن موضوع نقابة المدونين لا يزال يعود كل فترة منذ أن كنا ثلاثين مدونا يكتبون بالعربية في مصر، و بعد أن زاد عدد المدونين اليوم عن الثلاثة آلاف. أبدأ من توضيح الفارق بين معظم المهن، و لنأخذ هندسة المعمار مثلا، بالمقارنة بالعمل الذي يقوم به الصحافيون و كتاب أعمدة الرأي.

أفهم أن يقدم المعماري مع تصميماته تصريحا بممارستة المهنة، وأفهم أن يفضل البعض أن يصدر التصريح من جهة مركزية في الحكومة--ليست بالضرورة نقابة المهندسين، فهي ليست تابعة للحكومة ولا ينبغي لها أن تكون. الحالة هنا أن المعماري يتقدم للمجتمع بطلب امتياز، و هو امتياز تصميم المباني، و في مقابل هذا يقبل نوعا من مساءلة المجتمع له عند ثبوت وقع ضرر على الناس من سوء تصميم بناء له، و قد تكون المساءلة قانونية جنائية يحبس المهندس على أثرها، و ليست فقط مجتمعية مهنية تتخلى فيها النقابة عن دعمها له. المهندس إذا يطلب امتيازا، بينما كل صاحب رأي يمارس حقا، و هنا الفرق.

التعبير حق مكفول للجميع، بل هو عند البعض الحق الأصيل الذي تتفرع منه كل الحقوق الأخرى. لذا فلا معنى عندي أبدا لتصريح ممارسة الصحافة (إلا لأسباب تنظيمية ليست موضوعنا الآن)، التي هي مهنة الرأي كما هي مهنة التقرير الصحافي المحايد--بفرض أن يكون الفرق واضحا تماما للقارئ. الأسوء من ضرورة الانتساب لنقابة حتى يسمح لك أن تمارس الصحافة هو أن لا تملك إلا خيارا واحدا تنتمي إليه: نقابة تصدر بقانون و ترفع شكواها إلى مجلس أعلى للصحافة، بدلا من الوضع الطبيعي للأمور الذي تختلف فيه مع موقف النقابة من قضية ما، أو لا ترضيك مساندتها لك في قضية تكتب عنها، فيكون بإمكانك ببساطة أن تترك النقابة و تنضم لأخرى، أو أن تبدأ نقابة جديدة بنفسك: مجتمع مدني منفتح!

بل أكثر من هذا: نقابات الرأي أتوقع أن يكون لها مساندين لا يمارسون بالضرورة الصحافة بشكل احترافي يكسبون منه عيشهم (و معه تأتي مشاكل إضافية)، وأن تعبر النقابة عن مواقف واضحة. يعني هذا أن تكون هناك نقابة رأي تدفع بأن حرية التعبير هي قيمة مطلقة، و بالتالي تساند أصحاب الخطاب المحرض على الكراهية، سواء جاء من عبكريم أو من يعاديه، إدراكا منها أن موازنة خطابات الكراهية مسؤولية مجتمع نشط يجيب رأي كراهية القلة برأي اعتدال الكثرة كإجراء أدنى، و بعمل مجتمعي سلمي--كالمقاطعة مثلا--كإجراء أقصى، دون أن يتجاوز ذلك إلى إجراء قانوني عنيف. العين بالعين، و ليست بالعين و الأنف ليكون عبرة. القانون يضع الحدود، أي ما لا ينبغي أن نتجاوزه، و ما دون ذلك متروك لنا نديره بأنفسنا.

تقابل نقابة الحرية المطلقة هذه نقابات كثيرة تختلف كلها في تعريف خطاب الكراهية، و يكون تعريفها كلها دقيقا و واضحا تماما. لا أعترض مثلا على نقابة تعتبر خطاب الكراهية ما يلي:

  • الصهيونية و الجنسية الإسرائيلية
  • من يسمح لنفسه بتصنيف البهائية على أنها ليست دينا--القائمة قابلة للتوسعة عندما يظهر من يعتبر ديانات أخرى"لا ديانات"، سواء كانت الإسلام أو المسيحية أو كنيسة إي.ماكس
  • مزاعم تفوق و تخلف أعراق مثل العرب، و الحاميين، و النوبيين، و البيض، و السود
  • تقديم الرجال على النساء و العكس
  • اضطهاد الناس بسبب توجههم الجنسي

هذه تعريفات دقيقة لما يشكل خطاب الكراهية من عدمه، في حين أن عبارة "ازدراء الأديان" مثلا لا تعرف ما هي الأديان، أو ما هو الازدراء. لا أقبل أيضا الانضمام إلى نقابات تعتبر منكري معتقداتها محرضين على الكراهية.

في وسط كل هذه الآراء و المواقف المختلفة، يتوه التقرير الصحافي الذي لا يسعى إلا إلى تقديم صورة تقترب إلى الكمال، و يترك للقارئ تكوين معتقداته بنفسه، و هو شيء أفتقده في الصحافة المصرية، و أراه بشكل عابر في عدد صغير من المدونات المصرية، و إن أصبح من الصعب الآن متابعة المدونات كلها كما كنت أفعل منذ عامين مضيا.

مطلوبة نقابات للرأي، للمواطنين و ليست للمدونين.

بعد أن قرأت ما

بعد أن قرأت ما كتبه الحاج جرجس أرى أن المطلب الأساسي الذي يشغل باله و بال العديد من المدونين، و لأسباب واقعية، هو حماية الحقوق الفكرية، و ليست النقابة في رؤيتهم غلى الوسيلة لتحقيق ذلك.

لكني أرى أن حماية الحقوق الفكرية لن تتحقق للمدونين، الذين يهمهم هذا الموضوع، إلا في إطار احترامها بشكل عام في المجتمع و بشكل خاص في مجال الكتابة و النشر، لأن خط الدفاع الأول و الحقيقي لفكرة الملكية الفكرية هو اقتناع أغلب الجماعة بها و بجدواها. بدون هذا الاقتناع لا يمكن حماية أي شيء، فكري أو مادي.

موضوع النقابات إلى جانب أنه عقيم في الشكل الممكن في ظل التشريعات الحالية المقيدة للحريات، فهو أيضا لن يؤدي إلى حماية الملكية الفكرية، و إلا لما كان الكتاب و الصحفيون التقليديون عانوا من أثار السرقات الأدبية.

على جانب آخر أحيانا ما يلوح لي أن كثيرين يستصعبون فكرة العمل الجماعي المنتج في ظل تنظيمات غير رسمية؛ تنظيمات ذات روابط ضعيفة قانونيا لا يجمع بين أعضائها و أصحاب الشأن فيها سوى إلتزامهم و المجتمع ككل بممارسات معينة و استهجانهم لما يخالفها، كما أوضحتَ يا صاحب الأشجار.

هذا النوع من التنظيمات هو الأساس في العمل المدني، و النقابات و الاتحادات جزء منه، و الذي يفترض أن تدخل الحكومة و التشريع فيه هو في الحد الأدنى، و يقتصر على أسباب مثل الرقابة المالية للأموال العامة المستخدمة في النشاط و بقتصر على أوقات الخلافات، لكن بالتأكيد ليس الهدف منه الرقابة الفكرية. حيث أن الأصل في وجود منظمات المجتمع المدني هو الإباحة بمجرد وجود الإرادة لدى أفراد لوجود تنظيم ينسق ما بين جهودهم لتحقيق هدف مشترك.

كلما زاد فساد الدولة، ازدادت تشريعاتها - تاكيتس، 117-55 ق.م

أنا معاك في

أنا معاك في رأيك في موضوع النقابة واللستة اللى كتبتها عن صور خطاب الكراهية جميلة في الحقيقة. انما ازاي بقا عبد الكريم بيحرض على الكراهية . هو بيكره الاسلام وبيعلن ده، انما بيحرض على الكراهية ؟؟؟؟؟؟
المدونة اللى اسمها مكسوفة اللى انت عامل وصلة لتدوينتها هنا واضح قوى انها بتحرض على الكراهية بدليل انها شمتانة في انه اتقبض عليه. يعني موافقة على تدخل الأمن في حرية الرأي إنما عبد الكريم ازاي؟

عمرو غربية's picture

مش وقت كلام

مش وقت كلام كثير عن عبد الكريم علشان هو في الحبس. من غير ما أرجع لأي من كتاباته، عبد الكريم مثلا بعد الإفراج عنه العام الماضي شكر الأمن على اعتقال أبو إسلام أحمد عبد الله، ﻷن المجتمع في حاجة للتخلص من أمثال أبي إسلام.

أبو إسلام طبعا بيكافح حاجات وهمية في مصر زي التنصير و الماسونية.

وصلت وجهة نظرك

وصلت وجهة نظرك ... لكني أختلف في بعضها عموماً الإختلاف لا يفسد للود قضية جزيت خيراً