حَوْلِيَّاتُ صَاحِبِ الأشْجَارِ

"نحتاج وقتا طويلا لننطق أي شيء بالإنتية القديمة، لذا فنحن لا نقول ما لا يستحق وقته"

محمود توفيق

التسليك قبل الفتح

ما وصلني من مقابلة محمود توفيق معي ومع علاء الشهر الماضي:

حبر الانتخابات يختفي أسرع هذه المرة

في الللية السابقة للانتخابات، دخلت في حوار مع أخي عن إن كان يجدر بمرشحي الإخوان المسلمين الحصول على صوتي. عثرت أثناء الحوار على موقع اتحرك على قائمة بمرشحي المعارضة في الدوائر المختلفة. كان ظاهرا لي أن القائمة قديمة، فبعض الأسماء التي حضرت مؤتمراتها الانتخابية--كمال أبو عيطة في بولاق الدكرور والعمرانية، وكمال خليل في امبابة--غير مذكورة. وجدت في دائرتي مرشحين معارضين: عادل وديع فلسطين من التجمع لمقعد الفئات، ومحمد خضري عوض من الوفد لمقعد العمال. صباح يوم الانتخابات استقبلني شباب الإخوان المسلمين والحزب الوطني أمام المقر الانتخابي. واضح أن المنافسة محصورة بين مرشحيهما--في مقعدالفئات مكارم الديري عن الإخوان، ومصطفى السلاب عن الوطني، وفوزي السيد مستقلا عن الوطني--ابتسم الإخواني الواقف على الرصيف عندما أجبت على "السلام عليكم" بـ"عيب. الدعاية الانتخابية انتهت". بحثت عن اسمي. دلفت إلى اللجنة. الجالس على الكرسي يكبرني ببضعة أعوام. فكرت في الطابور أن أخبره بالدعاية الانتخابية على باب المدرسة وداخلها، ولكنه بادرني بالسؤال عن بطاقة انتخابي وتحقيق شخصيتي. لم أفاجئ خلف الستار أن وديع فلسطين ليس على القائمة. أؤشر أمام اسم المعارض الآخر، وأنتهي مصوتا لعامل آخر اسمه حنا. المسيحيون لا يرشحهم الحزب الوطني، ولا الإخوان. الصندوق زجاجي الجانب. الحبر لن يزول اليوم على الأقل--مصر الجديدة!--في طريقي خارجا، يصيح في واحد داخل باب المدرسة "فوزي خلاص؟". ألتفت وأبدأ في ترديد كل ما أعرفه عن خمس وعشرين مترا حول المقر الانتخابي ممنوع فيها الدعاية، وعن أشياء أخرى وأنا أراقب العرق المتزايد على جبينه. ارتجف الرجل تماما عندما انتهيت بسؤاله "انت عارف الكلام ده ولا لأ؟"، وأجاب أنه "ع ع عععارف. عارف". أومأ موافقا عندما أخبرته أن مكان الدعاية الانتخابية خارج المدرسة. استدرت وتابعت طريقي إلى الخارج. إلا أن شابا ناداني وأنا أعبر الطريق، وتبعه آخر، ثم ثالث. أخذ الأول يهددني لأنني تحدثت بشكل "وحش مع الراجل ده. الراجل ده يبقى عمنا كلنا"، بينما أمسك الآخر بذراعي. أفلت قبضة الثاني وأخبرت الأول أن يتبعني إلى الداخل، إلا أن ثالثهم--كلهم يعلقون على أعناقهم بطاقات فريق فوزي السيد--ناداه بأن عليهم الذهاب، وأنه كفى. المشهد أمام مدرسة أبو بكر الصديق في شارع المطار في امبابة يتختلف كثيرا عنه أمام مدرسة الخلفاء في شارع الخليفة المأمون في مصر الجديدة. يختلط ضجيج خمس سيارات لا بد أنها تصرخ بأسماء المرشحين وأشياء عنهم بمئات ممن يقفون للفرجة وعشرات يوزعون دعايا المرشحين من كل الألوان مباشرة أمام باب المدرسة. وسط كل هذه الأصوات والحركة استطعت تمييز الورقة الدوارة وهي تنتقل من امرأة إلى المشرف على التزوير إلى امرأة أخرى. أستبشر في المقر الانتخابي لكمال عندما أسمع أن الإخوان المسلمين قرروا منح أصواتهم في امبابة له، وأقابل عم علي. عم عليعم علي علي أمين السيد حمد صعيدي من قنا أتم السبعين من عمره، مسجل في الجداول الانتخابية في امبابة. أدلى بصوته آخر مرة للرئيس جمال عبد الناصر، وها هو يعود الآن لينتخب كمال خليل. وقف الرجل في المقر حاملا بطاقته الشخصية رقم 23505082700376، وشرح لي حالته: فقد عم علي شهادته الانتخابية الحمراء خلال السنين، ورفض قسم الشرطة استخراج بدل فاقد لها. "أنا راجل أمي، لكني مش جاهل، وحقي كده مهضوم. باين علي إني مواطن، والمفروض بأي لجنة أنتخب بالرقم القومي". علي أمين السيد حمد ليس وحده، ففي الداخل كان يجلس مرشحان سابقان في انتخابات المجلس المحلي في امبابة، أي أنهم لا بد مسجلون، إلا أن أسمائهم رفعت من الكشوف الانتخابية، وبالتالي لم يسمح لهم بالتصويت. يحاول علاء الحصول على الجداول الانتخابية من مرشحي المعارضة في مختلف الدوائر، إلا أن هذا الإجراء لن يفيد إلا في كشف حجم التلاعب فيها. الحل، كما يدرك عم علي، هو السماح بانتخاب أي شخص يحمل "البطاقة الكمبيوتر". يجاهد اسماعيل هلال مشرح الحزب الوطني في امبابة بأصوات ألفي شخص يحضرهم من الإسماعيلية كل موسم. استخرج هلال لهؤلاء بطاقات شخصية ثانية على عناوين وهمية في امبابة، وبعدها بطاقات انتخابية. محمد أبو العنين يقوم بشيء مماثل في دائرة الجيزة، وإن لم يكن بنفس حرفية هلال. حاول أبو العنين أن يشحن ثلاثة آلاف من السويس والشرقية في سيارات منها ما تملكه محافظة الجيزة كي يصوتوا له ببطاقات انتخابية مستخرجة في الجيزة. لم يكن باستطاعة القاضي المشرف على تلك اللجنة إلا اتباع الإجراء القانوني، فالبطاقات سليمة وإن كان أصحابها من بلاد أخرى. على العموم قام الرجل بمساعدة المندوبين المرتبكين واتصل بباقي المرشحين. بعد وصولهم هدد محمد الأشقر مرشح التغيير ومستقلين اثنين (أحمدمصطفى وسيدة أخرى) والقليل من مندوبيهم بضرب مئات العمال الذين أسرعوا بالفرار من مدرسة صلاح الدين بالجيزة، فهم غير مهتمين بالتصويت لأبو العنين أصلا، بل إن علاء سمع أحدهم يقول: "طب ما احنا ممكن ننتخب اللي عايزينه، ومحدش حايعرف". نقل نفوذ أبي العينين ثمان صناديق من ثمان مدارس في دائرة الجيزة إلى أرض خراب في العمرانية المجاورة. أبو العنين بتواجده الدائم في الدائرة غير محتاج للتزوير أصلا--الطبع غلاب--، على عكس اسماعيل هلال في امبابة، الذي برغم الآلاف من السوايسة والشراقوة، وأحداث ذلك المساء، فإنه لم يحصل إلا على الإعادة. تركنا، علاء وأنا، محمود توفيق الذي استطاع تسجيل كل أحداث الجيزة بالصوت، وذهبنا إلى منزل علاء ظانين أن اليوم انتهى. إلا أن مكالمة أخبرتنا أن كمال خليل طرد من لجنة الفرز حين اعترض على فتح كل الصناديق في آن واحد وبدء الفرز قبل وصول المرشحين ومندوبيهم. وصلنا أمام لجنة الفرز بمدرسة باحثة البادية في امبابة لنجد تجمعا من مئات من أهل المنطقة والمؤيدين لكمال خليل يحول بينهم وبين باب المدرسة عشرات من الأمن المركزي. هتف الجمع ضد التزوير الذي يحدث بالداخل، وانتقل نفر منهم إلى قسم إمبابة حيث وافق كمال خليل على طعن قدم سابقا من مرشح آخر. كان ذلك منتصف الليل، منتصف الليل للمعارضة كلها.

باطل و نص

يا أهل مصر: ضد أمر مولانا السلطان، اسمعوا وعوا كلام محمود توفيق معاكم يا أهل القاهرة. والحاضر يعلم الغايب.

ما يحكمش

نجلس أنا ومحمود الساعة الثالثة صباحا خارج مطعم فطير في شارع التحرير. تصل لأذناي كلمات صاحب المحل وجارته الست هدى الجالسان على الطاولة بجانبنا: "كفاية"؛ "أيمن نور". يقرر محمود أن نسألهما إن كان بإمكاننا الانضمام إليهما. بدأنا الحديث من أن كل شيء عائد إلى وضعه الطبيعي بعد الانتخابات، وانتهينا إلى أن شيئا ما يحدث، وإيدي على كتفك. أخبرناهما عن مظاهرة مساء هذا اليوم قبل أن نودعهما ونوقف سيارة أجرة. ننزل من سيارة أجرة أخرى السادسة مساء في ميدان طلعت حرب، ومعنا علاء. نلاحظ عدم وجود أمن مرة أخرى. يسألني علاء: "مسيرة تاني؟"، إلا أن الحشد ينزل إلى الشارع من جراء نفسه قبل أن ننجح في العثور على من نكلمه من شباب التغيير. يتحول العشرات الواقفين على رصيف مدبولي إلى مئات في ميدان التحرير، ثم الألوف في شوارع وسط البلد. أبحث عن الست هدى أثناء مرورنا أمام المحل، إلا أنها تجدني قبل أن أجدها. تسلم بحرارة، وتتلفظ بكلمات لا أسمعها من ضجيج المظاهرة، ثم تختفي وسط الجموع. يذكر المسح السكاني الصحي - مصر 2000، والصادر عن المجلس القومي للسكان بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، أن نسبة من هم فوق سن الثامنة عشرة الآن، أي في سن الممارسة السياسية، تبلغ 65.30%. إذا قبلنا تقدير سكان مصر يوم 30 يونيو 2005 بـ69,795,950 نسمة، وهو تقدير مبني على سلسلة من تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء--التي هي دائما أقل تقديرات عدد السكان، وبالتالي تعطي نسبة أكبر لعدد المشاركين في الانتخابات الأخيرة--نخرج بأن عدد من هم في سن الممارسة السياسية يبلغ 45,576,755 مصريا ومصرية. تزعم وزارة الداخلية--ومؤخرا لجنة الانتخابات الرئاسية التي هتف المتظاهرون ببطلانها وبطلان رئيسها المستشار ممدوح مرعي--أن وصل إلى 31,826,284 ناخبا، أي بنسبة 68.8% ممن في سن الممارسة السياسية. إذا أخذنا من دفعوا بأنفسهم للتصويت مقياسا لتقدير حجم شعبية مبارك ونور بين المصريين، نجد أن أصوات مبارك الـ6,316,784 تعني أنه يحظى بتأييد 13,9% من المصريين كحد أقصى، بينما يؤيد نور 540,405 بنسبة 1.19% على الأقل. أي أنه بعدم أخذ التزوير الذي يتم دائما في صالح مبارك، فإن حجم شعبيته لا يزيد إلا 11.6 مرة على شعبية نور. يبقى أن نذكر أن نتائج الانتخابات الأخيرة المأخوذة عن الجزيرة تتعارض فيها الأرقام مع النسب. واقعيا، ينخفض الفرق بين حجم شعبيتي مبارك ونور كثيرا في وجود تقديرات سكانية أخرى، وفي وجود عملية انتخابية أكثر سلامة وشفافية، وفي عدم وجود حالة الطوارئ. بعيدا عن نور ومصداقيته وما حوله من أسئلة تنفر عنه الكثير من طوائف المعارضة، يبدو الواقع أن حجم مؤيدي النظام في مصر ليس بالغ الكبر مقارنة بحجم معارضيه، وأن الغالبية الساحقة من المصريين، حوالي 84%، يقفون في الأعم معارضين للنظام والمعارضة معا، ثم معارضين للنظام فقط، ثم مؤيدين صامتين للنظام ومعارضين صامتين للمعارضة. الأربعاء الماضي أدليت بصوتي في الانتخابات صباحا، وراقبتها في الضحى، ثم هتفت ببطلانها باقي النهار. بعد زيادة الاهتمام بالانتخابات في مصر، يمكن للمصريين أن ينشطوا في هذه الاتجاهات الثلاثة: حث الناخبين المسجلين على المشاركة في انتخابات مجلس الشعب القادمة التي تحل في نوفمبر ولن يكون بوسع غير المسجلين استخراج بطاقات، وسيضطرون للانتظار حتى انتخابات مجلس الشورى والمحليات التي تليها. إذا صح القيد التلقائي بدءا من مواليد 1982 الذين بلغوا الثامنة عشرة وقت انتخابات 2000 التشريعية، يصبح لدينا نحو الـ15% من الناخبين (6,820,137 شابة وشاب) بإمكانهم الإصرار على الانتخاب ببطاقات الرقم القومي. الاتجاه الثاني هو زيادة رقابة المجتمع المدني، ناهيك عن مندوبي مرشحي الأحزاب--رفض حزب الغد لقلة حكمته قبول تطوع غير أعضائه كي يصبحوا مندوبين عن أيمن نور في الانتخابات الأخيرة.--مطلوب أخيرا إصلاح النظام الانتخابي برمته بدءا من إشراف القضاة الجالسين فقط، مرورا بحالة الطوارئ والحريات، ونهاية ببديل يستخدم تقنيات أكثر حداثة.

"الشمس أرحم من ورا الشمس"

لجنة انتخابية في العمرانية: دعاية انتخابية على مدخل المدرسةلجنة انتخابية في العمرانية: دعاية انتخابية على مدخل المدرسة موظفي اللجنة الانتخابيةموظفي اللجنة الانتخابية تذكرت على سلم نقابة الصحافيين الرجل الذي نطق بهذه العبارة، لافتا انتباه محمد وانتباهي. إلا أن اليوم بدأ بشكل مختلف. بدأ يومي في قسم مصر الجديدة عند الأستاذ عوض والحاجة فوزية كي أعرف في أي لجنة أنتخب. إعلان كبير يؤيد مبارك على باب لجنة مدرسة الخلفاء، وعلى باب كل لجنة رأيتها ذلك اليوم. تمنع القواعد أي دعاية انتخابية في دائرة نصف قطرها واحد وعشرين مترا من اللجان الانتخابية. هذه أولى مخالفات اليوم. اللجنة من الداخل تبدو منظمة: مسار تدخل فيه من نقطة وتخرج من أخرى. أتقدم إلى القاضي الشاب باحثا عن إرشادات. يأخذ البطاقة، ويسأل عن أي مكتب من الأربعة خلفه يختص بحرف العين. لا يطلب الموظفان الجالسان على المكتب أي تحقيق للشخصية، بل يسألاني عن وظيفتي. أجيب أنها كما كتبت أمامكما في البطاقة الانتخابية، ثم يسالاني إن كنت مصريا، ويتعجب أحدهم عندما أخبره أن البطاقة التي في يده دليل على مصريتي. يناولني بطاقة الاقتراع. أذهب وراء الستار. أسود المربع بجانب اسم أيمن نور جيئة وذهابا؛ صعودا وهبوطا. أنظر من خلف الستار إلى ما يفعلان. أخرج وأضع البطاقة في الصندوق بنفسي. وأعود لأتسلم بطاقتي الانتخابية، وأضع اصبعي في الحبر الخاص. أطلب علاء، وأذهب إلى منزله ومنال. ألاحظ مصورا وكاميرا تلفاز تنتظر بالأسفل. يفتح لي الباب واحد من طاقم سي.إن.إن الذين يصورون وثائقيا عن ضحايا انتهاكات الاستفتاء من النساء، ومنهن أم علاء الدكتورة ليلى سويف. أسلم على منى الطحاوي. ننتقل كلنا إلى لجنة مدرسة السادات في شارع الهرم حيث وجدنا مراقبا مدنيا. بدأ محمود باجراء مقابلات إذاعية معه ومع الجالسين على مكاتب الحزب الوطني داخل اللجان. بطاقة دليل الناخب: من الحزب الوطني و عليها نصائح انتخابيةبطاقة دليل الناخب: من الحزب الوطني و عليها نصائح انتخابية يذهب راغبو التصويت إلى القاضي ومعاونيه رغبة في معرفة إن كانوا مسجلين كناخبين في هذه اللجنة. يملك معاونو القاضي كشوفا بأسماء ناخبي اللجنة، إلا أن منهم من يطلب من الناخبين أن يلجأوا إلى مكاتب الحزب الوطني. يعطي متطوعو الحزب الوطني الناخبين بياناتهم الانتخابية التي تساعد معاوني القاضي على إيجاد أسماء الناخبين في القوائم فيما يسمى "بطاقات دليل الناخب". يسأل محمود متطوعي الحزب الوطني عن رأيهم في لافتات التأييد وبطاقات الإرشاد، وإن كانت دعاية انتخابية لمبارك. يجيب معظمهم أنها ليست دعاية، وأن الناخبين ليسوا ملزمين باستخدامها. أما اللافتات والملصقات فهي تأييد لمبارك من رئيس المجلس المحلي. طبعا يرفض علاء أن يحصل على بياناته الانتخابية على بطاقة كهذه، ويبدأ الخلاف. تستطيع منال التصويت، فهي من مواليد 1982 وما بعد، وبالتالي مسجلة تلقائيا في الجداول الانتخابية (يوجد اختلاف على العام، إن كان 1982 أو 1984 أو غير ذلك). بالرغم من أنني تحدثت مع سيدتين أصغرهما في ثلاثينيات العمر استطاعتا التصويت بالبطاقة الشخصية كوافدتين، إلا أن آخرين لم يسمح لهم، ومنهم علاء. اللجان يعلن عنها لاعبي المزمار والطبل البلدي. ثالث اللجان التي زرناها أقيمت داخل قسم العمرانية، وهو ما أعتبره ما يتعدى المخالفة الصريحة إلى إرهاب المواطنين. في الطريق إلى مظاهرة كفاية في ميدان التحرير يلاحظ محمود سيارة نصف نقل تحمل سماعات تصرخ بدعوة المواطنين لتأييد مبارك. يتركني ومنى الطحاوي في سيارة الأجرة ويقفز فوق سيارة النقل إلى أن يوقفها، وعندما تتوقف، يدخل رأسه من نافذة السيارة ويأخذ الميكروفون ممن بداخلها ويسأله لماذا يقوم بالدعاية الانتخابية بعد انتهاء موعدها. يصفق المارة في الشارع. تقابلنا عبير العسكري، ونتوجه أربعتنا إلى المظاهرة. محمود توفيق في عرض شارع قصر العيني: يتحدث إلى مروجي مرشح الحزب الوطنيمحمود توفيق في عرض شارع قصر العيني: يتحدث إلى مروجي مرشح الحزب الوطني أتجول في الميدان. يجري معي مراسلين حديثين أو ثلاثة. أصبحت الآن أسلم على أصحاب وجوه كثيرة اعتدت تمييزها. يلاحظ شاب وشابة اصبعي المصبوغ بحبر الانتخابات. أتوجه نحوهما وأبدأ الحوار. سيظل أحمد وشيماء معي أو حولي لساعات أربعة تالية، وستظل نشوى تشحن المتظاهرين طوال الوقت. نشوى: تشحن المتظاهريننشوى: تشحن المتظاهرين تبدأ شيماء وهي الأكثر حماسا بسؤالي عمن أعطيت صوتي ولماذا. أجيب بأن أيمن نور هو أفضل خياراتي، وأن الفائدة في أول انتخابات حرة قادمة ليست أن نأتي بهذا أو ذاك، بل أن نتعلم أن بإمكاننا إزاحة الحكام متى أردنا. أقدمهما لسارة نجيب كي تحكي لهما عن شباب من أجل التغيير. شيماء و أحمدشيماء و أحمد يحاول علاء أولا ثم آخرين إقناع المظاهرة بترك الميدان والسير في الشوارع: "لكننا طالما أردنا احتلال الجزيرة وسط الميدان". حسن، هل بإمكانكم عبور الطريق واحتلالها بسرعة حتى يمكننا التحرك؟ يصل كمال أبو عيطة ويدفع المظاهرة أخيرا نحو المسير، وفي نصف الساعة يتضاعف المتظاهرون من بضع مئات إلى بضعة آلاف. نروح ونجيء في شوارع وسط البلد، وننعطف في شوارع ضيقة، وينضم الناس إلينا أكثر. حتى المحابيس المنقولين في الشاحنات الزرقاء ينظرون في تأثر ويصرخون "يسقط مبارك!". لسبب لا أفهمه، يصر جورج إسحق منسق كفاية على اللجوء مبكرا إلى نقابة الصحافيين. يرفض عقل المسيرة وبعض مسيريها (وجدت نفسي لحظة أطلب من الطحاوي أن تشغل اسحق في حوار حتى ننعطف نحو ميدان مصطفى كامل). أسأل وائل خليل في ميدان الأوبرا عن آخر مرة رأى فيها شيئا بهذا الحجم. نخطط للاستمرار في المسير نحو ميدان رمسيس، بينما يرغب آخرون في الانعطاف شرقا نحو الأحياء المزدحمة: الحلمية، أو باب الشعرية، أوالسيدة زينب. الثقة التامة في حجمنا والتغطية الإعلامية يجعلنا ننقسم في ثلاث مجموعات على الأقل. أتابع شيماء وهي تهتف كل حين، إلى أن تخترقنا في ميدان العتبة صفوف الصارخين "حوسني حوسني". نتفرق إلى مجموعات من خمس أو ست أفراد، ونحاول الهروب إلى نقابة الصحافيين. "هع!". يمسك صاحب محل أجهزة كهربائية بسيخ من الحديد وينمعني ثم يمنع بهاء من الدخول خلف سارة نجيب وأخرى ظانا أننا نهاجمهما كالآخرين. أقف مع شيماء في الخارج إلى أن يخرجا. لا تجيبني منال عندما أطلبها. أقلق وأطلب علاء الذي يخبرني أنها معه، وأن هناك مجموعة أخرى رجعت هربا نحو ميدان الأوبرا. أحاول أن أجعل أحمد وشيماء يخفضا من مستوى حماسهما. تشرح لي شيماء، التي حصلت على دبلوم التجارة، أنها وأحمد، الطالب في كلية التجارة، يفكران منذ أن بدأت فترة خطبتهما منذ شهرين في أشياء جانبية وغير حقيقية، وأن ما يجري أمامها الآن هو ما يستحق الاهتمام. أسألهما عما كسباه في الساعات القليلة الماضية، وعما خسراه. كل الخسارة هي أن أحمد لم يذهب إلى عمله اليوم. بهاء صابربهاء صابر محمود توفيقمحمود توفيق سارة نجيبسارة نجيب جورج اسحق: يحوز على التقديرجورج اسحق: يحوز على التقدير كسبنا كلنا الكثير يوم الانتخابات. راقبنا الانتخابات، واستغللنا الفرصة لبدء أكبر مسيرة منذ بدء حركة المعارضة الجديدة، وحاز اسحق لكفاية على ذلك النصر في خطبة له أمام نقابة الصحافيين. أدركنا أننا نفتقد إلى تكتيكات العمل في الشارع. قد يكون بعضنا فكر أن الوقت قد حان منذ زمن لتجاوز المظاهرات والهتافات إلى الفعل السلمي المباشر، وأن الانشغال بالرئاسة والانتخابات والمعارضة الشخصية لمبارك قد انتهى، وأصبحت أمامنا مساحة للعمل. هناك انتخابات تشريعية قادمة في المجلسين، ومحلية تليها قد يفيد فيها الكثير من التنسيق بين حركات المعارضة. أمامنا أيضا الفرصة أن نزيد عدد المدونين والصحافة الإلكترونية--باعتبارها أسهل قنوات الصحافة الشعبية ومنصة يمكن منها الوثوب إلى الصحافة المطبوعة--من مائتين أو يزيد إلى بضعة آلاف. جلسنا المتخلفون من أجل التغيير وخامسنا في أحد مطاعم وسط البلد، واتققنا على أن كل شيء سياسة، وأن بإمكاننا في أغلب الأحيان أن نمارس المزيد من الضغط. قبل أن أغفو كتبت بريدا إلى بهية لأخبرها عن هيكل. تحدث هيكل عن كفاية وحركات المعارضة التي يختلف البعض في عددها أو شعبيتها. كل هذا، في رأيه، "غير مهم". يقول عن نفسه أنه متابع جيد لإنترنت والمدونات. هناك مثلا واحدة اسمها بهية، وهو يحرص على قراءة كل ما تكتبه، ويرى أنها أقيم من كل كتابات الصحافيين المصريين.
Syndicate content